العدد 3 سرد: كتابات عربيّة وروسيّة معاصرة، خريف 2013
كتابات
نقِّل فؤادَكَ
على مدى سنوات كنت أقوم بذلك كلّ يوم، وحدي، من دون أحد يرافقني، من دون جابر الذي أسرف في لومي حين كان معي. ذلك كان مشواري اليومي. كان يتعبني، أو يتعب قدميّ على الأصحّ، لكنّني، فوقهما، أكون مرتاحًا، إذ أظلّ متوقّعًا شيئًا من ذلك الأمل القليل. ستأتي لا بدّ، ستأتي ذات يوم، أليس بيتها هذا الذي هنا، إلى يميني وأنا في طريق النزول.
عن المؤلّف
حسن داوود، روائي لبناني. صدرت له روايات عدّة كانت أولاها "بناية ماتيلد"، كما أصدر ثلاث مجموعات قصصيّة. تُرجمت أعماله إلى لغات عدّة.
مقالات أخرى للمؤلف
من ثقب الكاميرا الضيّق
هنا في الوسط تمامًا بين بيروت وباريس
قراءة إضافية
حوار مع حسن داوود
An Excerpt from The Penguin’s Song
العدد الحالي
الغابة، خريف 2014
المقالات
المراجعات


أطلب الآن
أرشيف
جميع المقالات
جميع المراجعات
أعداد سابقة
السَّاحة
سرد: كتابات عربيّة وروسيّة معاصرة
المتخّيل

لقد جدّدوا كلّ شيء هنا. إلّا بوّابة الحديد التي، لأفتحها، ينبغي لي أن أجرّها بيديّ الاثنتين. أفكّر أنّ ثقل وزنها سيُطلع صوت الكهرباء قويًّا إن جعلوها تنفتح وتنغلق بالأزرار. لكن، في أيّ حال، لا يضيرهم أن تبقى البوّابة هكذا على حالها القديمة طالما أنّهم، بعد أن جدّدوا كلّ شيء، سيظلّون محتفلين بما كانه هذا الجزء من المدينة في زمنه السابق. في الخارج، من لحظة ما أضع قدمي على الطريق، أبدأ بتشمّم رائحة العطر التي تلازمني حتى وصولي إلى شارع السيّارات العريض. في الأيّام الأولى من عملي هنا، فاجأني كيف أنّ الرائحة تعبق، وتظلّ عابقة، في طريق مفتوحة من جهتيها، بل ومفتوحة على السماء أيضًا. عطر جديد. عابق وقويّ. وهو تسلّل، أو تدفّق، من المحلّات التي تبيع الثياب الباهظة الثمن. المحلات التي لا تعرض كلّ من واجهاتها إلا ثوبًا واحدًا، كأنّها لا تحتاج إلى أكثر من زبون واحد في اليوم. وهذا، الزبون الواحد، لم يحدث لي أن صادفته، داخلًا أو خارجًا، في فترة الشهر ونصف الشهر التي انقضت على بدئي العمل.

كلّ شيء جديد هنا. حتى بوابة الحديد القديمة تلك، حتى الحجارة السوداء التي بلّطوا بها الطريق ليذكّروا بأنّ الطريق كانت هكذا مبلّطة بالحجارة السوداء قبل مئة عام. حتى “الكفّ الأحمر” محلّ التحف الذي كان من المحلات المشهورة، والذي أُقفل قبل أربعين عامًا، عاد جديدًا، غير عابئ حتى بأن يتذكّر الناس عراقته وقدم إسمه. كلّ شيء جديد هنا. وهو يذكّر بجدّته كلّ يوم، ويُعمل على جدّته، إذ لا يتوقّف الموظّفون عن نفض الغبار وغسل زجاج الواجهات، وتزييت حديد السلالم الكهربائيّة، ورفع الصور الكبيرة لنساء مستفزّات يرتدين ألبسة داخلية وبناطلين ضيّقة مشدودة.

كلّ شيء جديد هنا. غالبًا ما أسأل، فيما أكون أنظر من أعلى درجات السلّم الكهربائي، كيف أبدو أنا لمن يراني حين أصل إلى أسفل الدرجات وأبدأ مشيي بين المارّة القليلين، مجتازًا بينهم تلك المساحة الواسعة بين حدّي البنايات. أفكّر أنّني لن أُلاحَظ، أي أنّ من يرونني لن يجدوا فيّ ما يدفعهم للالتفات إليّ. ليس مثلما أفعل أنا حين أنظر إلى الفتيات الثلاث، السمراوات، الجالسات معًا وقد انحنت ظهورهنّ من جلوسهنّ متحدّثات على مهل.

وها قد مّر شهر ونصف شهر من دون حتى أن يلاحظن مروري. وقد يبقين هكذا سنة أو سنتين على مقعدهنّ ذاك، ولا يلتفتن مرّة واحدة إليّ. حتى إن عينيْ أيّ منهنّ لن تقع عليّ بالخطأ. ذاك أنّهنّ يستطعن التحكّم بكلّ شيء فيهنّ. يتحكّمن بعيونهنّ أين تذهب نظراتها، يتحكّمن حتى باسترخائهنّ، وبالقدْر الذي يخرجن فيه أقدامهنّ لتكون حرّة من المشّايات، من أجل أن يبقين مرتديات لها لكن متخّففات منها في الوقت نفسه.

أخمّن من جلوسهنّ، على المقعد ذاته، كلّ يوم، أنّهن ينتظرن أن يُفتح المحلّ الذي يعملن فيه. أن تأتي صاحبته وتتّجه توًّا إلى بوابته المقفلة. وهنّ سيقمن من جلوسهنّ، لينتظرن انفتاح الباب، وليدخلن، لكن بعد أن يتأكّدن أنّ المرأة أنهت الدقيقة التي تحتاج إليها لترى أنّ كلّ شيء في الداخل ما زال في مكانه.

ها قد انقضى شهر ونصف الشهر على مجيئي كلّ يوم وهنّ ما زلن على جلوسهنّ، أو انتظارهنّ. ربما سيكون عليّ أن أغيّر وقت وصولي. أن أتأخّر ساعةً، أو أن أترك المكتب الذي أشتغل فيه، مرّة بعد مرّة، بفارق نصف ساعة بين المرّة والأخرى، علّني أشاهدهنّ في الوقت الذي يقمن فيه، متهيّئات ليدخلن معًا إلى ذلك المحلّ، أو ليتفرّقن ربّما إلى المحلّات المتقاربة التي تعمل كلّ منهنّ في واحد منها.

لطلب العدد الأوّل من البوابة التاسعة يرجى مراسلتنا على order@portal9journal.org ، مع اسم صاحب العلاقة وعنوانه البريدي ورقم هاتفه، وسيقوم أحد أعضاء فريق عملنا بالإجابة والتعاون.
المعلومات المطلوبة
    


شكراً لإرسال طلبكم للبوابة التاسعة