العدد 4 الغابة، خريف 2014
مرويّات
وادي القف في فلسطين بزمن الارتحال الدينيّ
كانت لفلسطين صورة خاصّة في المخيّلة البريطانيّة، سواء من خلال الوصف الذي ورد لها في الكتاب المقدّس أو لوحات الرحّالة، أو أيّ شكل آخر من أشكال الاتصال الجماهيري التي كانت تصف الأرض المقدّسة على أنّها جنّة خصبة خيّرة. 
عن المؤلّف
يارا سقف الحيط، معمارية وكاتبة فلسطينية تعيش في رام الله، وتعمل كباحثة في المتحف الفلسطينيّ. 
العدد الحالي
الغابة، خريف 2014
المقالات
المراجعات


أطلب الآن
أرشيف
جميع المقالات
جميع المراجعات
أعداد سابقة
السَّاحة
سرد: كتابات عربيّة وروسيّة معاصرة
المتخّيل
1 2 3 4 5 6 

حين تنضح مياه الأمطار متسرّبة من سطح الحجر الكلسيّ، فإنّ دفقها الحمضيّ يتبع قنواتٍ رقيقةً حفرتها أمطار حمضيّة سابقة، فيعمّق المسارب ويجتذب مجاري مستقبليّة. وفي مناطق شبيهة بوادي القف، حيث تطغى الصخور الكلسيّة على طبيعة المنطقة الجيولوجيّة، فإنّ هذه الظاهرة تؤدّي إلى تشكّل مدرّجات وممرّات. وعلى مرّ ملايين السنين، نحتت قطرات المطر الوادي، فطبعت فيها مشهدًا مذهلًا من المغاور والينابيع.

تحيط طبقات طبشوريّة من الصخور الكلسيّة بجانبي الطريق المعبّدة التي تربط مدينة الخليل بقرى جبال محافظة الخليل. وإذ تتعرّج الطريق التي تشهد حركة سير كثيفة عبر التلال الأربع التي تشكّل غابة وادي القف، مثل قناة تخترق الصخور الكلسيّة، تتسلّق المنحدرات قليلة الانحناء في هواء يزداد ثقلًا ورطوبة. بياض الكتل الصخريّة الناصعة يقتم ويختلط بسمرة الصخور، مع الاقتراب من سطح الجرف الكلسيّ المكسو بأحراج من أشجار الصنوبر والسرو، تعبرها نسائم الهواء، ناشرة روائح القصعين والمردقوش.

برت الأمطار سنة بعد سنة حافات الهضاب الصخريّة، قبل أن تنفذ عبرها وتتسرّب، مُشكّلة، قبل أربعين مليون عام، حوضًا من المياه الجوفيّة يقع تحت النقطة التي أقف فيها. حوض المياه الجوفيّة هذا، يختزن ثمانين في المئة من مياه فلسطين الجوفيّة، ويمتدّ تحت سطح ما يعرف اليوم بالضفة الغربيّة. والطبيعة المساميّة للصخور تحت السطحيّة النفاذيّة، تسمح للمياه بأن ترشح من خلال طبقات هذه المساحة من الأرض وتمتدّ بركة شاسعة من تحتها على مداها، في حين أن سطح الأرض أشبه بأرخبيل من الجزر المشرذمة التي يصعب التنقّل في ما بينها. وإن كانت السكينة المخيّمة في الأحراج، توحي بأن وادي القف لم يشهد سوى تعاقب المياه والريح، فضلًا عن بعض عابري السبيل بين الحين والآخر، إلّا أنّ تاريخه، وعلى الأخصّ في السنوات المئة الأخيرة، يكشف أن حركة الجيوش لم تقتصر بلبلة هدوئه بأصداء الجزمات العسكريّة المتردّدة بين تلاله، بل كانت عاملًا لا يقلّ قوّة عن الطبيعة في تشكيل سطحه ورسم تضاريسه.

 

سياسات الخيبة

"ما يميز بصورة خاصة المشهد النموذجي في فلسطين بنظر الأوروبيّين، هو خلوّه المطلق من الأشجار. بالمقارنة مع المساحات الشاسعة من الغابات والأراضي المشجّرة في أوروبا، فإن أحراج فلسطين اليوم تكاد لا تذكر. فالحكومة التركية لم تعتن بالأحراج، والحرب العالميّة قضت بشكل واسع على ما كان متبقّيا منها".

هربرت صموئيل، المندوب السامي البريطاني لفلسطين، في تقريره حول إدارة فلسطين (1925).

 

في سياق فرض سيادتهم على فلسطين، انتقد البريطانيّون الحكم العثماني الذي اتهموه بـ"إهمال" أحراج فلسطين و"تدميرها". ويقال إن السلطات العثمانيّة، أمرت بتجريف عُشر الأشجار المثمرة كإسهام في المجهود الحربي. وقد استُخدم الخشب بمعظمه وقودًا للقطارات التي كانت تقوم برحلات عسكرية. غير أن اختزال إرث الامبراطوريّة العثمانية على صعيد الأحراج بقطع الأشجار أمر غير دقيق. فالعثمانيون هم الذين سنّوا أول القوانين الخاصة بالغابات في المنطقة منذ العام 1870، وكان الهدف الرئيسي منها الحفاظ على الأحراج.

قبل سبع سنوات من صدور تقرير هربرت صموئيل، كانت القوات البريطانيّة تتقدّم في فلسطين، مؤذنة ببداية عهد جديد هو عهد الاستعمار. أرست اتّفاقيّة سايكس بيكو الموقّعة حديثًا العام 1916 بين المملكة المتّحدة وفرنسا وروسيا، تقسيم المحافظات العربيّة التابعة للحكم العثماني (باستثناء مناطق شبه الجزيرة العربية) إلى مناطق نفوذ بريطانيّة وفرنسيّة. وبالتالي وضعت فلسطين تحت الانتداب البريطاني، ما أنهى نحو أربعمئة عام من الحكم العثماني.

كانت لفلسطين صورة خاصّة في المخيّلة البريطانيّة. فكان العسكريّون والمسؤولون الرسميون لديهم إلمام بهذه المنطقة، سواء من خلال الوصف الذي ورد لها في الكتاب المقدّس أو لوحات الرحّالة، أو أيّ شكل آخر من أشكال الاتصال الجماهيري التي كانت تصف الأرض المقدّسة على أنّها جنّة خصبة خيّرة. غير أنّ الواقع أحبط هذه الآمال والتوقّعات، حين وجد البريطانيّون أنفسهم أمام طبيعة فلسطين شبه القاحلة، واضطرّوا إلى التعامل مع صعوباتها ووعورتها. ونلمس إحساسًا بالخيبة في وصف البريطانيين الموجودين على الأرض لمشهد الأراضي الفلسطينيّة، وهو ما تعكسه الرسائل الرسميّة كما يوميّات الجنود، على غرار هذا المقطع من "يوميّات الحصان الأبيض"  Chronicles of the White Horse (1917) لأحد الجنود الخيّالة البريطانيين، وقد جاء فيه:

القدس، المدينة المكلّلة بالذهب

الأرض المباركة باللبن والعسل

أين ولّت وعود اللبن والعسل ؟

يبدو أنّها نزحت إلى الغرب

لم تلبث تلك الخيبة حيال طبيعة فلسطين أن انعكست على سياسة الأحراج المتّبعة، فاعتمد مفهوم الانتداب بصفته وصاية لعصبة الأمم، نهجًا يتّسم بتوجّه أبويّ صريح في التعاطي مع طبيعة فلسطين. ويعبّر خطاب الانتداب البريطاني، وهو ما يظهر جليًّا في تقارير هربرت صموئيل وزملائه، عن شعور بلعب دور المنقذ من الضرر الذي لحق بالبيئة جراء سوء الإدارة العثمانيّة.

اعتبرت سلطات الانتداب حينها أنّ وضع طبيعة فلسطين هو "من فعل الإنسان". فذلك "الخلو المطلق من الأشجار" لم يكن طبيعيّا، ومن الممكن تغييره. رأى البريطانيون أنّه من الممكن إصلاح الدمار الذي اعتبروا أنّ العثمانيين ألحقوه بالمشهد الطبيعي الفلسطيني الموروث عن حقبتهم. فبوسعهم زراعة الأراضي حتّى يتناسب واقع الطبيعة مع تصوّرهم للأرض المقدّسة، المستوحى من الصور التوراتيّة الخصبة.

عملت السلطات البريطانيّة بين 1927 و1947 على تطبيق برامج تشجير، وأقامت ثلاثة مشاتل، ووضعت قوانين للأحراج والغابات. كانت وادي القف من المواقع التي طبقت فيها هذه القوانين، تحت تأثير خطاب الخيبة السياسي.

 في العام 1927، قام مجلس بلدة بيت كاحل المجاورة، باستئجار أرض تقارب مساحتها ستة دونمات (ستة آلاف متر مربع) وفيها ينبوع ماء لإقامة محميّة وادي القف. وأشرف المجلس على بناء خزان للمياه تعذّيه عين وادي القف، إضافة إلى بناء مخزن ومساكن لحرّاس الغابات. وفي السنة ذاتها قامت سلطات الانتداب بتشجير قطعة أرض ملاصقة شاسعة تبلغ مساحتها نحو 280 دونمًا تعرف بشمس شعاب العين.  وتقول روبينا غطاس الباحثة في معهد الأبحاث التطبيقيّة –  القدس، إنّ السلطات زرعت بصورة خاصة أشجار صنوبر وسرو، كما نبتت لاحقًا على نحو طبيعيّ أنواع أخرى من الأشجار كالخروب والبطم والبلوط.

قال لي والدي يومًا إنّ الأشجار القديمة تكون خضرة أوراقها داكنة أكثر من الأشجار الفتيّة، فأجدني منذ طفولتي أحاول وأنا أعبر في السيّارة أحراج فلسطين، أن أتبيّن آثار مرور الزمن على مختلف الأشجار من خلال تدرّج الخضرة وتماوجاتها، وكم هي كثيرة في وادي القف.

كما تمّ تحريج القسم الآخر الشاسع من الغابة المعروف بجبل القبرة والبالغة مساحته 700 دونم، وذلك على مراحل بين 1927 و1960. وتسيطر على المنظر الطبيعي في هذا القسم أشجار السنديان والبطم والمستكة والزعرور، إضافة الى السدر البلدي والجنبات والشجيرات الطبيعيّة مثل القريضة.

وخضعت الضفة الغربية، بما فيها الخليل، في أعقاب النبكة العام 1948 إلى الحكم الأردني. فعلّقت الإدارة الأردنيّة جميع الأنشطة المتعلّقة بالأحراج والغابات لثلاث سنوات، ولم تستأنفها إلّا العام 1951 من خلال تطبيق برامج تحريج وتشجير وإصلاح قوانين زراعة الغابات.

خلال زيارة قمت بها أخيرًا إلى غابة وادي القف، التقيت شابًا من حرّاس الغابات، روى لي، نقلًا عن جدّه، أنّ فرقة من الجيش الأردني قامت في ستّينيّات القرن الماضي بتشجير شريط من أرضه. ولا تزال المنطقة حتى اليوم تعرف بمعسكرات الحسين لأنّ القوات الأردنيّة استخدمت المعسكر للتدريب وإخفاء الأسلحة حين تبيّن أنّ المغاور التي غالبًا ما كانت تستخدم لتخزين العتاد العسكري غير صالحة لهذه الوجهة. وكانت الإدارة الأردنيّة لديها خطط طموحة للأحراج والغابات، بقي العديد منها معلّقًا من دون إتمام، عند هزيمة الأردن في حرب 1967.

ومع انتهاء حرب الستّة أيّام في حزيران 1967، كانت إسرائيل احتلّت الضفّة الغربية بالكامل، ونشرت جنودها على الحدود لحراسة الجبال وموارد المياه من قناة السويس ونهر الأردن، فضلًا عن سلسلة الجبال البركانيّة في مرتفعات الجولان.

وتقع الضفة الغربية في أواسط سلسلة جبليّة تبدأ عند مرتفعات الجولان السورية شمالًا وتفرش سفوحها إلى ما بعد الحدود السياسية والجغرافيّة المفروضة، وتمتدّ حتّى سواحل شمال شرق أفريقيا. ويتراوح ارتفاع قممها ما بين خمسمئة وألف متر فوق سطح البحر. وتتوزّع مدن الضفة الغربية الفلسطينية الست الكبرى، جنين ونابلس ورام الله والقدس وبيت لحم والخليل، على محور شمالي غربي يتبع الخط الذي يربط  بين أحواض تصريف المياه.

وحدّد موقع نقاط استخراج المياه مواقع مختلف المدن والقرى الفلسطينيّة، كما حتّم لاحقًا مواقع المستوطنات الإسرائيلية، وفي الفترة الأخيرة مسار جدار الفصل الذي أقامته إسرائيل في المنطقة.

وفي أعقاب حرب 1967، علّقت سلطات الاحتلال الإسرائيلي في الضفة الغربية كلّ أنشطة الغابات والأحراج الفلسطينية، بما في ذلك إقامة المشاتل والمحميّات، برامج التحريج وتعليم الزراعة. واستأثرت إسرائيل بسلطة تشجير وتحريج الأراضي، مستخدمة هذه الصلاحيات الحصريّة لتخصيص أراض لمستوطنات تعتزم إقامتها مستقبلًا في الضفة الغربية. وتحوّلت أنشطة التشجير إلى وسيلة لمصادرة أراض جديدة، إذ تعتبر الأحراج والمحميات الطبيعيّة بشكل أساسيّ ملكًا للدولة.

ولو سمح للفلسطينييّن بتشجير أراض عارية، لكانوا هدّدوا النزعة التوسّعيّة الاسرائيلية. ويحجم العديد من الفلسطينيين عن زراعة أشجار الصنوبر وغيرها من الأشجار غير المثمرة في أملاكهم الخاصّة، خشية أن تتمّ مصادرتها باعتبارها ملكًا للدولة.

ومن أصل المشاتل الخمسة التي كانت تحويها الضفّة الغربيّة قبل حرب 1967، وحدها وادي القف واصلت العمل، ولو أنّ إنتاجها السنوي تراجع من مئتي ألف شتلة إلى ستّين ألفًا. وفي 1974، أمرت الإدارة الاسرائيليّة بتعليق أنشطته، غير أنّ رئيس بلديّة الخليل اقترح حلّا يقضي بأن تشتري البلديّة وادي القف وتحتفظ بالمسؤولية عن أنشطته. وألغي الأمر بتعليق أنشطته. ومن المرجّح أنّ يكون مردّ ذلك لكون هذه المنطقة تحديدًا، لم تكن تعتبر ذات أهميّة استراتيجيّة بالنسبة لخطط الحكومة الاسرائيليّة للمستقبل.

ونظرا لتعليق إسرائيل أنشطة التشتيل، سجّلت الحقبة ما بين 1971 و1999 تدهورًا كبيرًا في أحراج الضفة الغربية، حيث دمّر 23 في المئة منها. ونتج هذا التدمير بالمقام الأوّل عن بناء المستوطنات الإسرائيليّة، وبقدر أقلّ عن قيام الفلسطينيين بقطع الحطب وعن خصخصة بعض أقسام المحميّات. وعملت السلطة الفلسطينية التي أقيمت عام 1994 على تطبيق مشاريع وخُطط خاصة بالغابات والأحراج، غير أنّ نتائجها بقيت محدودة بسبب القيود التي تحدّ من سيادة السلطة الفلسطينية على الأراضي والموارد، فضلًا عن قلّة التمويل. وبالرغم من ذلك، أنجزت إعادة تأهيل مشتل وادي القف بعد خمس سنوات فقط من إطلاق السلطة الفلسطينية مبادراتها الخاصّة بالأحراج والغابات، وازداد إنتاجها السنوي للشتول ليصل إلى 250 ألف شتلة.

 

الغابات

"إنّ العمل على تشكيل المنظر الطبيعي يسعى إلى محو واقع نشأته الاجتماعيّة نفسه، ليجعل منظرَ ما يبدو أنّه طبيعيّ لا يحمل أثر الأيدي البشريّة. ومن هذه الزاوية، يكون المنظر عملًا ومحوًا لهذا العمل في آن. والمحو بحدّ ذاته هو شكل من أشكال الهيمنة".

دون ميتشل، "كذبة الأرض" The Lie of the Land (2006).

إنّ مختلف مراحل حياة وادي القف تعكس حقبات تاريخ المنظر الطبيعي الفلسطيني وحدود الأراضي الفلسطينيّة. فالعمل التطوّعي المرتبط على نحو شائع بالأحراج، تداخل مع قسوة السياسات، واكتسبت الغابات قيمة رمزيّة تخطّت كونها موردًا وطنيًّا أو طبيعيًّا. ومع المسار الذي سلكه التاريخ، استخدمت الغابات والأحراج، كما مجموعة متنوّعة من سياسات زراعة الأحراج والغابات، من أجل العودة بالزمن إلى الماضي. فسياسات التحريج البريطانيّة كانت غايتها إزالة الضرر الذي كان يعتقد أنّ الحكم العثماني ألحقه بالأراضي، ولاحقًا طبّق الصندوق الوطني اليهودي Jewish National Fund  برامج تشجير وتحريج لحجب بقايا القرى الفلسطينية التي دمّرت عام 1948 وطمس إيّ أثر لوجودها.

قانون الأحراج والغابات الذي فرضته سلطة الانتداب البريطاني، وباشرت وزارة الزراعة التابعة لحكومة الانتداب تطبيقه العام 1920، وضع في فترة كانت حدود فلسطين في طور التعديل والتبلور. بدأت سلطة الانتداب بتنفيذ مشاريع لتخطيط الأراضي، تهدف إلى ترسيم حدود قطع الأراضي وتحديد ملكيّتها. ففي ظل القانون العثماني، كان يتم تخطيط حدود الأملاك على نحو تقريبيّ، وغالبًا ما كان يرد هذا التخطيط في بيان خطيّ يصف علامات ماديّة تحدّد الأرض مثل شجرة أو منزل أو طريق أو سواها. وكان الكوشان، وهو صكّ الملكيّة العثماني، يتوقّف على المعرفة المحليّة بالموقع المعنيّ، وكان هناك حسّ قويّ بالملكيّة الجماعيّة. أرادت سلطات الانتداب أن تعلن ملكيّة الدولة على الأراضي من خلال تخطيط حدودها بدقّة، ومن الآليّات المتّبعة لنقل الأراضي إلى ملكيّة الدولة تصنيفها مناطق أحراج مغلقة أو إعلانها مناطق عسكريّة مغلقة أو مناطق أمنيّة عازلة.

كان قانون الغابات والأحراج يهدف في الأساس إلى حماية أشجار ذات أهميّة اقتصاديّة مثل أشجار الزيتون، وتخصيص أراض تحسّبًا لإقامة مناطق حرجيّة حكوميّة، إنشاء وحدات للحفاظ على البيئة، ومعالجة النقص في الوقود. وفي 1926 أدخل على القانون تعديل ينصّ على أنّ أيّ أرض غير مصنّفة رسميًا ملكيّة خاصّة يمكن إعلانها محميّة طبيعيّة، ما سمح بتصنيف أي قطعة من الأرض، سواء كانت مشجرة أم لا، في فئة الغابات المحميّة. سلطات الانتداب نفسها أقرّت بالالتباس في هذا التعديل، حيث ورد على سبيل المثال في "مسح فلسطين" (1946)، التقرير الذي أعدّته حكومة الانتداب إلى اللجنة الخاصة للأمم المتحدة بشأن فلسطين (UNSCOP):

"قد يكون هناك مجال للالتباس ما بين إعلان منطقة غابة محميّة وإعلانها منطقة حرجيّة مغلقة (..) بين الحين والآخر تعلن غابة محميّة معيّنة، أو جزء منها، منطقة حرجيّة مغلقة. وبناء على ذلك، يحظر الدخول إلى الأرض وإصدار تراخيص للتحطيب فيها أو استخدام مراعيها للمواشي (..) تعتزم الوزارة تطوير بعض المناطق لتصبح غابات إنتاج، وبالتالي تنمية غابات عالية وكثيفة بقدر ما تستطيع، لإمداد الجوار بالخشب والحطب والفحم. كما يتمّ إغلاق مناطق أخرى لتطوير نباتاتها بهدف الحصول على تربة من أجل جعل الأرض صالحة لإقامة مدرّجات زراعيّة وتطوير الزراعة فيها (..) وبالتالي فإنّ إغلاق غابة يكون وسيلة لتطويرها بشكل نشط".

غير أنّ هذه الفقرة المتعلّقة بالقانون لا تتطرّق إلى مسألة الملكيّة. على سبيل المثال، قامت مصلحة الغابات بمصادرة حوالى خمسة آلاف دونم من مناطق الغابات المغلقة في منطقة بلد الشيخ قرب حيفا عام 1936 بهدف تطوير مشاريع إسكان، سعيًا إلى التخفيف من اكتظاظ المنطقة بالعمّال الموسميين في تلك الفترة. وبتعبير آخر، فإن إعلان أرض منطقة حرجيّة مغلقة، كان بمثابة إعلانها ملكًا للدولة. وتابع واضعو "مسح فلسطين":

إنّ نظام حجز الأراضي، حقق مليًّا الغايات المرجوّة منه... فهناك قرب طبريا والناصرة وحيفا، العديد من أملاك الدولة المسجّلة حديثثًا في حدود الغابات المحميّة السابقة تمامًا، في حين أنّ جميع الأراضي الواقعة خارج هذه الحدود، يحتلّها أشخاص يدّعون ملكيّتها وهي مسجّلة اليوم بأسمائهم. وبالتالي، فإن عمليات حجز الأراضي أثبتت جدواها على صعيد الملكيّة.

إن قطع الأراضي المعزولة أو جزر أملاك الدولة الشاسعة التي تعود إلى فترة الانتداب - مع التعديلات التي أجريت عليها لاحقًا – هي التي شكلت قاعدة لخارطة فلسطين اليوم، إذ عمدت حكومة الاحتلال الاسرائيليّة إلى تبنّيها مع تعديلها وتوسيعها. وقام الصندوق الوطني اليهودي منذ تأسيسه العام 1901 بهدف تطوير أراض للمستوطنات الاسرائيلية، بزراعة أكثر من 240 مليون شجرة في جميع أنحاء فلسطين المحتلّة. والأهمّ أنّ هذه الغابات التي زرعها الصندوق أقيمت في مواقع نحو 53 قرية فلسطينيّة مدمّرة، في عمليّة أشبه بالعودة في الزمن.

 

فراغات في المنظر الطبيعي

إنّ حدود فلسطين الخارجيّة كما الداخليّة، تحت الأرض كما فوقها، ليست ثابتة على الإطلاق، أو حتّى أحاديّة البعد، بل هناك جزر من السيادة تتبعثر، تتداخل وتتقاطع على مستويات مختلفة، في عمق الأرض، على سطحها وفي الجوّ.

على مسافة لا تزيد عن بضعة أمتار من الحدود الشمالية لوادي القف، ثمّة مقلع للحجارة. هناك تم اقتلاع قسم من التلّة التي يظهر فيها تجويف فاغر محاطً بأحجار مربّعة مقتطعة حديثًا، تتوهّج بياضًا في الشمس. وفي حين تذكّر الغابة ببقايا منظر طبيعي إلى انحسار في فلسطين المعاصرة، فإن المقلع المجاور يبقى نموذجًا لمنظر يزداد شيوعًا.

إنّ قوانين التخطيط العمراني المطبّقة حاليًّا في الأراضي الفلسطينيّة هي مزيج يضمّ بقايا من تنظيمات التخطيط العثمانية والبريطانيّة والأردنيّة. وهي تفرض استخراج الحجارة لجميع ورش البناء ضمن حدود التقسيمات البلديّة. وتشكّل مقالع الحجارة راهنًا القسم الأكبر من قطاع النشاط الصناعي الفلسطيني، مع وصول عدد المقالع الإجمالي في الضفة الغربيّة وقطاع غزّة إلى نحو ألف، تشتري إسرائيل نصف إنتاجها. ويعمل العديد من هذه المقالع، إن لم يكن معظمها، داخل المنطقة سي، الواقعة تحت السيطرة الكاملة للحكومة الاسرائيلية، وحيث لا تمنح تراخيص بناء للفلسطينيين. وبما أنّه ليس من الممكن في هذه المناطق البناء على سطح الأرض، يسعى المواطنون إلى استغلال أراضيهم من خلال حفرها. وهو ما عبّر عنه عامل في أحد مقالع الخليل، إذ قال لي يومًا "الحجر هو النفط الأبيض. ليس لدينا نفط، لكنّ الله أنعم علينا بالجبال".

لم يعد وادي القف صامتًا وهادئًا، بل هو يضجّ اليوم بأصوات المطارق وآلات الحفر، فتتردّد أصداؤها عبر التلال المجاورة، وبعضها يواصل امتصاص مياه الأمطار وتخزينها، أمطار تصقل الصخور وتعيد رسمها عبر القرون، فيما بعضها الآخر تفتّته الكسّارات وينتهي كساء لواجهات المباني.

ترجمة دانييل صالح 
لطلب العدد الأوّل من البوابة التاسعة يرجى مراسلتنا على order@portal9journal.org ، مع اسم صاحب العلاقة وعنوانه البريدي ورقم هاتفه، وسيقوم أحد أعضاء فريق عملنا بالإجابة والتعاون.
المعلومات المطلوبة
    


شكراً لإرسال طلبكم للبوابة التاسعة