العدد 3 سرد: كتابات عربيّة وروسيّة معاصرة، خريف 2013
كتابات
مساعد ستيفن سيغال
"كما ترى يا أرتور"، قال المُحرِّر، شابكًا يديه أمامه على المكتب بتأنٍّ تام، "عيوب النطق عند بعض الناس جذّابة جدًّا، لكن عند آخرين فإنّها ليست جذّابة على الإطلاق". سكت قليلًا كي يمنحني وقتًا للتفكير بما قال قبل أن يختم، وكأنّه يُطلق حبل مقصلة حادّة:
"لسوء الحظ، أنت تنتمي إلى الفئة الثانية".
عن المؤلّف
أرسلان خسافوف، كاتب وصحافي ولد في آغغابات، تركمانستان. روايته "Sense" التي حازت جائزة تقدير، نُشرت في روسيا والولايات المتّحدة الأميركيّة.
قراءة إضافية
BBC World Service: Listen to Arslan Khasavov
Book Review: Sense by Arslan Khasavov
العدد الحالي
الغابة، خريف 2014
المقالات
المراجعات


أطلب الآن
أرشيف
جميع المقالات
جميع المراجعات
أعداد سابقة
السَّاحة
سرد: كتابات عربيّة وروسيّة معاصرة
المتخّيل

كانت ظروفي عسيرة. حتى ميزانية الأسرة المتواضعة التي بقيت بعد رحيل والدي المتعجّل إثر التهم التي وجهت إليه، وجدتها في منأى عن يدي، إذ كانت في عهدة والدتي.

الأوراق الوحيدة التي استنسَبَتْ الوالدة تمريرها لي، كانت مجرد فواتير تتراكم بلا هوادة على المنضدة قرب السرير. فواتير الكهرباء، والاشتراك الثابت للهاتف، وأجر المساحة التي كنّا تهوّرنا واشتريناها في موقف سيارات تحت الأرض قبل أن تسير الأمور على نحو خاطئ. وهذه كلّها تستطيع الانتظار. أما التأخّر في تسديد إيجار المنزل، فكان يشير بوضوح إلى اقتراب دخولنا في معترك الإجراءات القانونية.

بدأت تصلني بالبريد، وعلى نحو شديد التواتر، مغلفات تضمّ صورًا بالأسود والأبيض التقطتها كاميرات المراقبة على الطرقات السريعة في موسكو. ومن دون أي اعتبار لظروفي الراهنة، قاموا بضبط مخالفات تجاوز السرعة التي ارتكبتها، مُصدرين بحقّي ما بدا أنّه غرامات بسيطة، لكنّها سرعان ما بدأت تتراكم. سيارتي المتواضعة مثّلت لي رفاهيتي الوحيدة وملكيتي الأوحد. وعلى الرغم من المعاناة التي كنت أتكبّدها  للاستمرار في تزويدها بالوقود الباهظ الثمن، لم أكن مستعجلًا في التخلي عنها.

الكحول الرخيصة والوقود باهظ الثمن، كانا آنذاك الدعامتين السائلتين اللتين تقومان بعالمي المتزعزع. هذا، وتوقّف بغتة الدخل الذي كنت أتلقاه من متجر بيع في التجزئة، كان قد افتتح قبل بضع سنوات في القوقاز. إذ إن الأفراد الذين يحملون اسم عائلتنا، وجدوا أنفسهم فجأة ممنوعين من ممارسة الأعمال في تلك المنطقة.

في الحقيقة، أنا أكذب. لم أملك يومًا أيّ متجر لبيع أيّ شيء، وعلى الرغم من كوني راشدًا باعتراف الجميع، إلّا أنني ما زلت أعيش على حساب أهلي، والأمر يزداد تكلفة، أكثر فأكثر، بمرور كلّ عام.

فجأة لم يبقَ لي دخل أعيش منه سوى ما يردني من الكتابات الأدبية، أو ما يشبهها. في حين أن مجرد ذكر الدخل ذاك، المتأتي من تلك المصادر، أثار على الدوام ضحك السامعين، أو في أحسن الأحوال رسم على وجوههم ابتسامة العارف بما يجري. على أيّ حال، فقد تمكنت في السنوات الماضية من بناء شيءٍ من السمعة الحسنة خلال مثابرتي في صقل موهبتي الإبداعية. وذاك أمدّني بحدٍّ أدنى من المال أبقاني على قيد الحياة.

نمط حياتي المنفتح الذي قادني بانتظام إلى أشهر مقاهي موسكو ومطاعمها تقلّص على نحو حاد. أما قلبي الكبير الذي طالما سخى في كرم الضيافة مع كلّ من شاركني المائدة ومع ندماء الشراب، فقد أضحى ذابلاً مُتعبًا يُحاكي حال شحيح اليدِ الذي أضحيته. وما أذهلني أن أولئك الذين سبق وأولمت على شرفهم، لم يكونوا الآن مستعجلين لردّ الجميل، حتى اتضح لي أن هؤلاء الفتية والفتيات تعوّدوا كفاف العيش، مثلما هي حالي الآن.

رحت، على نحو تدريجيّ، أقبل القيام بأيّ عمل أجده: دوام ليليّ لتحميل البضائع في سوبرماركت محلّيّ، بعض الغزوات المتهوّرة للصق الإعلانات على أعمدة الإنارة، مساعد مصوّر، كمبارس، وحارس في متجر للحيوانات الأليفة. حتى إنني لعبت لفترة دور الرومانسي السطحي لسائق سيارة أجرة غير مرخّص لها في شوارع موسكو.

مجموعة أعمال لا بأس بها لسليل عائلة معروفة إلى حدّ ما. ربّما توافقونني في ذلك.

على أيّ حال فإنني سرعان ما أدركت مقدار الوقت الثمين الذي أضعته أجيرًا لصالحِ أصحاب مشاريع أثرياء، من دون أن يمنحني تعويضي في مقابل ذلك أيّ إحساس بالرضا.

رحت أفكر والحزن يعتصر في قلبي "آه، لو كانت لي القدرة طوال هذا الوقت على التفرّغ للتأليف، من دون مغادرة طاولة الكتابة أبدًا، لكنت الآن مليونيرًا بالتأكيد". ولأنقذ نفسي من تلك الفكرة الطنّانة المتسرّعة، والمجافية للواقع، قمت بتخفيض طموحي من صاحب ملايين إلى امرئ قادرٍ على إعالة نفسه.

حتى الكتابة، المجال الذي أتقنته بمجرّد اتباع ميولي الطبيعية، فقد رحت أتراجع فيها. إذ إنني لم أكن قادرًا على إتمام روايتي الثانية، الرواية الطويلة التي أعلن عنها قبل صدورها، فيما راحت تتراكم على القرص الصلب لجهاز الكومبيوتر مسوّدات الروايات القصيرة والقصص، من دون أن أشعر برغبة بلورتها وتطويرها.

أخذت الأدلة تتراكم بلا هوادة، مُشيرة إلى فشلي في امتحان كتابي الثاني.

وعلى الرغم من جميع الأزمات في هذا الجانب من حياتي، لم أهمل الدور الذي كان عليّ تأديته في المجتمع. رحت أحرص على اختيار كلماتي بعناية، لأعبّر عن آرائي بصراحة. وأثناء تناولي الطعام في المطاعم الفاخرة، كنت أخفي يديّ الخشنتين، الموسومتين بالعمل اليدوي، محاولًا تصحيح الضرر اللاحق بوالدي، ذاك الضرر البادي غير قابل للتصحيح.

عند التقدم للوظائف، كنت أتقيّد بأصول القواعد المتّبعة لتعبئة الطلب. في الاستمارات، اختار "المرحلة الثانوية" في المربع المخصص لـ "التحصيل العلمي"، ولا آتي أبدًا على ذكر شهادتي من إحدى الكليات المرموقة في جامعة موسكو. أضع إشارة في المربّع المخصّص للـ"خبرة". وفي إحدى المرّات، وبلحظة لامبالاة تامّة، وضعت علامة إكس عوضًا عن توقيعي.

كنت مستعدًا للمباشرة في أيّة وظيفة. ولكي أوفّر المزيد من الاطمئنان لأرباب العمل رحت أطلب دائمًا الحصول على وظيفة غير مسجلة رسميًا. لم يكن السبب الوحيد في ذلك تجنّب جهد تأمين الأوراق المطلوبة، بل أردت عدم إظهار اسم عائلتي في سياق غير ملائم يلفت انتباه الأعداء. إذ لم تعد الشعارات القديمة عن كرامة العمل طنّانة كما في السابق. وأنا كنت على يقين بأن من يناوئونني سياسيًا (هؤلاء موجودون أيضًا، وهم مثلي جاهروا، مرّة إثر أخرى، بآرائهم علانية عبر وسائل الإعلام) سيجدون طريقة للاستفادة من هذه المعلومات، وإن لم يكن على نحو مباشر فمن خلال الأساليب المواربة في إطلاق الشائعات.

"هل يمكنك الوثوق بما يقوم به الآن! ..."، ويتبع ذلك موجة من الثرثرة بين أفراد هذه الزمرة الفظّة أو تلك. لم أكن مستعجلًا في منحهم هكذا ورقة رابحة، حتى لو كانت تافهة إلى هذا الحدّ.

لا شكّ في أنّ مستواي العلمي وسعة معرفتي بالكاد تلاءما مع فترة العمل اليدوي التي أنزلت بي آلام الظهر وتشنّج العضلات. لكن حتى هنا، فقد تبيّنت الأسى في ابتسامة القدر الذي دفعني في اتجاهات شتّى لم أكن أجرؤ على استكشافها بمحض إرادتي.

أذكر أنّني في ربيع العمر، وفي ذروة إحساسي بالرضا عن نفسي (حتى لو كان ذلك وهمًا)، كنت ألهو بفكرة التخلّي يومًا عن تأنّقي المكلف، فأمتشق كيس التقشّف شبه فارغٍ، ولا شيء فيه سوى طقم ملابس داخلية، ذاهبًا من دون مواربة في عمق الحياة للانضمام إلى عامة الناس.

كانت فكرتي في الاندماج مع "الناس" بسيطة، الناس العاديين الأقرب إلى قلبي، والذين كنت أعتقد أنّ الوصول إليهم لا يتمّ إلا عبر السفر في عربة قطار من الدرجة الثانية والنوم في سرير علويّ في إحدى مقصوراته، حيث يمكنني رؤيتهم يمشون متثاقلين بأحذية بالية أمام بيوت متداعية عند أطراف القرى البائسة.

وذاك تخلّلته لحظات من المرح. كأن أنتقل إلى وظيفة الحارس الليلي فأقذف على الطاولة، بين الحين والآخر، صحيفة تضم مقالة كتبتها تناقش حال السياسة الدوليّة، أو أن أسمع، خلال إنزالي حمولة صناديق بيرة قذرة من شاحنة قذرة، صوتي منبعثًا من الراديو في مقابلة أجريت معي في وقت سابق من النهار، ويُعاد إذ ذاك بثّها.

بالطبع، لم أكن لأكترث إلى الأمر كثيرًا، فلم أضرب يدي على صدري مطالبًا بمعاملة خاصّة لن يكون مردودها سوى إبعاد شركائي في الحظّ العاثر عنّي، لكنّني في الصميم كنت منتشيًا. إذ في النهاية كان بوسعي تحسّس نبض الحياة، خافقًا في داخلي وحولي.

لم يكن بوسعي التفكير بعظيم من العظماء لم يُثمله كأس العوز والمعاناة، وذاك أمدّني بالطمأنينة. وما جعل هؤلاء العظماء حقًّا عظماء، كان تصميمهم الذي لا يلين على مواجهة أقدارهم القصوى وإنجاز الهدف الذي ولدوا من أجله. هكذا صنتُ إيماني اليقين برسالتي في الحياة، على الرغم من ازدياد غموضها مع كلّ عامٍ يمرّ.

بعد تأميني حصص المياه للحيوانات التي يضمّها متجر الحيوانات الأليفة حيث أعمل، فإنّي إذا استلقيت في الغرفة الخلفية على أريكة بالية وفكّرت بأنّ الترجمة الإنكليزيّة لباكورة أعمالي الروائيّة باتت الآن منذ أشهر على رفوف جميع المكتبات الرئيسيّة ومتاجر بيع الكتب في الولايات المتّحدة وبريطانيا، فقد تأسرني الغبطة. عالم من الأضواء الزاهية يصطخب أمام عينيّ ويتراقص على خلفيّة من الظلام المباغت. أنثني، مرّة واثنتين وثلاثًا، من الضحك، كممثّل يبالغ في دوره بمسرحيّة كوميديا سوداء رديئة.

انتعش سوق العمل أخيرًا وجاءني ردّ من بعض الشركات على سيرتي الذاتية التي كانت هائمة في أثير الإنترنت منذ نحو ستة أشهر. أجريت المقابلات ونظرت مرعوبًا إلى مكاتب الصحف الرئيسية فيما كنت أخضع لامتحاناتها الزائفة. غرف فسيحة تزدحم بأثاث بسيط يضمّ أجهزة كومبيوتر مثبّتة فيه، يكتظّ في مواجهتها مراسلون ومحرّرون ومصحّحون ومدقّقون لغويّون ومصمّمون، والله يعلم من غيرهم، محشورين ببعضهم بعضًا بقربٍ يصعب تخيّله، ومنهالين على لوحات مفاتيح الكومبيوتر أمامهم.

تخيّلت جميع أولئك الأفراد المبدعين يُستبدلون في يومٍ من الأيّام، عاجلًا أم آجلًا، بآلات لا تقلّ إبداعًا، وهذه الأخيرة لا تكون أقلّ نجاحًا في إنتاج مادّة تملأ البوابات الرقميّة. إذ من الواضح أنّ البشر بقلوبهم النابضة هم مكوّنات آيلة إلى الزوال في هذه البيئات ذات التقنيات العالية.

انسحبت مذعورًا، مدركًا في قرارة نفسي أنّني امرؤ بعادات عملٍ عفا عنها الزمن. كيف يمكنني التركيز من دون حيزي الشخصي؟ وأرباب العمل المحتملون لم يزيدوا إلى ذلك سوى الريبة. أمكنني القول إنّهم كانوا قد أوكلوا النشاط الفكري الذي تتطلّبه وظيفتهم المريحة لشخصٍ مقرّبٍ منهم. الوضع كان مناسبًا لي ولهم: وعدوني بالتفكير بالأمر، وأنا هربت لأتنشّق الهواء النقيّ، متخلّصًا من قيود خفيّة كانت تكبّلني.

كنت مضطرًّا لآلاف المرات على عدم اختيار الحياة التي أريد، شادًّا أحزمتي أكثر فأكثر، معاودًا الاتصال بأرباب عمل محتملين، معربًا عن استعدادي للقيام بأيّ عمل ينقذني من هذا البؤس الذي لا يُطاق.

ومع ذلك لم أكن لأغفر لما أبديته في السابق من تكبّر، حين يتمّ إعلامي بفتور أنّ الوظيفة التي كانت شاغرة لم تعد موجودة، وأنّهم سيبقونني في جداولهم، وما إن تشغر وظيفة جديدة يبلغونني في الحال. بالطبع سيفعلون.

ولتدعيم دخلي غير المنتظم، رحت أبيع أغراضًا تراكمت لديّ خلال سنوات اليسر. لم أستثنِ شيئًا: ثياب مستعملة، أجهزة إلكترونية غير مستخدمة، وكتب نادرة، ما لبثت أن وجدت طريقها إلى مطحنة الإنترنت. جرت الصفقات ببساطة: أسلّم غرضًا يربطني بماضيّ، ثم أتلقّى بدله المالي، فأتمكّن من تناول الطعام على نحو مقبول لمدّة يومين، قبل أن يعود الوضع إلى ما كان عليه.

وكانت الأمور أحيانًا تجري على نحو مضحك. المشترون المحتملون الذين استطلعوا معلوماتي الشخصيّة من خلال عنوان بريدي الإلكتروني الذي استخدمته لهذا العمل كانت تتملّكهم الدهشة:

"مرحبا، أرى أنّك ثوري حقيقي، رجل رومنسي، مُحبًا للبطولة، أو هكذا يبدو!"، كتبت لي إحدى الفتيات في رسالة إلكترونيّة. كانت تسعى للحصول على حزام إيطالي لم ارتدِه منذ فترة طويلة. "أنا أشاهد فقط أخبار العالم ولا أكترث أبدًا بما يجري في روسيا، لكن يبدو أنّ مروحة اهتماماتك كبيرة في كلّ هذه الأمور! ألا يحرجك عرض حزامك للبيع؟" كتبت لي في رسالتها.

لم أكن محرجًا البتة. بل كنت جائعًا. عندما بدأت مناوبتي الثانية، ذات الأجر المتدنّي، راسلتها من هاتفي النقّال محاولًا المزاح في الموضوع:

"سيرتفع ثمنه إن كنت تريدينه مع توقيعي، لكن سيكون بوسع أحفادك بيعه وبناء منزل من ثمنه".

"سأشتريه! وأنا لا أبالي بمقاسه حتّى"، كتبت الشابة بحماسة. "إلى هذا الحدّ أريده!"

ولتأكيد مدى حماستها المفرطة تلك، أردفت قائلة: "يا الله!"

لا اهتمامها بشخصي ولا حماستها حالا دون اختفائها التام والفوري من حياتي إلى الأبد.

تمكّنت مرتين من الحصول على وظيفة في محطات تلفزيونية جديدة تبث على الإنترنت، وذلك لزيادة خبرتي المهنيّة. طُردت من إحداهما بعد بضعة أيام لعدم قدرتي على تليين حرف الـ "ر" بالطريقة التي تُرضي المحرّر الشاب.

"كما ترى يا أرتور"، قال المُحرّر، شابكًا يديه أمامه على المكتب بتأنّ تام، "عيوب النطق عند بعض الناس جذّابة جدًّا، لكن عند آخرين فإنّها ليست جذّابة على الإطلاق". سكت قليلًا كي يمنحني وقتًا للتفكير بما قال قبل أن يختم، وكأنّه يُطلق حبل مقصلة حادّة:

"لسوء الحظ، أنت تنتمي إلى الفئة الثانية".

وحدها الغصّة المتضخّمة في حنجرتي جرّاء تصنيفه المفاجئ هذا، ودمع الأذى الطفولي الذي كاد ينهمر من عينيّ، منعاني من إنزال المزيد من التشويه في أسنانه غير المتناسقة، الشبيهة بأسنان القرش.

"لكن عُد غدًا...احرص على ذلك"، نطق كلماته هذرًا فيما أدرت ظهري مُغادرًا ومتوجًّها نحو الباب.

مدير محطّة إلكترونيّة أخرى استدعاني لمقابلته في لحظة زامنت اللغط المُثار حول والدي.

"إنني أتلقّى معلومات"، قال لي، وهو يرتشف الشاي من كوب زجاجي طويل في حاملة أكواب عليها شعار سكك الحديد الروسيّة، "تفيد أنّ والدك سوف يُطارد ويُغتال. القرار اتُّخِذ".

همهمتُ.

"سوف يُقتل بالتأكيد. إنهم يبحثون عنه الآن. هذه معلومات موثوقة من صديق مقرّب لي يعمل في الأمن الفدرالي للاتحاد الروسي".

"أبي غادر روسيا"، أجبته باختصار. "أحدٌ لن يعثر عليه".

"هذه هي المشكلة بالتحديد"، تابع قائلًا. "إن لم يعثروا عليه فسوف يلاحقون ابنه، أنت. ووالدك سيُذعن إلى حيث يريدون، مُقِرًّا كالحمل الوديع. هذا ما سيحدث".

تململت على كرسيّ، مفكّرًا بالطريقة المُثلى لإنهاء هذا المشهد.

"نحن نقوم بعلميات بث مباشر، ونتلقى مكالمات عبر الهواء، ويمكنك فهم أن..."، راح يشرح ما كان جليًّا للعيان. "لا أريد لمحطتنا الدخول في متاهة أمور كهذه بأيّ شكل من الأشكال".

"هل لديك سيكارة؟" سألته، وأنا أعدّل جلستي ببساطة على الكرسي.

أخرج علبة سجائر معدنيّة قديمة الطراز، أخذ سيكارة رفيعة وقدّم لي الشعّالة. أخذت مجّتين، وببطء نفثت غمامات كثيفة من الدخان، مراقبًا تعابير الدهشة التي بدت عليه، وعيناه الغائرتان الصغيرتان تطرفان فوق وجنتين أشبه بفطيرتين مدهونتين بالزبدة. اصطنعتُ ابتسامة مُتعجرفة فيما راح، على نحو عصبيّ، يطرق على الطاولة بأصابعه شبيهة النقانق.

بتروٍّ تام نهضتُ ومشيت نحو الباب. في الرواق نزعت من رقبتي شريط بطاقة إذن الزيارة التي أُصدرت قبل قليل ورميتها.

وفي ما كان قد صار تقليدًا، صافحت المرافقين اللذين كانا ينتظرانه عند المدخل، أنهيت سيكارتي، بصقت من خلال أسناني، وغادرت. باب آخر في حياتي أقفل في وجهي.

***

اشتريت علبة بيرة باردة من كشك قريب، وذهبت في جولة في المتنزّه الغريب المحيط بالمركز الوطني للفنون، مقتفيًا صوت شخص يؤدّي على المسرح. جلست على مقعد خشبي في الصف الخلفي، أخذت ارتشافة كبيرة من البيرة، وشاهدت في الواقع شابًا بدينًا يرقص في المكان. بدا مستمتعًا بوقته، مداعبًا أوتار غيتاره الكهربائي، رافعًا ساقًا سمينة عاليًا في الهواء ومحرّكًا رأسه لتهتزّ خصل شعره كثيرة الطبقات. بدا وجهه مألوفًا بالنسبة لي يشبه ابن أحد رجال الأعمال المعروفين. أحدهم كان قد أخبرني أنّ الابن هذا زير نساء.

ثملت بسرعة ورحت أنقّل نظري ضجِرًا بين الناس الموجودين هناك. بعض الفتيات اللواتي جلسن أمامي بصفين أو ثلاثة كنّ يلتفتن إلى الخلف، حيث أثار انتباههنّ أمرٌ ما، ويتهامسن. لم أعر ذلك أيّ اهتمام.

متّع شبابك بالرقص، أيّها الفتى.

أنهيت علبة بيرة ثانية، سحقت العلبة في قبضة يدي ورميتها في برميل النفايات القريب وغادرت المتنزّه. خَفُتَ صوت الموسيقى وتلاشى أخيرًا في الهواء، مُفسحًا المجال لأصوات حياتي اليوميّة الاعتياديّة: ضجيج حركة السير على الطرقات والصرير المعدنيّ لأفكاري.

كنت أسير بلا وجهة، متنقّلًا بلا هدف، وفجأة أدركني تعبٌ كاد يمنعني من نقل قدم أمام الأخرى، وأنا ذاهبٌ نحو اختطافي وما سيعقبه من جريمة قتل والدي، إن كان لي أن أصدّق ما أُخبِرتَه. غير أنّني لم أصدّق، وبالتالي فإنني لم أستسلم.

***

كان ذلك في خضمّ هذا المزاج الغريب حين تلقيت رسالة عبر البريد الإلكتروني وددتها لو تنقذ الوضع. تلوتها عاليًا على مسمع أمي. كنت أقيم عندها وأمنحها كلّ ما أدّخره من دخلي المتواضع، لأعود في اليوم التالي وأطلب منها بعض مالٍ يعينني على تدبير أحوالي.

مستلقية بهدوء على مقعدها الأثير في غرفة الجلوس، استمعتْ إلي، بتوجّس حاكى توجّسي حين قرأت الرسالة للمرّة الأولى.

ممثّل هوليوودي شهير، نصف إيرلندي ونصف منغولي، وافق على عرضٍ للمجيء والعمل على نحو دائم في روسيا وكان يبحث عن مساعد شخصي.

نقاط توصيف الوظيفة أشارت مُحذّرة أنّ على المساعد العتيد أن يكون مستعدًّا للعمل أربعاً وعشرين ساعة طيلة أيّام الأسبوع، وقادرًا على مرافقة النجم في رحلات طويلة عبر البحار، وغيرها من أمور.

لم يبدُ أنّ هناك صعوبة في العثور على أشخاص مستعدّين للقيام بكلّ ما يُطلب. وعلى الرغم من أنّني تقدّمت فورًا بطلب الوظيفة، فقد علمت بشيء من المفاجأة، أن دوري في لائحة المتقدّمين سيكون في غضون يومين أو ثلاثة لا أكثر.

المرحلة الأولى من المقابلات، عُقدت في بهو أحد أفخم فنادق موسكو، فإذا بي هناك في الموعد المُحدد، مرتديًا ثيابًا "غير رسميّة ذكيّة" ( أسلوب اكتسبته خلال المرحلة السابقة من حياتي) وسترة فاخرة غير باذخة.

من دون الاستسلام لفيض مشاعري، ألقيت في البداية نظرة متمعّنة في المكان، واخترت مقعدًا كبيرًا من الجلد حيث جلست مصطنعًا الثقة بالنفس، وركّزت نظري على شاب أشقر الشعر في العشرين من عمره يجلس على مقربة منّي. عبر الاستماع إلى مقاطع ممّا كان يقول خلال أحاديثه المقتضبة والفظّة على الهاتف الذي لم يتوقّف عن الرنين واستقبال المكالمات، واحدة إثر الأخرى، أدركت أنّه وكيل أعمال ستيفن سيغال.

أزمة ثقة عامّة بالناس كنت طوّرتها على مدى الأشهر الأخيرة، بعد سلسلة من الخيانات والخداع والاخفاقات (لماذا أنكر؟) في حياتي، قادتني على الفور إلى الشك في كفاءة هذا الشاب الهاوي، المسؤول عن التوظيف، وحتى إلى الطعن في مصداقيته.

"أجل، فهمك صحيح، سأكون موجودًا في البهو... فقط انتظر قليلًا..."، قال، مثبتًا، بكتفه، الهاتف الخلوي على أذنه، وأصابعه تضغط بقوّة وتتنقّل على لوحة المفاتيح في حافظة ملاحظاته الإلكترونيّة. وبزفرة من صوته تعبّر عن حنقه، كرّر، فيما بدا أنّها المرّة الألف، "لا لن يطلب منكم الصعود إلى غرف الفندق. ستيفن لن يكون حاضرًا بشخصه اليوم، لا، ... متى؟" حسنًا، ننوي إشراكه في المرحلة الثانية من المقابلات".

ننوي؟

في الأثناء، راح المزيد والمزيد من الشبّان والشابّات بأناقتهم الحاذقة  يتوافدون إلى بهو الفندق الفسيح ويتوزّعون في أرجائه ويطلبون رقم الهاتف إيّاه. أمّا الشاب الذي كان نظري مثبّتًا نحوه فتابع التنقّل بين مكالمة وأخرى، مُشيرًا بلا كلل إلى المتقدّمين لنيل هذه الوظيفة كي يأخذوا مقاعدهم حوله.

كنت شبه متأكد من أنني أمام شخص واسع الدهاء. نظرتي الثاقبة رصدت، خلف أسلوبه المتكلّف والثقة العالية في لغة جسده، مدير أعمال متوسّط المستوى وعاديًا يؤدّي وظيفته الأولى، أو محتال تافه يحاول الظهور بمظهر المساعد الأقرب لنجم سينمائي، كما كنت أقرب للاعتقاد. ولسبب ما، كان لديّ شكّ في ما إذا كانت هذه الشخصية قد اقتربت فعلًا من ستيفن سيغال بمسافة تعادل مسافة اقترابي أنا منه، أي تلك المسافة التي تفصل الأريكة عن جهاز التلفزيون.

لكن كان من الحكمة أن يحافظ المرء على رحابة صدره. فالأمور ازدادت تعقيدًا نتيجة أنّني، وخلال الأيّام الثلاثة التي أنتظرتُ فيها موعد المقابلة، رحت أنفق، في مخيلتي، المال الذي سيحصل عليه المرشح الفائز بالوظيفة. ذاك المال كان ليمنحني الاستقلالية التي أتوق إليها. كنت سأساعد عائلتي وأنتقل للعيش في مكان آخر، مثل بطل Factotum لبوكوفسكي، الذي كان يغيّر مكان وجوده تقريبًا في كل فصل من فصول الرواية.

وأيضًا كان هناك ستيفن بحدّ ذاته، الذي يمثّل عامل جذب. بطل من أبطال الفنون القتالية؟ ذاك كلّه يضمن بقاءه شخصًا من النوع المثير للاهتمام. وعلى نحو شديد في محاكاته الواقع، تخيّلت نفسي مع ستيفن وزوجته ومجموعة من الضيوف على شرفة منزله في مكان ما في سانتا مونيكا، نحتسي النبيذ الفوّار، وفي خضمّ حديثه العذب سيقول فجأة، "أتعلم يا أرتور، أنت كاتب رائع وحسب! كان من المهم جدًّا أن أقرأ روايتك الأولى. إنها فعلًا رواية جيدة جدًا".

يسود صمت حينها في أوساط ضيوف ستيفن، وهم يستمعون بانتباه إلى الحديث الذي يدور بيننا.

"آه، لكن في الواقع ... " سأجيب بابتسامة متواضعة، إذ لم يسبق لي الاستماع إلى كلام بهذا الوضوح يشير إلى ما اعتبرته موهبتي الأساسيّة. "لم أكن واثقًا من أنّها تستحقّ إهدار وقتك الثمين".

سأحظى بمجاملة بالغة، تصيب جوهر شخصيتي، وشعري ينساب كشعر نجم سينمائي، مرتديًا بذلة فضفاضة من الكتان ومستلقيًا من دون تكلّف على كرسي من الخيزران الخشن، غير مبالٍ بصوت الرياح الدافئة الآتية من الجنوب.

"لا، لست بحاجة لقول هذا يا صديقي الأعزّ أرتور. لقد زاد تقديري لك بعد قراءة روايتك! وكنت قرّرت عدم الإفصاح عمّا يدور في خلدي لبعض الوقت، لكن، يا إلهي، عليّ أن أخبر الجميع الآن. – لقد ناقشت الأمر بالفعل مع عدد من المنتجين وسوف نحقّق فيلمًا يستند على كتابك! ليس عليك سوف إعطاء إشارة الانطلاق ...".

انقطع حلم يقظتي فجأة بإشارة في هاتفي النقال تذكّرني أنّني كنت وعدت بتغطية نوبة ليليّة مدّتها اثنتا عشرة ساعة في مخبز محلّي، حيث تنتظرني، وما زالت إلى الآن، أحزمة نقل الخبز الآليّة بحركتها المداومة، محمّلة بقطع الأرغفة وعجين الكاتو والبسكويت الرخيص. تلك الإشارة أثارت وخزة ألم في ظهري، هذا الأخير الذي بات في حال سيئة لمن هو في مثل سنّي الفتيّ.

فجأة ظهر أمامي وكيل الأعمال الشاب، الذي يثير عمره الفتيّ الضحك.

"حسنًا، هل أنت هنا أيضًا لإجراء المقابلة؟"

مقدمو الطلبات الآخرون، ومعظمهم شبان وشابات لائقو المظهر بما فيه الكفاية، كانوا يحومون حول هذا الشخص البدين المعتدّ بنفسه.

"آه، نعم"، أجبته فيما كنت أعود إلى الواقع، نافضًا من شعري رمل كاليفورنيا الخيالي.

قام بمقارنة ما قدّمته من تفاصيل مع لائحة على جهاز iPad يحمله (من الواضح أنّه زُوّد بأحدث الأجهزة الإلكترونيّة)، ووضع علامة في أحد مربّعات اللائحة، ودعا الجميع أن يتبعه.

للحظة، تخيّلت غرفة بإضاءة فوتوغرافيّة، كاميرا قديمة الطراز تعمل بشريط فيديو، مُثبّتة على حامل ثلاثي ركيك، وأريكة زاهية الألوان، حيث سيكون علينا جميعًا، نحن المتقدّمين بالطلبات، شبّانًا وشابات، أن نرمي أنفسنا ونستسلم لمشاعرنا على نحو بالغ الإقناع وغير مصطنع. وتخيّلت أن سيغال، بعد مشاهدة ولو سريعة للمقطع المصوّر، سيكون قادرًا على تحديد الشخص المناسب كمساعدٍ له، ومن لا يصلح لذلك.

عند الركن، قرب نافورة ترشّ الماء عاليًا، جلس رجلٌ آخر محترم المظهر. بذلته مفصّلة بإتقان، وعند صدغه ثمّة مسحة متميّزة من الشيب، وبصوت هادئ وغير افتعالي، راح يطرح أسئلة واضحة.

"هل أنت مستعد للعمل ساعات طويلة وغير متوقعة؟"

"ما هو شعورك حيال رحلات طويلة إلى خارج البلاد؟"

"كيف تقيّم مستواك في اللغة الإنكليزية؟"

"هل أنت في علاقة طويلة الأمد؟" سأل، وأضاف موضحًا " هذه الوظيفة لا تتناسب مع رفاهية التمتّع بعلاقة طويلة الأمد".

لم يكن ذلك اختبارًا في علم الصواريخ. كان لدي أجوبة عن هذه الأسئلة التي طرحها، وعن غيرها أيضًا. ذكّرتني هذه المقابلة العادية جدًا مع صاحب عمل مُحتمل بآخر لقاء لي مع طبيب نفسي يُصدر شهادات مطلوبة للحصول على ترخيص حمل الأسلحة النارية.

"ما حاجتك إلى السلاح؟" سألني. رجل مترهل الجسم بعض الشيء، في ثلاثينياته تقريبًا، كان يجلس ويداه خلف رأسه. "لا بدّ أنك تخطّط لهجوم مسلّح، أو حتى لقتل أحدهم؟"

"لا"، أجبته، ناظرًا بخضوع إلى الأسفل. "أودّ اقتناء سلاح للدفاع عن النفس".

"تدافع عن نفسك ضدّ من؟ هل ثمّة من يتهدّدك؟"

"من الصعب شرح الأمر بالتحديد، إذ ثمّة أصناف كثيرة من البشر حولنا، كما تعلم، ولا يمكنك الاعتماد على الشرطة في هذه الأيّام، فوطننا في حالة انحدار".

تمكّنت من نَيْل دعمه. قلب موظفٍ حكومي، لا شيء ممّا يتقاضاه يعوّض عن دوام يوم عمل كامل، لا يمكن له إلّا أن يلين أمام تلك العبارة بالغة المأسويّة، لكن الدقيقة في إصابتها، "وطننا في حالة انحدار".

"نعم، بالتأكيد"، أجاب موافقًا وهو يفكّر، من غير الانصراف عن عمله. "أنت يا عزيزي أرتور، كرجل من الشرق، لا بد أن تكون سريع الغضب بطبعك، عاطفي المزاج وعاجزًا، أو غير قادر على الدوام، عن كبح مشاعرك؟"

"آه، لا، هذه ليست مشكلة على الإطلاق"، طمأنته، من دون إفساد تعاطفه. "أنا مسالم جدًّا. من الأشخاص الذين لا يمكن لهم إيذاء ذبابة".

أدركت أن من حقّي الطعن في أي قرار يتخذه، فيمكنني أن أكون مزعجًا بعض الشيء.

"حسنًا، هل لديك أيّ من العادات السيّئة؟ هل تدخّن أو تشرب؟ حرص على سؤالي.

"لا، أبدًا. كيف يمكنك التفكير في هكذا أمور؟ أنا لست كامل الأوصاف، لكنّي لم أُصب بأيٍّ من تلك الرزايا".

"ماذا تقول؟ أنت لا تشرب أبدًا؟" سألني مذهولًا، مُحدِّقًا بتلك الانتفاخات تحت عيني.

"لا، فهذا أمر غير مقبول في مجتمعي"، أجبته بلطف، فيما أرسم إشارة بإصبعَيْ، متمنّيًا ألّا يكون لديه جهاز قياس نسبة الكحول في الجسم.

 "إذن، كيف تسترخي؟" هنا علمت أنه اكتشف سرّي، إذ بدأت أسئلته مذ ذاك تُرفق بابتسامة راحت تعرض وتعرض.

"نعم، في الحقيقة ... أستمع إلى الموسيقى، أذهب إلى المقهى مع أصدقائي ... ".

المهم، فقد حصلت على الرخصة، وأنا قمت باستخدام التقنية نفسها تقريبًا لهذه المرحلة الأولى من المقابلات. الشيء الرئيسي في هذه الحالة يتمثّل في ألّا تحاول جاهدًا قول الحقيقة، بل أن تستمع إلى نبرة الشخص الذي أمامك وتتحسّس الذبذبات الصادرة عنه، ومن ثمّ تلقّنه الأجوبة الصحيحة فقط، تلك التي يتوقّعها.

"شكرًا لك، سنبقى على اتصال"، قال لي الرجل الذي كان يجري مقابلة معي قرب نافورة الماء. نهض بهدوء، ليشير إلى انتهاء محادثتنا القصيرة.

"هل أنت متأكد من ذلك؟" سألته من دون تفكير وغير راغب في مغادرة ما بدا أفقًا لحلّ جميع مشاكلي على نحو سريع. "ومتى تعتقد أنّ هذا سيحصل؟" إنّه الخطأ الشائع لكلّ مرشّح وظيفة ساذج تُجرى معه مقابلة.

"من المبكر جدًّا القول. الأمر يعتمد كثيرًا على جدول أعمال ستيفن. سوف نطلعك على المستجدّات"، قال بانزعاج كاد أن يظهر للعيان.

"أراهن أنّك لن تفعل"، فكرت بيني وبين نفسي. كلّ ما تبحثون عنه هو بضع مئات من المغفّلين متضخّمي الثقة بالنفس، يمكنكم الاحتيال عليهم بألف أو ألفي دولار مقابل تعهّد غامض من قبلكم في إتاحة أوّل فرصة عمل متوفّرة. إجراء المقابلات في أبهاء الفنادق لا يُلزم بشيء".

***

الاتّصال لم يأتِ أبدًا، لكن عوضًا عن ذلك سرعان ما تمكّنت من إقناع نفسي والعالم حولي بأنّي ولدت كي أكون مُحرِّرًا إعلانيًّا، ووجدت وظيفة في إحدى وكالات الإعلانات الروسيّة الكثيرة.

في النهاية كان حلم أمّي يتحقّق في أن تراني أغادر البيت إلى العمل في الصباح وأعود في المساء. ملتفًّا بمعطفي، صرت أخرج في عتمة صباحات موسكو، خائضًا لساعة ونصف ساعة من الزمن في كلّ يوم في زحام النقل المشترك، لآخذ مكاني في مكتب خانق.

أكتب في كلّ يوم عشرات القطع التي لا روح فيها عن أيّ شيء وكلّ شيء، من تاريخ كمال الأجسام إلى الفوائد الصحيّة لعصير البرتقال الطازج، فأتلقّى لقمة عيشي في آخر كلّ شهر. أغادر البيت باكرًا في الصباح وأعود متأخّرًا في المساء، لتتكرّس حياتي في سبيل عمل يرهق الروح لصالح صيغة أميركيّة أخرى في الوصوليّة.

أحسست أنّني لن أصمد طويلًا في هذا المكان.

لم أكن سعيدًا أبدًا. تلك الوظيفة قد تكون حلمًا لكثيرين، لكن بالتأكيد ليس لي. إلّا أن هذا موضوع آخر.

ولم أتمكّن في النهاية من أن أصبح المساعد الشخصي لستيفن سيغال.

 

ترجمة عن الروسيّة: آرش تايت

ترجمة عن الإنكليزيّة: كرمل بدر  
لطلب العدد الأوّل من البوابة التاسعة يرجى مراسلتنا على order@portal9journal.org ، مع اسم صاحب العلاقة وعنوانه البريدي ورقم هاتفه، وسيقوم أحد أعضاء فريق عملنا بالإجابة والتعاون.
المعلومات المطلوبة
    


شكراً لإرسال طلبكم للبوابة التاسعة