العدد 2 السَّاحة، ربيع 2013
مراجعات ونقد
معرض شامل لحسن خان في اسطنبول
 مقالة تتناول معرض الفنان المصري حسن خان، الذي أقيم في غاليري "سولت بيوغلو" بمدينة اسطنبول. من 21 أيلول (سبتمبر)، 2012 ، إلى 6 كانون الثاني (يناير)، 2013.

عن المؤلّف
إيتش جي ماسترز، كاتب ومُحرّر يهتمّ بالحركة الفنيّة في آسيا. محرّر عام في مجلّة، Art Asia Pacific (AAP) ومدير الدورة السابعة للمنتدى العالمي للفنون Global Art Forum. 
مقالات أخرى للمؤلف
عن الاقتصاد الثقافي المعولم
قراءة إضافية
محاورة مع حسن خان
التجريب حتى آخر نفس
العدد الحالي
الغابة، ربيع 2014
المقالات
المراجعات


أطلب الآن
أرشيف
جميع المقالات
جميع المراجعات
أعداد سابقة
السَّاحة
سرد: كتابات عربيّة وروسيّة معاصرة
المتخّيل
1 2 3 

هل تعرفون هؤلاء الأشخاص الذين لا يُحيُّون ولا يودّعون أبدًا، لأنّهم في الوقت الذي يقتربون منك بما فيه الكفاية لتسمعهم يكونون قد صاروا في نصف الحديث، وبعدها، حين يهمّون بالمغادرة، ينسحب صوتهم ببساطة معهم؟ وهل تعرفون كيف أن المرء بسبب دوام دخوله في أشياء تتكوّن وتثير حماسته، يجد نفسه ضائعًا في المناقشات الدائرة؟

هذا ما يشعره المرء إزاء المعرض الشامل لحسن خان في "سولت بيوغلو" في اسطنبول، الذي نُظم بين أيلول (سبتمبر) 2012  وكانون الثاني (يناير) .2013 في أيٍّ من طبقات "سولت بيوغلو" الثلاث يبدأ الزائر، فسيجد نفسه داخلًا، على نحو مفاجئ، في المحاورة الساخنة بين الفنّان والعالم، وهي التي أجراها عبر وسائط كثيرة، في الصور الثابتة والمتحرّكة، كما في النصّوص، والأغراض، والأصوات، منذ أواسط التسعينيات.

ولأنّك تجد نفسك في خضم محاورة سبق أن انطلقت، فعليك أن تختار الأمور في الشكل الذي تظهر فيه. وسرعان ما تلاحظ أن كلّ شيء بين يديّ خان خضع لمقدار لافت من المعالجة. فالمادة التي يتناولها تشهد تحويلًا تلو التحويل، كما هو الحال في التجهيز الصوتي المُحتلّ غرفة كاملة، "دوم تك تك دوم تك" .(2005) اختار خان في هذا العمل ستّ مقطوعات كلاسيكيّة من الموسيقى الشعبيّة، فأعاد تسجيل دقّاتها، واستعان بموسيقيي شارع للارتجال فوقها، ثمّ أجرى الـ"ريميكسينغ" (إعادة الخلط، أو التعديل) عليها. وهذا قُدِّم في صالة العرض ضمن ستّ مقطوعات، مدّة كلّ منها ثلاثون ثانية، جرى لعبها مع فواصل دقّات متسارعة من "ميترونوم"، واستُتبعت بدفق من الإضاءة الحمراء.

يحاول خان في أعماله الاشتغال على تجاربه الشخصيّة وتناولها على نحو يكاد يبلغ مستوى تعقيدٍ مضجر. فلتحقيق عمله المُعَنوَن "17  وفي AUC" (2003) قضى خان كلّ ليلة على مدى أسبوعين خلال نيسان (أبريل) 2003، أربع ساعات، يحتسي البيرة ويدخّن ويتذمّر، في صندوق زجاجي مُجهز بمرآة تواجهه، فيرى نفسه فيها ويراه الآخرون خارج الصندوق، لكنّه لا يراهم. وفي إحدى لحظات المكاشفة خلال المونولوغ  والتي كان يمكن مشاهدتها في "سولت" من خلال شاشة صغيرة مُرفقة بخمس نسخ من كتاب يضمّ فيض كلامه اللاواعي غير المضبوط بنقاط وفواصل يُعيد خان تسجيل سيره إلى الجامعة وهو يتلقّى رشقات الحجارة، ويتصاعد ذعره على طول الطريق.

يبدو الوعي بالذات مكوّنًا مهمًّا في عمل خان المُعنون "غير آمن" Insecure  (2002) وهو المؤتلف من إحدى عشرة جملة مطبوعة بدقّة على جدار. من بين هذه الجمل: "انظر إلى نفسك في المرآة وحاول التخيّل بأنّك امرؤ تلتقيه للمرّة الأولى"، "في الصباح أمام المرآة، مَثّل شيئًا مُحرجًا قمت به الليلة الفائتة"، و"تفكّر في ما تريده في الحقيقة من الشخص الأكثر قربًا منك".

خلال التجوال في المعرض يبدأ المرء بتكوين انطباع مفاده أن لحسن خان همّين فنّيين رئيسين هما: عمليّة الخلق الفنّي، وموقع الفنّان كصانع معنى بالنسبة للمجتمع. في الغالب ثمّة رفض مباشر للعب الدور الأخير، على ما يظهر في "شبق"  Lust  (2008) العمل المتضمّن خمسين صورة رقميّة من هواتف نقّالة، تُظهر، بين غيرها من المشاهد الكثيرة، بيانو مهملًا، سيقان عابرين في الشارع، ستائر رمادية اللون، ثريا قديمة، مقاعد مسرح خالية، شجرة مبتورة الطرف في متنزّ، وأصابع ضاغطة على مرآة. وفي أسلوب متقارب يأتي "بيّنة البيّنة" Evidence of Evidence  (2012)، الذي هو عمل يتألّف من نسخة رقميّة بارتفاع ثلاثة أمتار ونصف للوحة متضرّرة تظهر نبتة جيرانيوم في قدر، وقد تمّ تكبيرها إلى ما يفوق حجمها الطبيعي بعشر مرّات. وفيما يبقى أمر الاحتفاظ بمشهد الطبيعة الصامتة الهاوي هذا، مكبّرًا إلى حجم نصبيّ، أمرًا يثير حسًّا من الفكاهة، فإنّ الصورة تُطمس على نحو تام، فلا تظهر معلومات لا عن ولادة اللوحة الأصلية ولا عن راسمها.

ما يجعل أعمال خان تطرح تحدّيًا وتثير الابتعاد، هو أنّها لا تأتي تجريديّة على نحو كامل أبدًا  ما يسمح لها في أن تكون قابلة للمشاهدة واجتذاب الجمهور بحسب شروطها الخاصّة  كما أنّها ليست سرديات على الدوام. عمل تجهيز الفيديو الرباعي التقسيم، المُعنون بـ "الموقع المحجوب" Hidden Location  (2004)، يتبع معالجة مُطابقة تتميّز بعدم الشفافيّة المحسوبة: الفنان وأحد أصدقائه يجريان محادثة مبعثرة في إمكانية الوصول إلى افتراضات متنوّعة، كما يناقشان أمر مواعدة فتاة، فيما يظهر أفراد عائلتها في الخلفيّة. على الشاشتين الأخريين ثمّة شخص يرتدي بذلة قفز زرقاء يقوم بترتيب سرير، وينظر من خلال ثقب الباب، ومشاهد طيفيّة لمفروشات بيت ذهبية اللون. ويبدأ المُشاهد بالشعور أن الرجل، ذي البذلة الزرقاء الناظر إلى الداخل من الخارج، يسترق السمع إلى شذرات أحاديث في مواضيع لا أمل لك بفهمها، أو يتلصّص على مشاهد البيت الداخليّة التي لا تحوي شيئًا يثير اهتمامك.

وإذا ما دخلت إلى الطبقة الثانية من المعرض، فستكون بمواجهة مجموعة أعمال ليس لها، بالتطابق مع الأعمال الأخرى، أيّ نسق زمنيّ. على أن الجوّ هنا يبدو أكثر سورياليّة ومشغولًا أكثر بالبنية الكامنة للامنطقيّ الظاهر. وعلى نحو متناسب مع الأجواء بقدر كاف، يبدو كلّ شيء طافيًا. فعمل "درابزين المصرف" Bank Bannister  (2010)، هو نسخة طبق الأصل للدرابزين النحاسي عند مدخل "بنك مصر"، المُعلّق في الهواء من دون سلّم تحته. في "الكلب الميت يتكلّم" The Dead Dog Speaks  (2010)، تخوض أشياء كمثل رسوم متحرّكة لرأس رجل (نجم سينمائي مصري لا يُذكر اسمه)، تمثال امرأة، وكلب يقفز ويتحرّك هنا وهناك على أرض حمراء، في محادثة "كلاميّة": "هو لن ينسى. أنا لن أنسى. لا، عليك أن تنسى". وهم لا يتحاورون مع بعضهم بعضًا، بل إن الأصوات الثلاثة المفترضة تتوجّه، على نحو دوريّ، إليك، وكأنها تصدر من جهاز هوسيّ مصطنع. وهناك قريبًا من هذا العمل، صورتان فوتوغرافيتان كبيرتان لتمثالين يُزعم أن ملكيتهما تعود للفنان منذ عام 1989، وقد أزيلت الظلال عنهما بواسطة التقنيات الرقميّة، فباتا يطفوان على أرض بيضاء.

ذروة هذه المساعي جميعها تتمثّل في عمل يحمل عنوان "الاتفاق" The Agreement   .(2011) العمل هو عبارة عن رفّ يحوي عشرة أغراض، منها: صحن مع صورة لخضروات، وعاء نصفه من الخشب ونصفه الآخر من الكريستال، علّاقة، تمثال لحصان مكسور نصفه وجزؤه الداخلي مرشوش بدهان أحمر. فوق الرفّ علّقت خمس قصص قصيرة كتبها خان، تُقرأ وكأنها مقاطع، كمثل الأغراض تحتها، كما لو جرى اقتطاعها من عشرة نصوص مختلفة. ومهما بدت عليه بعض الأغراض من سحر وثقل، فإن عوالمها الأكبر تبقى ضائعة. وكمثل الاستيقاظ من حلم، حيث لن ينفعك إلحاح رغبتك في استعادة معالم ذلك الحلم في شيء، بعد أن يطويه الغياب على نحو تام.

وفي حال صعدت سلّم غاليري "سولت" إلى الطبقة الأولى، فستكون قد انضممت إلى المحادثة في ذروة انشراحها ضمن عمل الفيديو "جوهرة" .(2010) Jewel  في هذا العمل يؤدّي شخصان رقصة حول مكبّر صوت مضيء ومتحرّك (والذي تستدعي أضواؤه شكل سمكة أبو الشصّ مُضيئة تسبح خلال المشهد الافتتاحي) يبثّ مقطوعة من الموسيقى الشعبيّة. الشخصان، أحدهما بدين والآخر نحيف، يرقصان على نحو اعتباطي، وفي وقت واحد وبغرابة ونشوة قصوى، ويبدوان مفتونين ببعضهما بعضًا وبالجهاز بينهما. وهما متحرّران كلّ التحرر ولا يظهران أيّ وعي. هذا الفيديو بلا شكّ يمثّل عمل خان الأكثر جموحًا وغرابة. وهو آسر ومعطاء. عمل لا تنقصه الغرابة أبدًا، ولا الجرأة على تجاوز المكبوتات. فتمثّل هذه الأمور السبب الأعمق ليكون أكثر من مجرّد عمل لخان. وفي الحقيقة، فإنّ سحره ربّما يستمدّ من اكتنافه هذا القدر من الكثافة وتحويلها إلى شيء لا تفسير له. مشاهدة "جوهرة"، مثّلت اللحظات الوحيدة خلال زيارة المعرض التي لا يعود فيها مهمًّا مقدار عدم فهمك لما تراه، ومقدار الأمور التي لا تعرفها، ومقدار المسافة التي ينبغي عليك قطعها كي تغدو في المستوى الذي يقف فيه الفنان نفسه. فأنت كنت هناك، في محاورة مع الفنان، حتّى لو كنت وحدك في الغرفة، ترقص بمفردك.

باعتبار ما شاهدناه قدّم المجموعة الأشمل من أعمال خان حتّى تاريخه، كما ومثّل العرض الأكبر الذي قدّمه غاليري "سولت" لأعمال فنّان واحد منذ أن افتتح في العام 2011، فإنّ هذا المعرض مثّل معرضًا معلميًّا في التنظيم كما في المضمون. القليل من منتديات العرض في المنطقة، بنظرة متفائلة، (ومهما كانت هذه المنتديات) سيقدم، أو قد يفكّر، بدعم هكذا مساعٍ فنيّة ضخمة، خاصة إذا ما أخذنا بالاعتبار التعقيد المفهومي الذي تتميّز به أعمال خان والمتطلبات التقنيّة لبعض الأعمال. وعلى الرغم من استثنائيّة غاليري "سولت" في هذا السياق، يأتي هكذا معرض، لفنّان على قيد الحياة، ليثبت أنّه يكاد يكون تعهّدًا غير محصور بزمن جاءت به مؤسّسة بذلت جهدها لتكرّس نفسها كمنبر للتفكير النقدي والبحثي، الذي يتناول الفن، بالدرجة الأولى، ثمّ العمارة والتصميم في التاريخ التركي الحديث، وليس مجرّد صالة لإقامة معارض الفن المعاصر.

في السنتين الأوليين من عمر الغاليري، اتّبعت "سولت" سبلاً مبتكرة لتقديم مواضيعها وتصديرها في السجالات التي تحتاج إلى تجديد وإعادة صياغة  بالتماشي مع المهمّة التي أعلنتها والتزمت بها كمنبر "للبحث والتفكير الاختباري". على أن هذين الهدفين التوأمين بدوا متصادمين في معرض لفنان واحد على قيد الحياة ما زالت ممارسته الفنيّة في طور التطوّر. في هذه الحال يمكن التساؤل: أيّ طرف هنا مسؤول عن هدف "البحث"؟ وأيّ من الطرفين ينتهج "التفكير الاختباري"؟ فقد أثبت المعرض أن خان، فيما كان يقدّم أكثر من شريكه المُنظِّم في إطار التفكير الاختباري، فإنّه لم يظهر دليلًا مقنعًا من جهة "البحث"وذلك فيما خصّ المواد الجديدة (تاريخيّا كان ذاك أو ثقافيًّا) التي يمكن طرحها بالترافق مع ما يقدّمه الفنّان. فلنأخذ النصّ التصديري الذي يمكن قراءته في الطبقة الثالثة من غاليري "سولت". فما أتى به هذا النصّ ظلّ ضبابيًا، غير واضح، وربّما غير خاصّ ومحدّد بالنسبة للفنّان نفسه: "مناهج حسن خان المتعدّدة التخصصات في نتاجه الفنّي تستند إلى المشاهدات، والتفاعل ، وإلى الانخراط، كما إلى المزيد من المصادر الداخليّة. بعض المراجع المقدّمة في أعماله يصدر من سيرته الشخصيّة، فيما يصدر غيرها من أشخاص وصور تستحضر سياقات منفصلة".

في النصّ إياه، وفيما يتمّ تجنّب الإشارة المباشرة إلى الذروة الثقافية والفنيّة التي طوّرها خان  مع التلميح الغريب إلى ما معناه أن ليس للفنان صنو سابق أو مثيل، وأنّه فريد العبقريّة sui generis  - يُذكَر في النصّ أنّ الفنان "يعيش ويعمل في القاهرة". وهذا على ما بدا أمر مهمّ كان يجب الإشارة إليه، لكن ما بدا أنّه لم يعد مهمًّا كان تقديم وشرح وقائع الوسط الثقافي المصري الأوسع والسجالات التي يفترضها المرء مُرافقة لحقبة خان وما سبقها. من دون شكّ ثمّة سياق فنّي وثقافي لأعمال خان، لكن إمّا أن المنظّمين في غاليري "سولت" لم يفهموا ذلك على نحو واف يخوّلهم التطرق إليه، أو أنّهم فشلوا في إيصاله كما ينبغي  والأمر في كلتا الحالتين إشكاليّ. تناول السياقات يحتاج إلى الاختصار أو الانضباط. وفي حالة تناول عمل فنّان واحد، ينبغي أن يتمّ ذلك من قبل طرف ثالث. كان هؤلاء المحترفون يسمّون "مؤرّخو الفن" و"منسّقون فنّيون"، لكن يمكن أن يكونوا فقط "باحثين" و"مبرمجين". غياب المسعى السياقيّ هذا جعل المعرض يجري حوارًا مع نفسه، ومع المؤسسة التي تعهّدت دور المضيف والمُجهِّز، بدل دور المُدقّق والمُحفّز.

ترجمة فادي طفيلي

Hassan Khan: Half a Life in Art Reviewed

Portal 9 page 167 
'درابزين مصرف' (2010)، من معرض حسن خان، 'سولت بيوغلو، 2012. تصوير سركان تايكان
'الالتواء' (2012)، من معرض حسن خان، 'سولت بيوغلو'، 2012. تصوير سركان تايكان
'الاتّفاق' (2011)، من معرض حسن خان، 'سولت بيوغلو'، 2012. تصوير سركان تايكان
لطلب العدد الأوّل من البوابة التاسعة يرجى مراسلتنا على order@portal9journal.org ، مع اسم صاحب العلاقة وعنوانه البريدي ورقم هاتفه، وسيقوم أحد أعضاء فريق عملنا بالإجابة والتعاون.
المعلومات المطلوبة
    


شكراً لإرسال طلبكم للبوابة التاسعة