العدد 4 الغابة، خريف 2014
إفتتاحية
إفتتاحّية
عن المؤلّف
فادي طفيلي، كاتب وشاعر ومترجم لبناني. رئيس تحرير البوَابة التَاسعة. 
العدد الحالي
الغابة، خريف 2014
المقالات
المراجعات


أطلب الآن
أرشيف
جميع المقالات
جميع المراجعات
أعداد سابقة
السَّاحة
سرد: كتابات عربيّة وروسيّة معاصرة
المتخّيل

واحدة من أكثر قصص "لبنان" وأخبار نشوء كيانه استحضارًا لمشاعر الأمل، هي تلك التي يرويها كمال الصليبي (1929 – 2011) في "تاريخ لبنان الحديث" (الطبعة الأولى 1965) عن منطقة الضنّيّة في شمال البلاد. المنطقة الجبليّة الواقعة إلى الشرق من مدينة طرابلس، والغنيّة بأشجار السنديان والعرعر، وبأنواع كثيرة من النبات والأزهار والطيور، لم تكن تُدعى بهذا الاسم حين انجذبت إلى طبيعتها الخلّابة جماعة من الفرق الباطنيّة واتّخذتها موطنًا. ومع إقامة هؤلاء في البقعة الغنّاء من الجغرافيا اللبنانيّة المشرقيّة، البقعة المتماهية مع معتقداتهم على ما ارتأوا، تسمّت المنطقة باللّهجة العاميّة: "الضنّيّة"، التي أصلها "الظنّيّة" المشتقّة من "الظن"، نسبة إلى أهل الظنّ المنجذبين إليها. وذاك في الحقيقة أوحى بما يشبه دورة طبيعيّة متكاملة بين الأرض والكائنات واللغة. فالمنجذبون الباطنيّون، "الظنّيّون"، انشدّوا إلى ما رأوه في طبيعة المكان، مرآة حالهم وانعكاس معتقداتهم الدفينة. فقد انشدّوا إلى خبايا المنحدرات والوديان والمغاور وظلال الأجمات وأسرار الأصوات وألوان المواسم. والمكان، بدوره، انشدّ إليهم آخذًا منهم صفتهم التي حملها اسمًا منذ ذلك الحين، ذاك الاسم الذي انطبق تمامًا مع طبيعة أرضه الجبليّة ومساحاته الغابيّة، "المُغيّبة" ما فيها وما يدخلها.

كان ذلك في مطلع الألفيّة الثانية، في مرحلة مُبكرة وتأسيسيّة من عمر الكيان، حين كان، في ما هو عليه وبما عليه، واقعًا أوّليًّا لتفاعل الأرض والكائنات، لم تصخب فيه السياسة وتتعقّد بعد. علاقة المكان بكائناته و"لغاتهم" وأهوائهم، المُعلنة منها والباطنيّة غير المعلنة، بدت، على ما توحي به قصّة "الضنّيّة"، تواصليّة وتكامليّة تستحضر الأسُس. كما أنّها علاقة تُشير إلى المحتوى الطبيعي الأكبر، ذاك الذي يضمّ عناصر الحياة ومظاهرها المختلفة، من كائنات وبيئات عيش ريفيّة ومدينيّة، ويشدّ أجزاءها ويشبكها في عقد واحدٍ من التفاعلات الحيويّة، واصلًا إيّاها بالأصول والجذور وبما وراء الوقائع المباشرة، أو ربّما تحتها في أعماق الأرض.

والغابة، أكانت في الضنّيّة اللبنانيّة، أو في أيّ مكان آخر على وجه الأرض، تمثّل تجلّيًا كثيفًا لهذا المحتوى الأكبر. فهي أرضيّة التأسيس، وهي النظام الحياتي – البيئي التكامليّ الأوّل الذي بُنيت عليه الأنساق اللّاحقة، بما فيها الأنساق المدينيّة. من هنا، فإنّ استحضار الغابة واستعراض أحوال المساحات الغابيّة وعلاقتها بمحيطها وعلاقة محيطها بها، يتضمّنان مساءلة لمسار التطوّر الحياتي وتحوّلاته في بيئات العيش، سلبًا كان هذا التحوّل أم إيجابًا. كما يتضمّنان مسعًى ديناميكيًّا فكريًّا قادرًا على ملامسة الجذور والأصول والأُسس، واستنطاقها.

وفي الكلام هنا عن الأصول وعن تأسيس ديناميكيّات التواصل، وبمكان ليس ببعيد عن الضنّيّة، إلى الشمال الشرقي عبر نهر العاصي، حيث تنحدر الجبال وتتلاقى الشعاب في المنبسطات والسهوب، كان الحلبي فرنسيس فتح الله مرّاش في أواخر القرن التاسع عشر، استحضر "الغابة" في حلم يوتوبي مُلهم. فالمُثقّف ابن الحاضرة التاريخيّة الأكبر في برّ الشام بعد دمشق، وهو أحد روّاد الانفتاح الثقافي في مدينته، من خلال إتقانه المبكر اللّغة الفرنسيّة، وتأثّره بأفكار عصر الأنوار الأوروبي وبمبادئ الثورة الفرنسيّة، كان في لحظة تاريخيّة ما بين انحلال السلطنة العثمانيّة بعد نحو ثلاثة قرون من النفوذ، وما قبل الانتداب الأوروبي، يحاول عبر كتابه "غابة الحقّ" تأسيس صيغة تفاعليّة بين ثقافة يكتب بلغتها ويلهج بمعارفها، وبين أفكار تسطع من الغرب موحية بحتميّة التجديد وبألق المساواة في الحقوق والمواطنة والحرّيّة.

والمرّاش، الذي استلهمناه في دعوانا لتقديم الاقتراحات الكتابيّة لعدد الغابة (نُشِرت بين أيلول (سبتمبر) وتشرين الأوّل (أوكتوبر) 2013)، يمثّلُ، بحسبنا، تجربة فكريّة عربيّة رائدة في اختراق الحدود الثقافيّة المُكَرَّسة والوصل مع الجذور التأسيسيّة. إذ تمثّل الغابة اليوتوبيّة التي استحضرها في "غابة الحق" فضاءَ تأسيس لنظام مُتعدِّد يُعيد خلطَ العلائق والحدود والمظاهر المتنوّعة، ويدعو إلى إعادة التفكّر بها وتأمّل مساراتها. وهذا في الواقع يطرحُ فعلًا ثقافيًا بات شديد الإلحاح في منطقتنا اليوم. فنحن نعيش في منطقة تُظهرُ دأبًا لا يكلّ في استحضار الجذور والأصول. وهذا الأمر الأخير يزداد بلبلة والتباسًا، وأحيانًا تطرّفًا، على ما نشهد. إذ يكفي ذكر أن توصيف "أصوليّة" مشتقّ أساسًا من "الأصل"، لمعرفة مقدار ورطتنا الثقافيّة وحاجتنا إلى المساءلات الوجوديّة. وفي السياق يبدو الخلل في العلاقة بين إنساننا وكياناته الاجتماعيّة والسياسيّة والمكانيّة والمدينيّة وبين الطبيعة المحيطة وأنماط  العيش، خللًا ضخمًا وجذريًّا. فما حلّ بغابات نخيل البصرة التاريخيّة وبعلاقة البصرة بها، على سبيل المثل، لا يبدو أزمة عابرة وحسب، بل فاجعة كاملة. كما أننا نبدو في الآونة الأخيرة ذاهبين عميقًا في مواصلة فجائعنا، إذ بتنا نشهد منذ سنوات ثلاث، على مدار ساعات النهار، مدنًا وبلدات تُمحى أمام أعيننا وتُسحق سحقًا مع محيطها وأريافها وامتداداتها الطبيعيّة، بدءًا من درعا والرقّة ودير الزور، وصولًا إلى دمشق وغوطتيها، فحلب مدينة المرّاش، وحماه وحمص. وهذا تراقبه منطقة الضنّيّة في شمال لبنان وتطل عليه بأمّ عينها، حتّى إن مدينتها الأقرب، طرابلس الشام، تتفاعل مع ما يجري وتتأثّر فيه على نحو عضويّ، مُشتعلة بين الفينة والأخرى من أطرافها.

التفكّر بالغابة اليوم كموضوعة للعدد الرابع من البوّابة التّاسعة، هدفه التطرّق إلى أسئلة جذريّة تتعلّق  بالأنساق المتشعّبة في العلاقة بين الإنسان ومسكنه المعمَّر، بنيانًا وفكرًا، من جهة، وبين المحيط الطبيعي وما يستحضره من مظاهر تتضمّن معاني الحدود والأطراف والبيئة وغيرها، من جهة أخرى. إنّها أسئلة نحتاج إليها اليوم بلا ريب، ونحن ننظر إلى مدننا ومحيطها القريب والبعيد. ويأتي عددنا هذا مُعبّرًا عن دعوانا الكتابيّة المفتوحة، فيتحرّك على خارطة واسعة تصل منطقتنا وأحوال مظاهرها الغابيّة، ماضيًا وراهنًا وفكرًا وممارسةً، بما يجاريها في مناطق أخرى من العالم ذات حضور مؤثّر في هذا الإطار، كالأمازون، ووسط أفريقيا وشمالها، وصولًا إلى فيتنام في الشرق البعيد. واتّساع خارطة المقاربات ضمن العدد يفيد كثيرًا في عقد المقارنات ومتابعة الظواهر المتعلّقة بالتاريخ البيئي – الإنساني وأسس قيام المدن وتبدّل مساراتها. وهذا يتقاطع إلى حدّ كبير مع ما نراه "تكوينيًّا" و"بنيويًّا" في تناولنا لموضوع المدينة. فكما تجبرنا المدن دائمًا على التفكّر أبعد من وقائعها المباشرة وأبعد من حدودها الإداريّة والقوميّة، كونها فضاءات للتنقّل البشريّ والاستثماريّ والتجاريّ، فإنّ الغابة، كنظام وكمعنًى، تجسّد حالة قصوى في مساعي اختراق الحدود وإعادة مساءلتها، وهي تعود بالمدينة إلى جذرها وإلى مهدها الأوّل. 
لطلب العدد الأوّل من البوابة التاسعة يرجى مراسلتنا على order@portal9journal.org ، مع اسم صاحب العلاقة وعنوانه البريدي ورقم هاتفه، وسيقوم أحد أعضاء فريق عملنا بالإجابة والتعاون.
المعلومات المطلوبة
    


شكراً لإرسال طلبكم للبوابة التاسعة