العدد 3 سرد: كتابات عربيّة وروسيّة معاصرة، خريف 2013
كتابات
المَخرَج
كلّ شيء خارج الباص كان مشهدًا مدروسًا. الواقعيّة الوحيدة بالنسبة له كانت داخل الباص. عشرون شخصًا مع اهتماماتهم وحاجاتهم الروحيّة والاستهلاكيّة والفيزيولوجيّة. هو بالنسبة لهم يُعَدُّ خالق تلك الأمور التي تنتظرهم. كلّ واحد منهم كان بحاجة للحصول على ما يشتهي من دون نقصان. أعجبته حقيقة تمايز كلّ واحد منهم عن غيره، رغم علمه المسبق بكلّ واحد من هؤلاء.
عن المؤلّف
إيرينا بوغاتيريفا، ولدت في كازان، تاتارستان، في روسيا. كاتبة حازت جوائز عدّة وبلغت اللائحة القصيرة لجائزة Debut Prize. أصدرت كتابين، AutoSTOP وComrade Anna.
قراءة إضافية
Inside the New Russian Literary Prize
The Russian Kerouacs: Irina Bogatyreva’s Guide to Hitchhiking
العدد الحالي
الغابة، خريف 2014
المقالات
المراجعات


أطلب الآن
أرشيف
جميع المقالات
جميع المراجعات
أعداد سابقة
السَّاحة
سرد: كتابات عربيّة وروسيّة معاصرة
المتخّيل

1-

هذه هي الأفكار التي كانت تدور في رأسه حين انطلقوا: الرحلة المعتادة، بلدان ثلاثة، ليالٍ ثلاث، عشرون شخصًا، لا أولاد (رَاجَع اللائحة بين يديه). "لا أولاد" فكّر مرّة ثانية. لا يمكن اصطحاب الأولاد في طقس كهذا: كان شهر آذار في أوّله، سيكون هناك مطر في كوبنهاغن، والثلج ما زال على الأرض في هيلسينكي. الريح ستعصف طوال الطريق والشمس لن تظهر. لكنّهم لم يعرفوا شيئًا عن هذا كلّه. "عشرون شخصًا وأنا في سنتي الخامسة عشرة في مهنتي هذه".

هذا ما كان يفكّر فيه، حين انحرف الباص من سان بطرسبيرغ الوامضة بالأنوار، نحو الظلام الدامس في الطريق إلى فايبورغ. داخل الباص خلفه، كان الجو ما زال يتلبّد قبل أن يبلغ حالته الأليفة المؤقّتة، الحميمة والضيّقة. تفقّد أوراقه، تناول المذياع، وقدّم وصفًا للرحلة التي بدأت للتوّ، متحدِّثًا عن الحدود وتدابير المرور. لم يستمع إلى نفسه، فقط تأكّد من صلاحيّة المذياع، ومن أن صوته كان واثقًا، عاليًا، وهادئًا، كما ينبغي أن يكون.

"كلّ شيء على ما يرام. كما ينبغي أن يكون". هذا ما فكّر به حينما انطلقوا.

الآن لم يعرف بماذا يفكّر.                                        

حين سألته ألّا ديميدوفنا (السيدة المزعجة في المقعد ب4) إن كان اختبر نسيان شخص وترَكَه خلفه يضيع، لم يتمالك نفسه عن الضحك.

"لا يمكنك تخيُّل كم شخصًا تركته يضيع خلال هذه السنوات الخمس عشرة الماضية!".

الآن يصمت ويفكّر: لكن نعم، هل قام فعلًا بإكمال طريقه تاركًا خلفه شخصًا منسيًّا؟

انتبَه في الحال لتلك الفتيات. عددهن بين ثماني عشرة وعشرين. واحدة سمينة، وأخرى لا. واحدة وقحة، وأخرى لا. واحدة تتحدّث بالإنكليزيّة أفضل من غيرها، وأخرى أسوأ. على هذا النحو، ميَّز أحيانًا بين زبائنه السيّاح. نادرًا ما حفظ أسماء. بالنسبة إليه، كانوا جميعًا يمثّلون تنويعة صفات ومقاعد يشغلونها.

الحرف أشار إلى الصف الطولي في الباصّ ( يبدأ العدّ من مقعد السائق). الرقم أشار إلى الصفّ العرضي (يبدأ العدّ من المقعد المحاذي للنافذة). كان يحمل لائحة الركّاب. بمراجعتها يكون تفقّد كلّ شخص كمن يتفحّص قنينة داكنة محاولًا تحديد طعم النبيذ الذي تحتويه.

الراكب أ1 كان أمًّا: ليست شابّة ولا مُسنّة، ولا نحيفة ولا سمينة. ليست حمقاء. قد تشتري ثيابًا لزوجها ولابنها المراهق، وفي لحظة ما، قد تشتري تحفة زهيدة الثمن تعرضها على الجميع لبعض الوقت، لكنّها لن تخرجها من علبتها في الحال حين تصل البيت لخجلها بها. إلى جانبها كانت عائلتها، أ2 وأ3، ابن نحيف ومحدودب الظهر وزوجها، الذي يكبرها في السن، بصلعته الناعمة التي ضخّمت حجم رأسه البادي مغروسًا ومثبّتًا في جسده.

ب4 كانت امرأة وقحة مسنّة وعريضة، تشبه حبّة خوخ عفنة بوجه صغير جعد وأحمر وردي على وجنتيها.

"في الصيف الماضي سحتُ في أوروبا بالباص. ستّة عشر يومًا، وثمانية بلدان. كان ذلك رائعًا! ما اسمك قلت لي؟" كانت تتكلّم مع الراكب إلى جوارها.

"رايا. لقد جلستِ إلى جانب النافذة. ألا تخشين الهواء؟" (...هل جلبتَ شالًا؟ نعم. فقط أتمنّى ألّا تنسى الاهتمام بـ ليوسيا. ماذا لو نَسِيتْ؟ هناك دجاج في البراد ولا سكاكر. أوصيتها "لا سكاكر". ماذا لو نسِيَتْ؟ وعدتني أن تنزّه ليوسيا في المساء، وماذا عن الصباح؟ هل يمكنها الصمود طوال اليوم؟ إنّها تكبُر...).

"إن هبّ الهواء سوف أغيّر مقعدي، لا تقلقي. هناك الكثير من المقاعد الخالية، الركّاب قلائل يمكن القول. عندما ذهبت إلى براغ كما تعلمين ...".

غريب جدًّا. كان يمكننا الانطلاق في أيّ وقت قبل هذا. لماذا الآن وليس قبل؟ لماذا الآن تحديدًا؟ ما رأيك يا سافا؟ إنّها الراكب ت1، امرأة كبيرة العينين. فوق الثلاثين، وتتحوّل إلى السمنة رغم أنّها لم تفقد بعد الملامح الجميلة والفتيّة لوجهها الحزين. لا ابتسامة. تنظر إلى زوجها، ت2. ضخم، أملس الشعر، وحادّ الملامح. الدليل سوف يذكر اسمه التوراتيّ إلى الأبد.

ت2: ...                                                             

أحسّ الدليل بالمفاجأة. نظر مرّة أخرى عبر الزجاج الذي تلفّه غمامة من الضباب ولم يرَ شيئًا، هزّ كتفيه ومضى نحو مؤخّرة الباص.

"ماذا تفعلين؟ ألا يمكنك وضع هذا الرداء؟" – " يا يسوع، لماذا أتيت معها؟ سيكون الأمر على هذا النحو طوال الطريق!" كان هذا ث4، ابنة كبيرة، طويلة وسمينة، لها صوت قويّ ويدان متينتان. ث3، والدتها، بدت متقدّمة في السن. بدتا مثل بعضهما البعض تمامًا.

"هو لا يزعج أحدًا. انسي أمره!"

نظر مرّة أخرى إلى ت2. كلّ شيء هادئ هناك.

بعدها ظهرت تلك الفتيات.

ج4: " سأكتب لأمّي فيما بعد، بعد نحو أسبوعين من الآن. لن يكون بوسعها إذ ذاك فعل شيء حيال الأمر. هذا سهل إذا لم تجبن سفيتا في آخر لحظة". رمقت صديقتها بنظرة سريعة ... " ربما كان عليّ ألّا أوافق". قالت، "لا بأس، لا أحد سيقوم بـ ..." لا أحد؟ ماذا لو أنّه يعرف؟ انظري إليه محدّقًا، بماذا يحدّق؟ يمكنه أن يعيدنا عن الحدود. بوسعه هذا. لكننا لم نقم بأي شيء بعد! يا يسوع، سوف يختمون شيئًا على جوازات سفرنا، ولن يكون بوسعنا السفر مرّة أخرى. هذا مريع!".

دوّن ملاحظة عنهما. ملاحظة فحسب، مميّزًا لهما بها عن الآخرين. تمكّن من سبر أغوارهما، وكان فرحًا بنفسه. غير أنّه لن يفعل شيئًا. كلٌّ حرٌّ بتصرّفاته. ما سعى إليه هو مجرّد المعرفة المسبقة لما سينتظره من كلّ واحد من الركّاب.

ت2 مرّة ثانية. خواء. لم يكن الزجاج مضببًا فحسب، بل كان كثيفًا لا يمكن الرؤية من خلاله. اضطراب خفيف حلّ في أسفل معدته. كلٌّ حرٌّ بتصرّفاته.

أحصاهم جميعًا. تسعة عشر. من بقي؟

هناك. فوق النافذة البعيدة، يستلقي رجل نحيف رثّ. قبعته كانت تحت رأسه، وهو يعانق كيسًا فارغًا. في العادة لا يجلس أحد في هذه المقاعد، التي أسماها "ي" لهذا السبب، كونها في آخر الباص.

ي كان السيّد كورنيف. سيذكر هذا الاسم أيضًا. سوف يغدو مصدرًا لبعض المرح، بالنظر إلى كيفيّة التفافه حول ذاك الكيس الرث، الذي (كما يعرف الآن) تقبع فيه آلة حلاقة كهربائيّة من طراز سوفياتي قديم، وعلبة تضمّ أنبوبيّ معجون حلاقة ومعجون أسنان. هو على الدوام سيكون آخر راكب في الباص، وسينسى أسماء الأماكن، وسيسأل عنها من جديد، وسيضيع في كلّ فندق (بالرغم من ذهابه كلّ ليلة في جولة مشي مسائي). سيضيّع مفتاح كابين العبّارة المخصص له (سيجده في حقيبته فيما بعد)، وفي إلسينور سيقطع مسافة بعيدة على الشاطئ، وسيكون على أحدهم اللحاق به لإعادته.

السياح أشبه بالخراف. الأكثر جرأة بينهم، حتّى لو انطلق بمفرده واثقًا، ستبقى عيناه على الآخرين وراءه. باقي الركّاب انتبهوا إلى ذلك. لكن ليس هذا الرجل. في كلّ مرّة يصعد إلى الباص كان يختار مقعدًا مختلفًا – العديد من تلك المقاعد كان خاليًا – فلا يلتبس به رقم أحد. لقد كان كورنيف وحسب. الحرفان الأوّلان لاسم عائلته: ف. أ.

2-

العبّارة هيكل ضخم. يمكنك تقدير حجمها من الشاطئ. لكنّها تبقى أكبر ممّا تبدو عليه – إذ إن جزءًا منها مغمور تحت المياه. إنّها بناء أشبه بجبل جليد.

وهم في زحمة السيّاح، اعتلوا المنصّة الرئيسة للعبّارة عبر سلالم ضيّقة. استُقبلوا بسجّاد أحمر، وكنتوار تسجيل متلألئ، وبمطعم له باب زجاجي ونافورة مياه. جاؤوا معًا جميعًا إلى هناك، إلى تلك الجزيرة حيث تسود اللغة الروسية، وقام الدليل بتوزيع بطاقات المفاتيح عليهم قبل انتقالهم إلى الطبقة المخصّصة لهم. أمتعتهم تتحرّك على الدواليب خلفهم كلّما تقدّموا في الدرج المعدني الضيّق.

"هل وصلنا؟ لا؟ أبعد؟"

"أمّي انظري. سنكون تحت المحرّك!"

"لماذا تقول هذا؟"

"لأنّ مستودع الآليات هنا!"

حدّق الدليل إلى الأسفل عبر بيت الدرج، وأخذ يستمع كما لو أنّه عند فتحة بئر. إنّهم يعرفون كلّ شيء، فكّر – إذ لا بدّ أنّها المرة الثانية لهم هنا. لن يضطرّ إلى تفسير أيّ شيء، لا عن كيفيّة استخدام بطاقات المفاتيح، ولا عن وجهتهم لتناول العشاء. اليوم للراحة. كلّ شيء ينتهي على نحو جيّد. هذا ما فكّر به قبل ذهابه إلى مقصورته.

تألّف الطابق الذي يضمّهم من شبكة ممرات معقّدة بالغة الضيق، حيث لا يمكن لشخصين متشابكي الأيدي أن يمرّا في وقت متزامن عبر أحدها. جميعهم بدوا متشابهين بفضل الأبواب المتجانسة للمقصورات. توزّع الروس على الفور إلى مقصوراتهم وانقطع الاتصال في ما بينهم.

فتحت سافا باب المقصورة، ووجدا نفسيهما داخل مهجع بجدران معدنية مطلية بالأبيض. مباشرة إلى جانب الباب كان ثمّة فجوة ضيّقة، هي مكان للاستحمام ومرحاض. سريران بطابقين وضعا في مقابل بعضهما بعضًا. المسافة بين السريرين بالغة الضيق، فلا يمكن لشخصين التواجد فيها معًا. فوقهما سريران آخران مطويّان ومثبتان في الجدار. طاولة صغيرة ومرآة كبيرة في برواز ثقيل لامع أضفيا مظهرًا من الرفاهية. ولم يكن هناك أيّ نافذة.

"لا يعجبني هذا"، قالت ميلا بلا تفكير وجلست عند حافة السرير.

"سيداتي سادتي"، عبارات باللغة الإنكليزيّة بلا روح علت عبر مكبّر الصوت، "سفينتنا تنطلق. نتمنّى لكم رحلة ممتعة".

اهتزّت الجدران ومادت. ثمّ بدأ يتحرّك شيء قريب جدًّا ورنان. وراح الهيكل كلّه يتمايل بخفّة، لكن على نحو لا يمكن إغفاله. غرست ميلا أصابعها بطرف سريرها وسمّرت عيونها بـ سافا. كان سافا يستمع. وما لبث أن زال الصرير والقرع، ولم يبقَ سوى صوت خشخشة منتظم، يصدر من المهجع بأسره.

"هل تسمع هذا؟" قالت هامسة.

تطاير الماء. لم يتناثر بنعومة كما العادة على هيكل سفينة تمخر العباب، بل راح يخرج متطايرًا من الأعماق الدفينة ويضجّ متألّمًا، مقذوفًا على الهيكل. غلّف الماء الهيكل، مُطبِقًا على مهجعهم الأبيض، قطع جليد تنحت جسم العبّارة، الخائضة وسط الأمواج. أزبد الماء ورغى. كان الماء أسودً متربًا وجليديًا. ماء ليليّ تناثر على الجهة المقابلة من الجدار.

"أنا ذاهب للاستحمام"، قال سافا واختفى داخل الفجوة.

سيكون ذلك بسيطًا جدًّا ومريعًا. ولن يكون هناك سبيل للخروج. نظرت إلى هاتفها الجوال، وكان الإرسال مقطوعًا. الركّاب اليافعون راحوا يلهون في الممشى. فنلنديون كما أوحت أصواتهم. انغلق باب على نحو عنيف. ثم عاد وانفتح وسُمع صوت موسيقى صاخبة. باب آخر انغلق. تلاقى في مكان ما أفراد من مجموعة أولاد ثملين. لعلعت أصواتهم في متاهة الممرّات.

"يمكنك سماع كلّ شيء!" قال صوت باللغة الروسية بالتزامن مع فتح أحد الأبواب. كان ذلك صوت الأم فالاموف وهي تلقي نظرة مستطلعة.

"إذن إنّه الصخب عينه هنا". قالت ألّا ديميدوفنا وهي تعبر الممرّ. أسرعت رايا الخطو خلفها. "تظنين أن الأمر بهذا السوء؟ ينبغي لكِ الانتباه أين نحن! نحن بمحاذاتهم تمامًا! لم أرَ شيئًا كهذا من قبل. لكن ماذا يمكن القول لهم؟ لا أعرف من أين أبدأ. لن يفهموا في كلّ حال. سوف أخبر الدليل".

تقدّمتا متثاقلتين نحو المصعد. وقبل أن يُغلق باب المقصورة المجاورة، أمكن ميلا أن تسمع: "أمي، هل سنذهب لتناول الطعام؟" كان صوت ماء دوش الحمام مسموعًا وناعمًا.

على الأقل سأكون برفقة أمّي، لكن ماذا عنه؟ وحيدًا طوال الوقت؟

3-

ثلاثة بلدان، ثلاث ليال، 600 كيلومتر، عبّارتان (للذهاب والإياب). في فنلندا، جولة عامّة، متحف وكاتدرائيّة. في السويد، جولة عامة، متحف وتزجية وقت. في الدنمارك، جولة عامة، حوريّة وإلسينور. وآه، نعم، وينبغي ألّا ننسى القول إن كوبنهاغن تُلفظُ على نحو مختلف تمامًا في اللغة الهولندية.

كان قادرًا على توقّع كلّ أمر منتظر، وعلى معرفة بما سيبدر من كلّ شخص. استبعد تمامًا كلّ جوانب الفضول الشخصيّ. وذاك انطبق على كلّ حمولة باص اعتياديّة (عشرون شخصًا، لا أولاد). إنّهم خجولون، أو على العكس، وقحون ما إن يجتازوا الحدود. بالنسبة له، كلّ الأمر يبدو مثل رحلة إلى متحف. العناوين والأسماء مثّلت له حافزًا للتكلّم عبر المذياع. هواة درّاجات هوائيّة، أزواج يافعون ومعهم عربات أطفال للتوائم، أشخاص متقاعدون ومعهم مزاليج جاهزة للحركة، لنزهات "الكروس كانتري" وهيبيّون متقدِّمون في السنّ، قادمون من كريستيانا فريتاون في كوبنهاغن – هؤلاء هم أكثر من يستثير ردود فعل حيويّة في أوساط السيّاح الذين معه، وهم دائمًا يظهرون في الأمكنة ذاتها. هو يعرف تمامًا أنّهم سييبسون مثل تماثيل شمع كلما بلغ الباص شارعًا جديدًا. لا شيء يتبدّل في هذا المتحف ما لم يتبدّل الطقس. لكن حتّى هذا التبدّل فقد تعلّم كيفية التعامل معه.

كلّ شيء خارج الباص كان مشهدًا مدروسًا. الواقعية الوحيدة بالنسبة له كانت داخل الباص. عشرون شخصًا مع اهتماماتهم وحاجاتهم الروحيّة والاستهلاكيّة والفيزيولوجيّة. هو بالنسبة لهم يُعَدُّ خالق تلك الأمور التي تنتظرهم. كلّ واحد منهم كان بحاجة للحصول على ما يشتهي من دون نقصان. أعجبته حقيقة تمايز كلّ واحد منهم عن غيره، رغم علمه المسبق بكلّ واحد من هؤلاء.

"علمه المسبق؟" يفكر الآن في طريق العودة، متجاهلًا وجود فرشاة أسنان أحدهم في جيبه.

مثّل ذلك بالنسبة له شيئًا من اللهو. شاهد كيف أنّهم يتأخرون في كلّ مرّة، ويتعمّدون السير ببطء فيتبادلون الأحاديث. لم يلحّ عليهم البتّة، لكنّه كان يتأكّد من أنّهم لاحظوا مراقبته لهم. وهو حرص ألّا يزعجهم الأمر. يمكن للمرأة السمينة بينهم أن تتكلّم للأبد مع موظفي المتجر وهي تختار الثياب والهدايا التذكاريّة، أو لمجرّد تجزية الوقت. ويمكن لتلك الأنحف التنحّي في ركن حاملة أكياس التسوّق.

سألت السمينة مرّة عن كيفيّة إجراء مكاملة هاتفيّة محليّة من الفندق (حدث ذلك في ستوكهولم). شرح لها كيف ولم يطرح عليها أيّ سؤال.

قضوا وقتًا حرًّا في كوبنهاغن. وقتًا حرًّا مديدًا، أمسية كاملة تقريبًا. آخر مرّة شاهدهم كانت في أحد المتاجر في جادة أندرسون، وهم لم يعودوا إلى الباص الذي سيقلهم إلى الفندق الواقع عند أحد أطراف المدينة، في أحد ضواحيها تقريبًا.

ذلك لم يمنعه من تسجيل حضورهم والحصول على مفتاح غرفة لكل واحد منهم. عادوا عند الساعة 12:30 بعد منتصف الليل. وصلوا بواسطة النقل المشترك، حسب قول المرأة السمينة. شكرته على تنبيهه لهم في أن كوبنهاغن تلفظ باللغة الهولنديّة على نحو مختلف تمامًا.

كان ذلك في صبيحة اليوم التالي حين سألت ألّا ديميدوفنا، ب4، عمّا إذا كان الركّاب غالبًا ما يفوّتون الباص عليهم. "دائمًا!" قال الدليل عبر المذياع بنبرة متفائلة. "هم أحيانًا يعودون ويلتحقون بالباص. هناك امرأة قامت مرّة باللحاق بنا حتى السويد. أحيانًا يقوم البعض بالاتصال وأعلمه بالمكان الذي نحن فيه. لكن هناك كما تعلمين من يتعمّد إضاعتنا!" وهنا سكت قليلًا. "أنا هنا لمساعدتكم. الاتحاد السوفييتي انتهى منذ زمن، وأنا لا أقوم بحضانتكم. الشيء الوحيد الذي أفضّله هو إبلاغي على الفور بمّا يجد معكم. لا تفكِّروا أنني سوف أجرّ واحدكم من يده. لكنّي أظن أن الناس يخافونني".

أطلق ضحكة عبر المذياع وكأنّه يود القول، "ما الذي يخيف فينا؟"

فعلًا. ما الذي يخيف، فكّر الآن وهو يلهو بأصابعه بتلك الفرشاة في جيبه. كانت فرشاة حمراء بهت لونها وتلاشت الأحرف المطبوعة عليها.

4-

أمام مقدّمة السفينة، وعبر النوافذ شبه المستديرة، ظهرت سلسلة من الجزر الشامخة العملاقة وكأنّها في عالم من الخيال الفنتازي اللاواقعي. بدت طافية إلى جانب بعضها بعضًا، تعوم ثم تغطس لتختفي عن الأنظار. كانت مكسوّة بشجر التنوب، وتنتشر فيها بقع من الثلج، والرمل، والصخور الضخمة شبه المستديرة. طيور سوداء تحلّق عاليًا، فوق أشجار الصنوبر البادية كسواري السفن. كانت المياه سوداء مائلة إلى البياض بفعل قطع الجليد. عبّارة أخرى اقتربت وتجاوزتهم. هي أيضًا كانت متوجّهة إلى إحدى الجزر وخلّفت في الماء وراءها خطًّا أسود.

الروس ضيّعوا في المطعم الكبير ما كانوا يحملونه من أمتعة. كان المكان مزدحمًا، إذ كانت عطلة نهاية الأسبوع. عائلات، أولاد، وأشخاص كبار وصغار في السن. الجميع كان مهذّبًا وميالًا للكلام. التمايزات القوميّة في ما بينهم لم تظهر. كانوا مجرّد أشخاص خلف طاولات تتنقّل الصحون في ما بينها مملوءة بالطعام المقدّم لهم.

لكن عندما جلس الروس، كان واضحًا أنّهم شكّلوا صفًّا واحدًا خلف الطاولة الأكبر، كي يتسنّى لهم مواجهة النافذة، وذلك رغم عدم التزامهم نظام مقاعدهم في الباص. لم يكن غائبًا سوى الدليل والسائق. ولم يكن ثمّة مقعد لكورنيف. انتهى الأخير جالسًا خلف طاولة مستديرة صغيرة مع ثمانية أشخاص آخرين. لم يعفّ صحنًا واحدًا قُدم من سمك الرنجة، ومن قطع الخبز السمراء، وظلّ دائم الحركة بين مقعده وبين المكان الذي كانت تُملأ فيه الكؤوس لتجديد كأسه من النبيذ الأحمر.

"إه"، غمغم فارلاموف وهو يراقبه، وارتشف شيئًا من النبيذ الأبيض الذي سكبته زوجته في كأسه. هزّت الزوجة رأسها.

"ما الذي يجعله صامتًا على الدوام؟ لم يقل شيئًا طوال الرحلة. تحيا مع شخص كهذا وتظنّ أنّك تعرفه، لكن في الحقيقة أنت لا تعرفه. صحيح هذا يا سافا؟ رفعت ميلا نظرها عن صحنها وحدّقت في زوجها. كان يعاين الجُزُر فيما هم يعبرون بمحاذاتها.

"يا جماعة، من الأفضل الذهاب وإخبار الدليل، وإلّا ستكون هناك فضيحة عالمية"، قالت ألّا ديميدوفنا. "انظروا إليه يردّ ضرباتهم!"

نهضت من مكانها.

"آه، دعوه وشأنه"، قالت بهدوء ريا المهذّبة في العادة.

"ماذا قلتِ؟" سألت ألّا ديميدوفنا وقد تملّكتها الدهشة.

"دعوه وشأنه. ربّما يقوم بإغراق أحزانه. أنتم لا تعرفونه".

"حسنًا، سوف أعرفه"، قالت ديميدوفنا بحردٍ إذ كأنّها أحسّت بالإهانة. لكنّها عادت وجلست في مقعدها.

هو لا يقول شيئًا. أنا لا أفهمه. إن كنّا مكمّلين في فكرة طلاقنا فما داعي هذه الرحلة؟ الغسق يهبط، وأكاد لا أرى شيئًا. ما داعي هذه الرحلة إن كنّا نقوم بالطلاق؟ إننا الرفيقان الأغرب ههنا.

نهض كورنيف من جديد، عاد إلى مقعده، جلس ورمق جيرانه بنظرة متجهّمة.

"روسيا؟" سأل رجل سمين وهو يمسك مرفقه لسبب غير واضح. "ماذا عنها؟"

"حسنًا، حسنًا"، قال الرجل وهو يميل برأسه في حركة وديّة وربت على كتف كورنيف.

"فنلنديّون؟" سأل كورنيف.

"لا"، قال الرجال الثمانية المبتسمون حول الطاولة بصوت واحد وهم يهزّون برؤوسهم.

"لا يهم"، قال كورنيف. "أرجو ألّا تمانعوا في وجودي بينكم"، سألهم وأشار إلى كؤوس النبيذ أمامه وصحنه المليء بسمك الرنجة.

"لا بأس، لا بأس"، هزّوا برؤوسهم جميعًا وابتسموا مرّة أخرى.

"أود لو أعرف ما الذي تشعرونه نحوي بصراحة"، قال كورنيف متسائلًا ومحدّقًا بالرجل السمين.

"لا جواب؟ حسنًا. سأكتفي بهذا القول. فكّروا" – تجشّأ – "في الموضوع. ما الذي يدفع الروسي إلى السفر؟ هه؟ أتفكّرون في هذا؟" – أومأ بكأسه وأومأ الجميع بكؤوسهم في المقابل. "يا للجحيم. لا". ذابت ملامحه في ابتسامة دافئة وقرّب وجهه حتّى كاد يلصقه بوجه الرجل السمين وقال: "نأتي إلى هنا كي نوجع قلوبنا. وجع القلب". أومأ له الأشخاص الثمانية حوله بوقت واحد ورفعوا كؤوسهم في حركة كأنّها ردّ فعل على كأس يشربه كورنيف على شرفهم. ضرب كأسه مع كلّ واحد منهم، شربه، سحب كيسه من تحت الطاولة وغادر.

"هل شبعتِ؟" قال سافا سائلًا ميلا. "لنذهب وننام".

أُعلن في المذياع عن إقامة ملهًى ليلي في الطبقة العلوية من السفينة. قرب كنتوار الاستقبال جلس كورنيف عند حافة نافورة وراح يضرب الماء بيده المفتوحة. وبعيدًا عنه، خلف مدخل المصعد، كان هناك ممر وباب زجاجي يودي إلى فسحة مفتوحة من الطبقة التي كان فيها. كان بابًا صغيرًا  مُخصصًا للموظفين. لم يكن مقفلًا، وكان المراهقون يخرجون منه كي يدخنوا في الخارج. كانوا مرحين رغم بردهم.

"مَخْرَج" عبارة كانت مطبوعة بأحرف خضراء فوق الباب ومعها رسم لرجل يركض. "مَخْرَج"، قرأ كورنيف وسافا معًا في وقت واحد بالروسيّة. كلّ منهما قالها في قلبه. لكن كلّ منهما سمع الآخر يقولها ونظر واحدهم إلى الآخر ليعلمه بذلك.

5-

الطقس في إلسينور في ذلك اليوم كان ... وماذا يقال غير أنه كان هناك طقس؟ في ذاكرته كان الأمر على الدوام على هذا النحو – غيوم، رطوبة وحرارة، ورياح تهب فوق البحر. صقيع. نساء يرتدين قبعات، ورجال يرفعون ياقات معاطفهم.

إلسينور هي حصن بجدران دفاعيّة سميكة. مدافع عند جنباته قبالة السواحل وموجّهة نحو السويد. هناك من ذاك المكان يمكن رؤيته، على بعد ثلاثة كيلومترات. سبق له وأخبرهم عن ذلك. كان الرمل رطبًا. على طول الطرف المائي ارتفعت جلاميد صخريّة رماديّة مخضرّة. شاهد كيف قامت إحدى النساء في المجموعة التي ترافقه بتسلّق الصخور نحو الماء وغابت عن الأنظار.

كانوا مصممين على الوصول إلى الحصن، رغم عدم تقديمهم طلبًا مُسبقًا للدخول. حارسة ضخمة، حادّة النظرات ومُطبقة فكّيها إطباقة شديدة، ترتدي بذلة كحليّة، وتحمل سلسلة مفاتيح تزن نصف كيلو غرام نظرت إليهم وابتسمت بلطف حصان.

قال لها باللغة الدنماركيّة، "إنّهم سيّاح من روسيا. وسيكون من بالغ لطفك السماح لنا بمشاهدة القلعة من الداخل".

كان الحصان في غاية اللطف. أخذت الحارسة علمًا أن الروس كانوا قد استسلموا لابتسامتها، كمثل استسلامهم أمام إيحاءات المكان.

قدّمت لهم النبذة التاريخيّة والشكسبيريّة، ومُنحوا خمس عشرة دقيقة للتجوال والتقاط الصور. "تعرفون مكان توقّف الباص"، قال لهم وتقدّم ببطء عبر الاستحكامات باتجاه الجدار. أراد تلمّس حجارته. كانت الحجارة رطبة والأرض مغطاة بالطحالب. في بعض المواقع رُمم الجدار بحجارة قرميد جديدة. نوارس بحريّة ضخمة كانت تزعق في الأجواء.

رأى أن كلّ واحد منهم تقريبًا كان يتوجّه إلى الباص، وكانت عصفات الريح الآتية من بحر البلطيق تدفعهم قدمًا وتصفعهم على ظهورهم. رأى سافا عائدًا إلى موقع القلعة. ثم عاد وشاهده فيما بعد في أعلى الجدار. نظر سافا إلى البحر من فوق أحد المدافع الموجّهة إلى السويد. وقفت زوجته في الأسفل وصاحت ببعض الكلمات كي يسمعها. ضحكت ومسحت بمؤخّرة يدها دمعًا في عينيها سببته الريح.

رأى كورنيف متجهًا إلى جهة اليمين عبر الشاطئ. فيما بعد سيُرسل المراهق، أ2، في الاتجاه عينه كي يُعلم كورنيف أن وقت المغادرة حان.

لم يرَ الفتيات أبدًا طيلة الرحلة. في الداخل كان قد سجّل غيابهن. وهو فوجئ قليلًا حين اكتشف أنّهن يدخّنّ السجائر ويحتمين من الصقيع قرب الباص.

6-

لو كان باستطاعة هذه الجدران القفز لقفزت. استمعت ميلا إلى هدير الديسكو وكأنّه هدير نبضات قلبها. استلقت في الظلام وعيناها مغمّضتان. كان الظلام دامسًا، فلا فارق بين عينين مغمضتين أم مفتوحتين. تسللت موسيقى الديسكو من الطبقة العلوية للسفينة عبر الجدران إلى مهجعهم. هي نفسها غدت جدارًا.

لكنّه غير نائم حتّى.

"هل تمانعين لو قرأت؟" سألها سافا.

"هيا افعل".

أشعل ضوء السرير. فوق ميلا ظهر سقف أبيض. مراهقون تراكضوا ذهابًا وإيابًا ومشوا في الممر وتعالى زعيقهم. ثلاثة أبواب انغلقت في وقت واحد. أحدهم قرب الباب تعثّر وسقط أرضًا. خلف الباب علا صياح فتيات يافعات. صبية في الممر ضحكوا وتصايحوا بكلام غير واضح. فكّرت ميلا بالدفء الذي قد يكون سائدًا في الأدغال.

"هل تشعرين بالبرد؟ سوف أشغّل جهاز التدفئة".

نهض وكبس زرّ التشغيل في جهاز التدفئة. عاد واستلقى. بعد لحظات قليلة راح الدفء ينتشر. استرخت ميلا وأخرجت يدها من تحت الغطاء.

أذكر – أكان ذلك في حفلة تخرّج؟ أم حفلة رقص عادية؟ في قاعة درس ... اللغة الروسيّة ... نعم. كانت الموسيقى تصدح، وكان ثمّة عتم حالك في الممرّ. لم يكن أحد في المدرسة سوى تلامذة صفنا. كان ثمّة أصداء، ووقع أقدامنا في الممر كان أعلى من صوت الموسيقى. سويش سويش. قرب المرآة. كان هناك أزهار أيضًا – قمت بنزع جميع أوراقها. كوستيا، الذي لديه طفلان من ناتاشا الآن، قال، هيا بنا، ثمّة مساحة أكبر. رقصنا الفالس. يا إلهي كم هذا مضحك! ثم بعد بعد مضي وقت قليل قالت سفيتا، "هل تبادلتما القبل؟" لكننا كنا نرقص الفالس وحسب ...

راحت الموسيقى تبتعد فجأة وكان بوسعك سماع هدير البحر مهسهسًا وطارقًا على الجهة الأخرى من الجدار. أخذت تستمع إلى ذلك الصوت والسفينة تتقدّم. كان صوتًا ناعمًا وهادئًا. صوتًا مزبدًا. دام وقتًا طويلًا. فجأة انتبهت إلى مغادرة سافا لأن الباب انغلق بصفعة قوية وفتحت عينيها.

7-

"ماذا أخبرهم لو عدت إلى الباص ومعي الكيس؟" فكّر الدليل في نفسه. لا أحد يغفل اللحاق بنا تاركًا أغراضه خلفه. كان هذا دائمًا أول الأشياء التي تشير إلى تحليق أحدهم بعيدًا عنّا. بمفرده. لو أنّ أغراضه ضاعت.

لكنّهم لم يعرفوا شيئًا عن الأمر. وهو لم يعرف ماذا يفعل الآن.

ظلّ هادئًا في اللحظات الأولى التي تلت تفقّده عدد الحاضرين، حين أعلمه الركّاب أنّهم ليسوا جميعًا هنا. ألم يتوقّع ذلك؟

تقدّم في الممرّ بين المقاعد عادًّا رؤوس الحاضرين وفيه إحساس أنّه يقوم بإجراء شكلي. هو لن يقوم حتّى باللحاق بهم لاصطيادهم. قد يذهب ويغيب خلف بناء ليلتقط أنفاسه مدخنًا سيكارة، ثم يعود إلى الباص، ويقول أن لا أحد على السفينة يعرف شيئًا. وهذا سيكون حقيقيًا. ما الذي يمكن لهم أن يعرفوه؟ الذين يهربون في العادة هُم بأعمار يافعة، ولن يصيبهم مكروه. كلٌّ حرٌّ بتصرّفاته.

لكنّه بلغ مؤخّرة الباص، وقال عبارة "تسعة عشر" بصوت عال، وتوقّف، مُحدِّقًا بالفتيات.

كان ذلك وهمًا بصريًا. كنّ أشبه بدعائم مسرح. مثل تماثيل شمع.

نظرن إليه باستخفاف.

"من الذي نسيناه؟" قال موجهًا سؤاله للركاب في الباص.

"كورنيف"، سمع الجواب.

غدا متنبهًا. فكّر في نفسه: لا بأس إن كان الغائب هو كورنيف. كورنيف سيعود ويظهر. لكن الفتيات هنا. اكتشف أنّه الآن بات عاجزًا عن معرفة ما سيتوقّعه. ما الذي يمكن توقّعه من هؤلاء الأشخاص؟ وأحسّ أنّه تأكّد من حضور كلّ واحد منهم في الحال.

عاد بسرعة إلى السائق، مال نحوه، وقال، "أنت إبحث هنا، وأنا سأبحث في السفينة". وإلى الركّاب توجّه في القول، "أرجوكم لا تبتعدوا. لن نتأخّر كثيرًا".

8-

غادر سافا دون أن يبدّل ثيابه، بالروب الذي كان يرتديه. لم يبدّل ثيابه مخافة إيقاظها. لم يكن ليغادر لو لم تكن نائمة. أدرك هذا. هو لن يكون راغبًا في ذلك. استقلّ المصعد إلى طابق السفينة العلوي. القاعة حيث كنتوار الاستقبال كانت خالية. الديسكو كان هادرًا في الأعلى. استدار سافا حول النافورة وانحرف يسارًا  في الممرّ الضيق حيث رأى اللافتة وعليها عبارة "مَخْرَج".

وقف كورنيف عند الباب الزجاجي، متفحّصًا إطار الباب ومحاولًا خلخلة الشريط الكاوتشوك بين الباب والإطار. التفت ولم يُفاجأ برؤية سافا.

"أرأيت؟ لقد أقفلوه"، قال شادًّا مسكة الباب كدليل على ما يقول. "إنّه وقت الليل"، قال. "إنّهم يقفلونه كي يبقى الثملون في الداخل".

اقترب سافا من كورنيف، ومعًا ضغطا برأسيهما على الزجاج ونظرا. في الخارج شاهدا منصّة معدنية رماديّة رطبة، وخلفها ظلام دامس عميم. "لا يمكنك رؤية أيّ شيء، انظر إلى هذا"، قال كورنيف. "حتّى لو كان هناك شيء، فلن يكون بوسعك رؤيته".

ضوء من السفينة اخترق الفضاء خلف هيكلها، شعاعات بطول نصف متر، رطبة وبيضاء وامضة تتلألأ في السواد الحالك وهي تتطاير من اليسار إلى اليمين. هكذا أدركوا أن الرياح كانت ناشطة في الجهة الأخرى من الزجاج. ولم يلاحظوا حركة السفينة إلّا من خلال التموّجات.

"أتعرف بماذا أفكّر في كلّ يوم هنا؟" سأل كورنيف فجأة، مركّزًا بصره في الظلام المتثائب. "أفكّر كيف علّمني جدّي استخدام المنجل. كان يأخذني معه ونعمل من الصباح حتّى وقت استراحة الغداء. أذكر هذا، متقدّمًا والمنجل في يدي، ولا أفكار في رأسي، حريصًا على إبقاء جدّي أمامي في مرمى نظري، إلى يمين عيني. ومركّزًا على المنجل في الأثناء".

"عليك أن تكون خفيف الحركة، وتمضي بانتظام في خطّ مستقيم. وش. وش. وش. برقّة كما تقطع الزبدة. محافظًا على موقع الشفرة فوق الأرض مباشرة"، أكمل سافا قصّته.

التفتا إلى بعضهما البعض. كان كورنيف هادئًا. انتبه سافا إلى هذا.

"ثمّ كنا ننتقل إلى مساحة ظليلة"، قال كورنيف. "ونحتسي الكفاس. كان يستلقي على الأرقطيون تحت سيقان البتولا.

"كنا نأكل السندويتشات والبصل الأخضر".

"الدجاج المحمّر والبطاطا المسلوقة. باردة وملساء".

"مملّحة".

"ثمّ كنا نستلقي على الأرض. لا نتكلّم، فقط نحدّق بالسماء".

"ألم الجسد. أحلم بنهر".

"هذا الذي تتكلّم عنه مغرٍ جدّا"، قالت امرأة باللغة الإنكليزيّة سمعا صوتها صادرًا بالقرب من النافورة.

خرج شابان من المصعد برفقة فتاتي الباص. "لكنّي أخشى أن نكون في بلد آخر غدًا. غير أنّنا سنفكّر بالموضوع، أليس كذلك يا سفيتا؟"

"نعم بالتأكيد"، قالت سفيتا وضحكا معًا. صعدا الدرج وغابا خلف باب في الديسكو.

سافا، غائب الذهن، ضرب يده على جيب روبه. ربت كورنيف على كتفه وأخرج علبة سجائر. دخّنا صامتين، ولم ينظر واحدهما إلى الآخر.

"إنّه مغلق فعلًا، سافا. أو ربّما هذا ليس المخرج الذي كنّا نبحث عنه".

"بل إنّه هو".

"إذن هو لا يناسبنا"، قال كورنيف محمحمًا لسبب غير واضح. قذف عقب سيجارته نحو سلّة المهملات على بعد خمس خطوات من حيث يقفان، وأصابها. "هيا عد إلى زوجتك. كلّ شيء سيكون على ما يرام".

في المصعد خطرت لسافا فكرة أن الأمور قد تسير على نحو مختلف.

9-

قيل له، وفي حالة اختفاء أيّ شخص، أفضل ما يمكن فعله هو التوجّه إلى الشرطة. لو كانت الأمور عائدة إليه. نظر الدليل إلى آلة الحلاقة الكهربائيّة، فرشاة الأسنان الحمراء، الباهتة اللون، وإلى أنبوب معجون الأسنان. لم يكن ثمّة أيّ كلمة روسيّة لا على الفرشاة ولا على أنبوب معجون الأسنان. وحدها آلة الحلاقة الكهربائيّة كانت الدليل المباشر على أنّها تعود إلى الحقبة السوفياتيّة. لكن كيف لهم أن يعرفوا ذلك؟

"أنا لست متأكدًا من أن هذه الأشياء هي أغراضه"، قال.

"لا بأس، إذن ليكن بعلمكم أنّها ستكون هنا في قسم الموجودات في حال عاد يبحث عنها، وأنتم تؤكّدون أنّها أغراضه".

قال، "حسنًا" باللغة الفنلنديّة وغادر وهو متأكّد أنّه لن يرى كورنيف مرّة أخرى. كان لديه شعور أن ذلك لم يكن مجرّد تأخّر عن الباص. وبأنّه اختفى حين كان على متن السفينة. وبأن ذلك كان متعمّدًا. لكن لماذا، فقط لماذا كلّ هذا التعقيد؟ لغزٌ هو قلب الإنسان، فكّر الدليل. لو أخذ أغراضه معه على الأقل. كي لا يترك أثرًا. لكن ما حاجة المرء إلى آلة الحلاقة في حياته الأخرى؟

كان ذلك في أثناء مغادرته السفينة حين وضع يده في جيبه واكتشف فرشاة الأسنان.

الفرشاة التي لا كلمات روسيّة عليها. الفرشاة التي لا تحوي أيّ كتابة.

10 –

"هل خرجت؟ يبدو أنني غفوت؟"، قالت ميلا. كان سافا صامتًا. كان جالسًا على سريره مرتديًا روبه الأصفر. اشترياه السنة الفائتة، وهو يصل إلى فوق ركبتيه بقليل. ويبدو مضحكًا جدًّا.

الموسيقى استمرّت. باتت الآن أكثر بطئًا وخفوتًا. نسمّي هذا تحمية بطيئة. يمكنك أن تعانق وترقص دائمًا في غاية البطء. إن سألك أحد أن تفعل. معظمهم كانوا خجولين جدًّا ليسألوا. أصوات البحر اختلطت أيضًا في الأجواء. موسيقى وبحر. مع خرمشات الجليد المتساقط وزبد الماء على هيكل السفينة. موسيقى في أعماق الظلام.

هيّا نرقص.

ربّما قال ذلك بصوت عال، لكنّها كانت نائمة وسمعته على نحو مختلف وكأنّه داخل رأسها. جاءت أيضًا. وكان يمدّ يده إليها.

وقفا معًا، راحة يدها على كتفه، ويده على خصرها. تمايلا إلى الوراء وإلى الأمام، من القدم إلى القدم، وراحا يدوران في المساحة الضيّقة بين الأسرّة. كان يرتدي خفّيه وروبه الأصفر الذي يصل إلى أعلى من ركبتيه قليلًا. كانت حافية القدمين على الموكيت الرمادي الرديء والخشن وجسدها الأبيض يشعّ من خلال ثوب النوم الطويل الذي ترتديه. وجهها كان يغلّ في المساحة فوق كتفه.

كم من الوقت مضى، كم من الوقت ... لا يمكنني أن أذكر.

""هل تبكين؟"

"أنا؟ لا. يوجد ماء على كتف روبك. من أين هذا الماء؟"

البحر البارد كان يهدر قريبًا منهما، غير مرئيٍّ، لكن بإيقاع ماشى حركاتهما.

11-

واحدًا إثر الآخر، تقدّم السيّاح منه كي يودّعوه. كان الدليل يردّ عليهم بابتسامة. وصلوا إلى سان بطرسبيرغ تمامًا في الوقت المحدّد، عند الساعة الرابعة والنصف فجرًا، رغم تأخّر ساعة ونصف الساعة إثر نزولهم من السفينة. منهكان وشاحبان بعد الرحلة طوال الليل، جمعا أغراضهما وغابا على مهل في الظلام، حيث يحتشد سائقو التاكسي وتتراءى أضواء فوانيس الشوارع الصفراء كأنّها في مستنقع. آخرون عبروا الشارع نحو محطّة قطار موسكوفسكي. شاهدهم كيف وصلوا إلى هناك واحدًا إثر آخر كما كانوا يفعلون خلال رحلة سفرهم. كأنّهم اعتادوا ذلك. وهي عادة ستزول.

"إلى اللقاء"، قالت ميلا مقتربة منه. "شكرًا".

"حظًا سعيدًا"، صافحها سافا قائلاً. "كانت رحلة عظيمة. كما أردناها".

كلمات لطيفة وجوفاء وبالغة الشكليّة. ابتسم الدليل، قال شكرًا وفكّر، بالتأكيد، كلّ شيء كان معدًّا خصيصًا لكم.

تمامًا كما فكّرت، أجاب سافا في عينيه فقط.

 

ترجمه عن الروسيّة: جون فريدمان

ترجمه عن الإنكليزيّة: فادي طفيلي 
لطلب العدد الأوّل من البوابة التاسعة يرجى مراسلتنا على order@portal9journal.org ، مع اسم صاحب العلاقة وعنوانه البريدي ورقم هاتفه، وسيقوم أحد أعضاء فريق عملنا بالإجابة والتعاون.
المعلومات المطلوبة
    


شكراً لإرسال طلبكم للبوابة التاسعة