العدد 2 السَّاحة، ربيع 2013
المطوِّف
مكان الزمن الدائري
هنا، في كوناوت، تشعر بحرية أكبر نسبيًا في ابتكار، بل تلفيق، حكايتك مع المكان. 
عن المؤلّف
وسام سعادة، كاتب وصحافي لبناني. درس العلوم السياسيّة في جامعة القديس يوسف، والفلسفة في الجامعة اللبنانيّة. حائز دبلوم الدراسات المعمّقة في العلوم السياسيّة، اختصاص الفكر السياسي. له مقالات فلسفيّة في مجلات دوريّة عدّة، منها مجلّة "الفكر العربي المعاصر". 
العدد الحالي
الغابة، ربيع 2014
المقالات
المراجعات


أطلب الآن
أرشيف
جميع المقالات
جميع المراجعات
أعداد سابقة
السَّاحة
سرد: كتابات عربيّة وروسيّة معاصرة
المتخّيل
cialis forum hr open cialis tablete

هذه الساحة بالذات هي مكانٌ للوقت. الوقتُ يبيتُ فيها ويتخزّن. صعبٌ أن تحدّد لساحة كوناوت في وسط العاصمة الهندية نيودلهيّ الوقت الفعليّ الذي تحيلك إليه. كولونياليّة العمارة ليست بحدّ ذاتها دلالة على توقّف الساعة. الحيوية التجاريّة للمكان ليست من النوع الذي يمضي حتى آخر النهار من دون أن يترك أبواباً للضجر فيه. كوناوت بدائرتيها، أو تاجَيها، هي مساحة موسّعة للطواف، لكنها أيضاً مجموعة مداخل ومخارج للضجر. ليس فيها إيقاع أحياء كولابا وفورت في مومباي. ليس فيها زحمة وتقوى و"مجون" أزقة وحوانيت شاندني شوق في دلهي القديمة. كوناوت ببياض جدرانها الباهت، المتآكلة بمرور الزمن، وتوالي المواسم، ورحيل المستعمر، وقيام السردية الاستقلالية ثم تصدّعها، وإغفال الاستقلال "التنموي" العناية بمراكز المدن وتراثاتها الحضارية والعمرانية لعقود، كوناوت هي "الوسط المنسحب" لمدينة بأوساط عدّة، ولعلّها المنطقة "المحايدة ايجابياً" بين مراكز دلهي الأخرى، وبين أزمنة دلهي المتجاورة مكانياً، والمتداخلة بفعل التهافت والتداعي. ففي دلهي، كما في مومباي، عدسة الناظر بنظرتين: المشهد الجامع المحيط كما هو يتراءى بكليته وتفاصيل "عجقته" أمامك، والمشهد ذاته فيما لو "رُمّم". صحيح أنك قد تنبري، من ثمّ، للدفاع عن "جمالية" المشهد كما هو. جمالية تهافت العمران وبهتان الجدران ونعاس الأروقة تحت البهو الممتد بشكل دائري، في تاجين داخلي وخارجي، بكوناوت، وبخط مستقيم، في كولابا بمومباي. إلا أن اندفاعك لتبرير "الجمالية الآن" لا تحدث بمعزل عن "إغراء ترميم" يسبقها، ويحملها، ويتسلّل اليها، وهو ترميم، أغرب ما فيه أن عينيك تصطنعه، إحيائيًّا بالأبيض والأسود، أو شيء من هذا، فيما الراهن، على بهتان جدرانه، يعجّ بكل الألوان، وبكل الروائح، وبهذه "الروح" التي ثمّة "إجماع" بين المسافرين على وصفها بـ"رائحة الهند"، وهي رائحة من الممكن القول إنها تحافظ على منسوب معيّن مشترك حيثما توجّهت في هذه البلاد، من كشمير إلى كيرالا، رائحة "ميتافيزيقية" بعض الشيء، لكنها حسّية تمامًا، تشتمّها بأنفك، وتغلظ عليك بالنوستالجيا كلما ابتعدت عن الهند، كحبّ قديم، بشقاوة مهدوية ملحاحة، تترجم بنوبات من الرجعة.

من الصعب تمامًا أن تنقل "رائحة الهند" بالكلام عنها. لكنك إذا "سويت" الموضوع بوصفها رائحة المزيج بين التوابل، والعطور، والأجسام، البشرية منها والحيوانية، وكصدى لمزيج لونيّ، وصوتيّ، فإنّ كوناوت الدلهوية تلفت نظرك إلى معطًى أساسي "يركّب" رائحة الهند: رائحة الجدران. وهي في جزء منها رائحة الكولونيالية. وفي كوناوت تحديداً، رائحة مجمع كولونياليّ البناء بالكامل. لا يحتاج المرء للالمام بحثيًا بتاريخ العمارة الكولونيالية البريطانية من الناحية الفنية والجمالية ليدرك كم أتاحت هذه العمارة في الهند للبريطانيين إطلاق العنان لمخيال تخليطي بين أزمنة معمارية أوروبية مختلفة، كما لو أن التاريخ الأوروبي حين يصدّره المستعمر في فنه المعماري يصير زمنًا دائريًا. هذه العمارة الكولونيالية طرحت على نفسها تحديدًا في الهند مسألة كيفية التناغم، وأيضًا التنافس، وبينهما أنماط المحاكاة، مع أشكال العمارة المزدهرة في شبه القارة عشية الاستعمار البريطاني، أو في غضون تمدده في أنحائها شيئًا بعد شيء، ما احتاج إلى قرن كامل. ويمكن التساؤل هل نفذ إلى تلك العمارة الكولونيالية لا سيما في دلهي شيء من عبق القلاع المغولية، وخصوصًا "الحصن الأحمر" أو "الرد فورت" المهيمن على "دلهي القديمة"؟ تختلف العمارة الكولونيالية البريطانية في دلهي ومومباي وكولكاتا عن سواها، وعن الأنماط البرتغالية (غووا) أو الهولندية (كيرالا) أو الفرنسية (بونديتشيري)، في أنها استرسلت في إظهار الطابع الأمبراطوري إلى درجة لم تعد ترمي فيه إلى إظهار "أمبراطورية بريطانيا" إنما "أمبراطورية الهند البريطانية". بمعنى من المعاني، ما كانت الهند "مستعمرة" مرتبطة بـ"أمبراطورية بريطانية" بل إن بريطانيا بنت في الهند "أمبراطورية كاملة"، إنما ملحقة بها، وتعاملت مع عاصمة "الراج" البريطاني "نيو دلهي" ليس كـ"طرف ملحق بالحاضرة"، أي بالمتروبول اللّندني، إنما كمتروبول من نوع آخر. هذا الطابع المتروبولي للفن المعماري البريطاني في دلهي قد لا يضاهي الأبعاد الأكثر تضمّنًا للأجواء الاستشراقية كما في مومباي، إلّا أنه يحاول أن يقبض على نحو أكثر حزمًا على فكرة بناء أمبراطورية هنديّة بالتوليد "التوليفيّ" البريطاني. وبذلك فإنّ اصطلاح "الأمبراطورية" يترجم هنا ببعد "إحيائي روماني" يمكن تلمّسه في دلهي البريطانية بالتحديد، وفي ساحة كوناوت ولو على شكل تراثي.

في أول مهبطي بالهند، أيلول (سبتمبر) 2008، كنت تحرّيت عن هذه الساحة بالتحديد قبل السفر، ورسمت لها انطباعًا في مخيلتي، استمددته أساساً من تعريفاتها وصورها على الإنترنت. اصطدمت وقتها، عندما وصلت إليها في الصباح الباكر بأمرين. إنها أكبر كثيرًا مما كنت أتخيّل. وإنها تبدو في الصباح ليس فقط كساحة تستفيق بتثاؤب، بل كساحة هجرها أهلها في الليل. ساحة هجرتها الحياة منذ عقود، وربما مع جلاء المستعمر، حيث أخذت العمارة الكولونيالية البريطانية تأكل نفسها بنفسها وعلى نحو مزمن. غير أني أذكر أيضًا، كيف عدت أدراجي إلى هذا المكان بعد ذلك بساعات قليلة، لأجد نفسي وسط مشهد مختلف تمامًا. مشهد لا يمكن وصفه بـ"القلب النابض" أو "الحيوي" للمدينة، إذ إنّك لا تشعر بهذه الأوصاف في كوناوت في أيّ وقت. لكنه بالتأكيد مكان يمدّك شيئًا فشيئًا بألفة غريبة. ألفة تشعرك بأنه مرحّب بك، كما لو أنّه لديك في هذا المكان حساب افتراضي، تنظّم معطياته وبياناته بمعرفتك، وتقفله مؤقتاً كل مرة تغادر المكان، وتعود وتستأنفه حين عودتك. كوناوت هكذا.. مساحة افتراضية.. زمان مفترض.

وجودك في هذه الساحة لا يمرّ من دون أسئلة مباغتة. الإطار الدائري للمكان يطرح نفسه عليك كسؤال. أحيانًا تجده يحاصرك ويسدّ عليك المنافذ. تسارع إلى التفلت فتجد نفسك في دائرة أخرى. كوناوت ساحتان: ساحة كوناوت بالمعنى الحصري، أو رسمياً "راجيف شوق"، وساحة كوناوت الخارجية، كوناوت "سيركل" أو الدائرة. أحيانًا تربط كل هذا بالزمن الدائري في الهندوسية. ثم تتذكّر أنّ البريطانيين شادوا كل هذا المكان!

كوناوت هي قبل كل شيء ترجمة "مساحية" متطرّفة لدائرية الزمن. في هذه الساحة أنت تدور حول الساحة لكنّك أيضًا تدور حول نفسك. إذا كنت في الدائرة الخارجية طفت حول تلك الخارجية وبالعكس.

لكن الارتسام الدائري للتاج الداخلي بمجموعة من البلوكات متراصة حينًا، ومتقطعة حينًا آخر، يختلف عن تعايش التاج الخارجي مع مبانٍ مرتفعة من مرحلة ما بعد البريطانية. وكوناوت "كوناوتات" عديدة بحسب ما تقصده فيها، من دور السينما المتناثرة هنا أو هناك إلى مترو الانفاق في نقطة "راجيف شوق" الذي تخوض فيه تجربتك مع الاكتظاظ. في كل عتبة كوناوتية أنت في تجربة مع طبقات مختلفة من المجتمع ومع الأجيال المختلفة. الأمر بديهي. لكن ما يبدو أقل بديهية أن الجميع في حركة دائرية، وأن كلّ دائرة تدور حول نفسها وحول غيرها، والايقاع الدائري هنا لا يعود إلّا في جزء منه إلى إيقاع المعاصرة التكنولوجية، لأن هنا أيضًا الأزمان يتجمّد كل واحد منها في حيّز من هذه الدائرة. في كوناوت أنت على علاقة مستديمة مع الدائرة. الساحة الدائرية مزدوجة التاج مختلفة كليًّا عن "الساحة - الميدان" أو عن الساحة المتحلّقة حول صرح مركزي. النقطة التي تدور حولها في كوناوت غير مهمة. مركز الدائرة لا معنى له. يفلت منك سريعاً ما إن تعاينه. أحيانًا لا تبدو أنها ساحة، بل فقط طريق دائري. الذاكرة تدفعك مباشرة نحو الطواف. أنت في ساحة تمنعك من النظر إلى ميدانها، إلى وسطها، إلى مركز المكان. وإذا كان لا بد من أن تفتعل مركزاً للدائرة، تدخل إلى سوق "باليكا بازار" وسط ما يفترض أنه الميدان الذي تدور حوله الطريق. إنشاء هذا السوق يعود إلى السبعينيات. ليس فيه شيء استثنائي، وإن مررت به فبقصد الانتقال من ناحية إلى أخرى من الشارع. هنا، في كوناوت، تشعر بحرية أكبر نسبياً في ابتكار، بل تلفيق، حكايتك مع المكان، ربما لطغيان هذا اللون الأبيض الكلسيّ الباهت أو الملفوح بالشمس. عمارة بيضاء كفاية، وبياض متعرّج فيه آثار الحكايا الممكنة، لكن بما يكفي وبما يتيح أن تخطّ قصتك. في الأحياء الكولونيالية في مومباي، كولابا والفورت وحول شيرش غايت ومحطة فيكتوريا، يمكن أن يستوقفك مبنى هنا أو هناك، بنقش أو بزخرفة أو بتمثال. هنا لا شيء من هذا القبيل. العمارة بيضاء كفاية كي لا تستوقفك "إلّا بمجموعها". إنّه إحساس بالجد. إحساس بالمركز. لكن كوناوت ليست مركز دلهي، ونيو دلهي لئن كانت عاصمة وإحدى المدن الهندية الكبرى، فلا يمكن القول إنّها مركز الهند. مومباي أكبر، لكنها أيضاً ليست المركز. ثمة عدد من المراكز في دلهي. ثمة عدد من "الميغالوبولات" التي تولد إحساس المركز في الهند. من فرادة كل مركز، سواء بالمعنى الأول أو بالمعنى الثاني، إشعارك بأنك دخلت للتوّ إلى "لبّ المكان". ما يميز كوناوت في هذا ليس أنها مركز لمراكز عدّة، بل في إنها معبر واصل وفاصل بين المراكز الدلهوية. هي ليست داون تاون أو وسطاً. هي وسط لمدينة بلا وسط. مدينة لا قسمة نهائية بينها وبين الريف. الريف يزحف حتى هنا.  البلوكات المتراصّة تتحول حين "عجنها" بالتجربة الطوافيّة أكثر إلى مجموعة من القرى. الساحة دائرية نعم. العمارة يخطفها الشكل الهندسي، نعم. هندسة شاملة أمبراطورية، نعم. لكنها أيضًا مفككة، متداعية، متهافتة، وإلى حدّ ما يمكن القول إنها "ساحة ممسوحة". ليس بسبب مرور الزمن، أو لوطأة مروره الثقيلة في المكان. بل ربّما لشدّة احتجازه، لتخثّره من فرط الطواف تحت الشمس. 
لطلب العدد الأوّل من البوابة التاسعة يرجى مراسلتنا على order@portal9journal.org ، مع اسم صاحب العلاقة وعنوانه البريدي ورقم هاتفه، وسيقوم أحد أعضاء فريق عملنا بالإجابة والتعاون.
المعلومات المطلوبة
    


شكراً لإرسال طلبكم للبوابة التاسعة