العدد 4 الغابة، خريف 2014
خُطط
غابات المنفى
في كتابه الخارج عن النهج التقليدي لأدب اليوميّات، يبدّل فاروق يوسف ملامح المدينة حين يراقبها من خلال الغابة. وهو يدعونا إلى مراجعة التصنيفات التي نقيمها لفهم الجماعة، وربّما حتّى إلى تجديد نظرتنا إليها من خلال منفى يزعزع ثوابتنا. 
عن المؤلّف
يوهانا سلمان، أمينة مكتبة جامعية وأستاذة مساعدة في جامعة أوهايو ستايت حيث تكتب في الأدب العربي المعاصر والهجرة. 
العدد الحالي
الغابة، خريف 2014
المقالات
المراجعات


أطلب الآن
أرشيف
جميع المقالات
جميع المراجعات
أعداد سابقة
السَّاحة
سرد: كتابات عربيّة وروسيّة معاصرة
المتخّيل
1 2 3 4 

ماذا لو لم تعد المدينة المسرح الأوليّ لأدب الهجرة والمنفى العربيّ؟ يخوض الشاعر والناقد التشكيلي العراقي فاروق يوسف هذه المغامرة في يوميّاته الصادرة عام 2007 بعنوان "لا شيء لا أحد: يوميّات في الشمال الأوروبي"[1]. في هذا الكتاب الخارج عن النهج التقليدي لأدب اليوميّات كما نعرفه، يسرد الكاتب وقائع هجرته من العراق إلى السويد عام 2003، في مطلع عمليّة وائل اجتياح العراق. إن كان "لا شيء لا أحد" صنّف في فئة أدب اليوميّات، إلّا أنّه يتخطى نسق هذا النوع وحدوده التقليديّة ليعتمد التنوّع في شكله ومواضيعه ومقاربته لكتابة السيرة الذاتيّة. وأساليب يوسف الكتابيّة المتنوّعة التي تتضمّن، إلى اليوميّات، السرد الوصفي والشعر التجريبي، تعرِّف بمجملها عن الغابة على أنّها تقع في مساحة ما بين الطغيان على الذاتيّة الفرديّة والمساحات المدينيّة المشتركة، وإعادة تحديدها. يلجأ الانسان إلى الغابة بحثًا عن العزاء في الابتعاد عن المدينة وإعادة ابتكار نفسه في الطبيعة.

فاز "لا شيء لا أحد" بجائزة ابن بطّوطة للأدب الجغرافي عام 2006 عن فئة اليوميّات، قبل صدوره عام 2007. وبتقديمها هذه الجائزة التي تمنحها دار السويدي، اختارت لجنة التحكيم أن تكافئ ذلك التداخل الإبداعي ما بين الذات والجغرافيا، ردًّا على صدمة مزدوجة، صدمة الرحيل وصدمة الوصول.

"يوميّات كتبت في السويد، تعكس الداخل الإنساني الهارب من صقيع المنفى الأوروبي، وجهنّم مسقط الرأس معًا، إلى عالم الذات في اتّساق الخارج مع الداخل"[2].

وكما لفتت لجنة التحكيم، من أكثر ما يطبع القارئ في كيفيّة تناول اليوميّات موضوع الهجرة سردًا وشعرًا، هو قدرتها المذهلة على المزج ما بين عالم الراوي الداخلي العاطفي، والمشاهد الطبيعية والغابات المحيطة ببلدة هولتسفريد في محافظة سمالاند السويديّة. فكرة طرح الكاتب كنقطة تقاطع بين الداخل والخارج تتجلّى منذ المشهد الأوّل الذي يفتتح اليوميّات، حيث يتأمّل الراوي المشهد الجديد المحيط به، باعثًا في نفسه شعورًا بالضياع، فيستبطنه ليجعله أليفًا.

"أنا وحيد ومنفيّ وغريب. أمّا البلاد التي انتهيت إليها فهي عبارة عن جزر طافية في البحر. لو نظرت إليها من الجوّ لرأيتها أشبه بالمتاهة. الأمر الذي يشعرني بالراحة والاطمئنان، ذلك لأنّني أنظر إليها كما لو كانت مرآة لروحي"[3].

تتّخذ الغابة في اليوميّات بعدًا طاغيًا وحميمًا في آن، فتغزو مساحات المدينة وتتغلغل في حالات الراوي النفسيّة. وإن كانت الغابات في يوميّات يوسف تهدّد بالتهام مساحات المدينة المشيّدة داخل فضائها واستئصالها، إلّا أنّها تتجلّى كقوّة تبعث الانسجام والاتّساق. فبعدما تبدو للراوي في بادئ الأمر أشبه بمتاهة موحشة، تتّخذ منحى حميمًا مواسيًا مطمئنًا حين يلجأ إليها للتخفيف من معاناة المهاجر والمنفيّ في بيئة غريبة لا يألفها. بالطبع، العزاء الذي يجده الراوي في ذلك التفاعل بين الخارج والداخل لا يتأتّى عن أي استقرار قد يكون اكتسبه حديثًا، بل يبقى الراوي "وحيدًا ومنفيًّا وغريبًا". وعزلته كأنّما تتأمّله من خلال مشهد الغابات والبحيرات الصامتة. والانتقال أو التناوب المتواصل طوال اليوميّات ما بين حالة الراوي النفسيّة والمشاهد الطبيعيّة المحيطة به لا يولّد إحساسًا بالتجذّر، بل يخلق باستمرار مساحات من الاحتمالات يمكن من خلالها إعادة تقييم الهجرة والرحيل.

كلمة "غابة" مشتقّة من المصدر "غيب" الذي تشتقّ منه أيضًا كلمات ترتبط بالشكّ والكتمان والحجب. من هذه المشتقّات، "الغيب" أي ما غاب عن العيون، وغاب بمعنى رحل أو استتر، والمرأة "المُغِيبَة" التي غاب زوجها. وعلى نحو مماثل، فإنّ كلمة "غابة" توحي بمساحة مكسوة بأشجار وارفة كثّة تحجب البشر والأشياء. في "لا شيء لا أحد"،  يتصوّر يوسف الغابة مساحةً قادرة على إبرائه من صدمته لأنّها تحجب الذكريات الأليمة المسبّبة لها، إن لم تكن تمحوها. وبذلك، تكون الغابة ملاذًا مغلقًا منزّهًا لا تتحكّم فيه النزاعات السياسيّة ولا مناورات رسم الحدود ولا جهود ضبط الأمن والنظام في "أوروبا الحصينة ".

قد يكون "لا شيء لا أحد" كتاب يوميّات، إلّا أنّ حميميّة التجارب التي يسردها مختلفة كلّ الاختلاف عمّا يصفه الناقد الأدبي فيليب لوجون بـ"ميثاق سيرة ذاتيّة" يرسي الترابط بين الكاتب والراوي ويكرّس صدقه. يقول يوسف في مقدّمة يوميّاته إنّ كتابته هي بوح بتجربة روحيّة عاشها في ظروف شاقّة[4].  وفي كتاب يوميّات صدر لاحقًا عام 2008 بعنوان "مائدة من هواء"[5]، يستشهد الكاتب في معرض الكلام عن السيرة الذاتيّة بالمقولة الإيطالية "الترجمة خيانة" عن عدم قابليّة نصّ ما للترجمة، ما يضع المترجم في موقع الخائن للّغة والنصّ الأصل. وإن كان القرّاء يتوقّعون من كتاب يوميّات أن يكون مرآة وفيّة لأحداث حياة، فهو يقول بأنّه إنّما يكتب عن "رجل واحد، رجل يشبهني، أراه يتتبّع خطواتي في الغابة مثل شبح"[6]. علاقة التماثل والتقمّص هذه هي التي تحدّد العلاقة بين الكاتب والراوي في "لا شيء لا أحد". لذلك يشير هذا المقال إلى صوت المتكلّم في هذا العمل الأدبي على أنّه الراوي وليس المؤلّف.

كتب يوسف "لا شيء لا أحد" في المراحل الأولى من اجتياح العراق عام 2003 وخلال الأشهر العشرة الأولى من إقامته في السويد. اجتياح العراق وبيئة السويد كانا ظرفين مستجدّين بالنسبة له وفي طور التطوّر. وإحساس الضياع الناتج عن كِلا الظرفين ينسبغ على اليوميّات، كما على تأمّلات المؤلّف في الغابة بصفتها ملاذًا حاضنًا. تعرض المقدّمة مقاربة للجماليّة والصدمة تطغى على باقي الكتاب. لا ينقل يوسف تقريرًا دقيقًا بتسلسل الوقائع التي جعلته يهاجر إلى سمالاند، بل يتقصّى الوطأة العاطفيّة لهذه التجارب من خلال سرد يستند إلى الحدس والافتراضات، يظهر كيف أنّ اللحظات التي نكون فيها عرضة على نحوٍ قويّ للعنف والموت لا تستنهض قدرتنا على تمييز الجمال فحسب، بل تزيد حاجتنا إليه حدّة. يقول الكاتب لاحقًا أن مصادفة الجمال تولّد خسارة ثانية حين ننفصل عنه. الكتابة وغيرها من الأعمال الإبداعيّة يمكن أن تكون ردًّا على الصدمة الأصليّة، فيما تسعى لاستعادة ذلك الإحساس الحادّ بمخالطة الجمال. لقاء يوسف بالجمال المطلق، وخصوصًا في أعماق غابات السويد، يحرّك لديه فعل إبداع أدبيّ يمكن أن يمنحه الوسيلة للتعامل مع ذاكرة الصدمة. وبالتالي، فإنّ مقاربته للغابة ولجمال الطبيعة هي وليدة بيئة من الصدمة والهجرة. يطرح الكاتب فكرة أنّه إن حمل الواحد إحساسه بالفقدان والغياب إلى أعماق الغابة، فقد يجد طرقًا للشفاء غير متوافرة في أيّة وسيلة أخرى. وفي هذا السياق، فإنّ اليوميّات واستحضارها الشاعريّ للغابة، يعكسان تمسّكًا بتلك المساحات التي تُغَيّب الذاكرة على أمل أن تصبح واحات من الشفاء والتحوّل.

من المفيد في ظلّ المزيج غير الاعتيادي من الأساليب النثريّة والشعريّة المتداخلة في "لا شيء لا أحد"، أن نصف بناء الكتاب ومحتواه. فالقسم الأوّل منه "نصّ اليوميّات"، وهو أطول الأقسام الأربعة، يتألّف من عدّة مداخل يوميّة نثريّة غير مؤرّخة، يبدأ معظمها بقصيدة قصيرة. تلك المداخل لا تشبه على الإطلاق توثيقًا لأنشطة يوميّة أو لتسلسل أحداث واضح، بل ينتظم كلّ منها حول ثيمة معيّنة مستوحاة من تجارب الراوي ومعايشته للغابات والبحيرات المحيطة بهولتسفريد. فذلك التبدّل المفاجئ والتامّ في محيطه الجغرافي يدفع الراوي إلى التأمّل أيضًا في مشاهد طبيعيّة أخرى شكّلت خلفيّة لمسار هجرته الذي حمله عبر العراق ومصر، وحتّى في مشاهد طبيعيّة أخرى لم يعرفها سوى في مخيّلته من خلال الأدب والفنّ. وبالرغم من أنّ المداخل اليوميّة في هذا القسم الأوّل لا تحمل تاريخًا ولا عنوانًا، إلّا أنّ كلاً منها تركّز على ثيمة محدّدة. ومن هذه الثيمات اللجوء إلى الطبيعة، المدن والذاكرة، الغابة التي تطغى على المدينة، وأحاديث مع فنّانين تشكيليّين عراقيّين في المنفى. القسمان التاليان، وإن كانا بمعظمهما على شكل قصائد قصيرة، أقرب إلى المداخل اليوميّة وهما مؤرّخان وبحسب تسلسل زمنيّ. يغطّي أوّل هذين القسمين الفترة الممتدّة من التاسع من آذار (مارس) إلى الخامس والعشرين من نيسان (أبريل) 2003، بينما يمتدّ القسم الثاني من 12 كانون الأوّل (ديسمبر) إلى 18 شباط (فبراير) 2004. أمّا القسم الثالث، فهو مجموعة شعريّة، قصائدها تحمل عناوين مثل "موسيقى الوحشة" و"خرائط العزلة" و"النسيان"، لتشكّل في غالب الأحيان امتدادًا لمواضيع تناولتها أقسام سابقة من الكتاب. والعديد من هذه القصائد مُهدى إلى كتّاب وفنّانين عرب آخرين مقيمين في أوروبا. تجربة القراءة غير المترابطة هذه ما بين النثر الشعريّ والشعر ومداخل اليوميّات، حيث المشاهد الطبيعيّة هي التعبير الخارجي الذي تتجلّى فيه حالات نفسيّة داخليّة، تلك التجربة هي من العناصر المكوّنة للجماليّة التي تطبع الكتاب برمّته.

وبالرغم من أنّ "لا شيء لا أحد" لا يتبع في شكله أنماطًا اعتياديّة، فهو يستعيد إحدى الخصائص الجوهريّة لأدب الرحلات، وهي تقصّي العلاقة ما بين الفرد ومحيطه الجديد. فاليوميّات تعرض تأمّلات في الغابات والطبيعة المحيطة ببلدة هولتسفريد الصغيرة، من منظار فرد مهاجر. وفيما يستفيض الراوي في ثيمات الصمت والفرص والانفتاح داخل تجارب جماليّة، يبقى التركيز غالبًا على موضوع الفرد "الطريد" ( سواء في انسلاخه عن الله[7]، عن المدينة، أو المجموعة)، أو على وشك أن يطرد. وفي سياق إمعانها في الغربة والمنفى في زمن النزاعات السياسيّة والحروب، تتحوّل اليوميّات مع توسيع نطاق تأمّلاتها لتشمل الغابة وحتّى المدينة، إلى وسيلة لتقبّل وضع الطريد، والبحث في آن عن وسيلة لتخطّيه الخروج منه ضمن التجارب الجماليّة.  وتقاطع الغابة مع الذات في اليوميّات يشكّل بحدّ ذاته اختبارًا للاغتراب والعزلة خارج المجموعة البشريّة.

 

كتابة الهجرة من خلال الغابة

"لا شيء لا أحد" هو من بين عدد من النصوص الأدبيّة العربيّة الصادرة في العقدين الماضيين (روايات ومجموعات قصصيّة ومجموعات شعريّة) التي تتناول مختلف مراحل الهجرة كالرحلة والوصول وأحيانًا العودة أو الترحيل، بوصفها مواجهة مع البراري أو المشاهد الطبيعيّة كالغابات والحقول الموحشة المكسوة بالثلج والمحيطات الخطيرة. وفي هذا النوع الكتابي، حتّى مساحات المدينة يمكن أن تتّخذ ملامح برارٍ مُخيفة[8]. تلك المحاولات الأدبيّة المتكرّرة لتخيّل العالم خارج المجتمع البشري، إنّما هي على أكثر من صعيد امتداد وإعادة صياغة للتساؤلات حول الانتماء والإقصاء التي تقع في جوهر أدب الهجرة والمنفى. والبريّة في العديد من هذه الأعمال الأدبيّة، توحي بالإقصاء و"دولة الاستثناء"[9] المنبثقة عن سياسات التشدّد لتحصين الحدود وفرض النظام داخل البلاد بهدف ضبط الهجرة. وخلافًا للمدن وغيرها من المساحات المأهولة التي يسهل التعريف عنها بحدودها، فإن المساحات الأقل رضوخًا للرقابة يمكن أن تشكّل تربة خصبة لإعادة تصوّر المجموعة وإعادة ابتكار معاني الهجرة.

وصف الغابة وغيرها من المساحات البريّة في "لا شيء لا أحد" يمدّ جذوره في محيط الهجرة الخاصّ بيوسف. يبقى أنّ الخطاب حول البريّة  في محطّات مختلفة من التاريخ وفي ظروف ثقافيّة مغايرة، لطالما نزع للعودة إلى فكرة البريّة كمساحة طبيعية أو (لا) أخلاقيّة  لم يمسّها البشر بعد أو "غير موبوءة تمامًا بعد" بهم[10]. إلى تحديد البريّة كمساحة خارجة عن نطاق التعايش بين البشر، فإنّ مفهوم البريّة كما يتصوّره العديدون يصطبغ في الوقت نفسه بالخوف والشوق والتوق إلى تناغم مفقود وآمال بالتحوّل والتغيير. تتقصّى لورا فيلدت في كتابها Wilderness in Mythology and Religion (البريّة في الميثولوجيا والديانة) البريّةَ وتسبر ذلك الانقسام الجليّ ما بين البريّة والمساحات الآهلة. وفيما تمثّل البريّة في معظم الأحيان في المخيّلة فضاءً يتخطّى تصنيفات البشر أو المجتمع، فهي تستدعي تقصّيًا إنسانيّا منسّقًا لمعرفة كيف تتشكّل صورة البريّة في المخيّلة في ظروف محدّدة ولماذا[11].

ليس من المفاجئ أن تولّد رمزيّة البريّة بصفتها وسيلة لسبر ثنائيّة المساحات المأهولة وغير المأهولة، فسحة تتصارع فيها الذاكرة مع النسيان على خلفيّة من الصدمة والهجرة. يقدّم الكاتب العراقي الألماني عباس خضر مثالًا أدبيًّا لافتًا على ذلك في روايته "Der falsche Inder" (الهنديّ الزائف) الصادرة عام 2010. يفتتح الكاتب روايته ويختتمها بمشهد يطرح فيه الراوي فعل سرد قصّة هجرته كوسيلة للتصدّي لوحشة تهدّد بالطغيان على نفسيّته، فيكتب:

"خاويًا، مثل صحراء لامتناهية، جبال عارية أو مياه صافية. غامضًا أيضًا، مثل غابة بعد عبور عاصفة عنيفة. وتساؤلاتي، صاخبة وهادئة في آن، تتردّد أصداؤها بدون أن أتفوّه بها.

يستمر هذا الشعور بضع دقائق – أم تراه استمرّ أكثر؟ ليست هذه أولّ مرّة أشعر فيها بمثل هذا الضياع. مضت سنوات وهذا الشعور يراودني. أخشى أحيانًا أن يأتي يوم لا أعود أجد فيه طريقي للخروج من ذلك. من هذا الجنون. هذه الصحراء في رأسي[12].

بالنسبة للراوي في هذا الكتاب[13]، فإنّ القدرة على تحويل سلسلة من الأحداث، وفي هذه الحالة بالذات سلسلة من الرحلات كمهاجر غير شرعي بين العراق وليبيا وتركيا واليونان وألمانيا، إلى سلسلة من الروايات ذات خط سردي مرن، إنّما هي وسيلة للبقاء. فالكتابة أداة لتفادي فقدان الذاكرة والبقاء بمنأى عن ذلك الخواء الملازم للصحارى أو الغابات. ذلك الفعل الإبداعي القاضي باستذكار الهجرة - حيث تكون الذكرى مرادفة لاعادة تصوّر الهجرة وسردها بطريقة جديدة - يبدو بمثابة سلاح في وجه الخوف من أن يحبط النسيان مسبقًا أيّ سرد مستقبليّ لهذه التجربة.

يبدأ "لا شيء لا أحد" على غرار "الهنديّ الزائف" بذلك الموضوع الدائم الحضور الذي يربط الكتابة والسرد بالبقاء. "بالدخان أخطّ رسومًا متخيّلة على صفحة السماء. رسومًا تؤكّد أنّني ما زلت حيًّا"[14]. لكن خلافًا للعمليّة السرديّة في "الهنديّ الزائف" حيث ينبغي إبقاء البريّة على مسافة من خلال عمليّة كتابة وإعادة كتابة قصّة هجرة غير شرعيّة، فإن الراوي في "لا شيء لا أحد" يعتنق البريّة باعتبارها فضاء يمكنه أن يحدّد فيه وسائل البقاء الخاصّة به من خلال أشكال من النسيان يجد فيها خلاصه. وبالتالي، فإنّ الرهان في "لا شيء لا أحد" ليس بقاء الراوي وتخطّيه الحرب والهجرة، بقدر ما هو التعامل مع الوطأة النفسيّة لمثل هذه الصدمات.

تسعى اليوميّات كما يوحي به عنوانها "لا شيء لا أحد"، إلى تلك المساحات البيضاء المشرعة، مساحات من الخلاء والوحشة. والبريّة، فضلًا عن كونها فسحة من الهامشيّة والنسيان، غالبًا ما تكون فضاء متحوّلًا غير ثابت، يزخر بإمكانات التحوّل، ويسمح بتقصّي الذات والصدمة وحتّى الاستقبال في بلد المهجر. وبدل أن يسعى لإنتاج سرد يبقي البريّة منفصلة عن حالته وظروفه، يعمد يوسف في "لا شيء لا أحد" إلى بناء الغابة كفسحة تطيّب الجراح من خلال محو الذكريات واللغة وفكرة المجموعة نفسها.

يبحث الراوي في الغابة عن تجربة اندثار الذات. يشبّه نزهاته في الغابة برحلة تعرّف إلى لغة جديدة تقدّم سبل كينونتها ووجودها الخاصة. لغة الغابة تعاكس لغة المجموعة وتداخل الذاتيّات. وإن كانت ثقافة الغابة توصف في نصّ من كلمات، إلّا أن ولوج الغابة هو الذهاب لملاقاة نصّ بدون دالّات محدّدة بشكل واضح، وهو ما يشير إليه الراوي لاحقًا بعبارة "النصّ المفتوح"[15]. هكذا يسعى الراوي من خلال سلسلة من الخطوات النصيّة التي تزعزع شكل الكتاب بوصفه يوميّات، إلى إيجاد لغة تفكّك الذاتيّة بدل أن ترمّمها. هذه الأشكال من اندثار الذات من خلال النسيان والمحو تقود إلى تصوّر يوسف للغابة.

"إنّ الطبيعة لا تقول، إنّها تفعل. وما تفعله الطبيعة يتعذّر التعبير عنه إلّا عن طريق لغتها. وهي لغة غامضة. يستشعرها الحطّابون والرعاة والصيّادون وبدرجة أقلّ الشعراء. نوع من الشعراء فقط. ذلك لأنّها لغة لا تقولها الكلمات. وإن قالتها فبطريقة الإشارة الحييّة والإيماء الموحي والإيجاز المركّز الذي لا يقبل الثرثرة وينأى عن الاستطراد. ولذلك فهي لغة للحذف لا للإضافة، للوحشة لا للألفة. لغة لا تريد أن تستولي على الأشياء بقدر ما تحملها، ذاهبة إلى دهشتها وغرابتها. في كلّ جولة جديدة بين دروب الغابة أشعر أنني أزداد معرفة بأبجديّة هذه اللغة العصيّة بمزاجها الصامت"[16].

في تباين لافت مع ظروف الهجرة والنزوح الجماعي التي كُتبت اليوميّات على خلفيّتها، فإن الغابة في "لا شيء لا أحد" تقدّم سكونًا مطلقًا غير مشروط لكلّ من يلجها. "ليس هناك من يمتلك الحقّ في طرده وإقصائه بعيدًا عنها"[17]. وذلك الغياب لأي سلطة بشريّة تحكم الغابة، غياب يُرَقّى إلى مصاف مثالي،  سرعان ما يجد ترجمة له في خارطة حاضنة فائقة الحنوّ. يقول الراوي متأمّلًا في الغابة "الطبيعة أمّ. ما من طبيعة طاردة. بل إنّ من يطرق باب الطبيعة يجد نفسه عاجزًا عن إحصاء الأبواب التي تفتح أمامه"[18]. ذلك السخاء غير المشروط يولّد إحساسًا بفضاء متفلّت من أي حدود، في تباين صارخ مع تجارب الهجرة وأمن الحدود، تجارب ملازمة للنزاعات السياسيّة والحروب.

لدى قراءة "لا شيء لا أحد" تتراءى مفاهيم متداخلة ومتبارية للطبيعة والبريّة. قدرة الغابة على الشفاء بصورة خاصّة تنسجم مع صيغة منزّهة للطبيعة البشريّة منحت إلى الانسان الفرد، في تباين مع التضادّ الملازم للمجموعات البشريّة. العزلة والوحشة اللتان تحملهما الطبيعة هما الوسيلة التي تسمح للإنسان بالإفلات من النزاعات التي تندلع في المدن. يقول الراوي عن سخاء الطبيعة:

"يذكّرنا بما في الحياة من قدرة كامنة على الانسجام. الأمر الذي يكاد يكون منسيًا وسط ضراوة الخلافات التي يجد فيها الإنسان فرصته لاستعادة توحشه وإسرافه في تبخيس ذاته. وكما يبدو فإنّ للطبيعة أجنحة تجعلها قادرة على التحليق بعيدًا عن تعاسة وشقاء رؤى جحيمنا الأرضي"[19].

                                         

والغوص في أعماق الطبيعة الموحشة يمكن أن يتصدّى لـ"الوحشية" الجامحة الكامنة في البشر، أقلّه على مستوًى نفسيّ. وفيما تعطى الأولويّة للغابة على المدينة، يكتسب الفرد بالموازاة الأفضليّة على المجموعة.

"لا شيء لا أحد" يبني على الموقع الذي تحتلّه سمالاند في المخيّلة الجماعيّة السويديّة، ويبتعد عنه في آن. غالبًا ما تم التغنّي بطبيعة سمالاند الرومنطيقيّة وبشاعريتها التي تكتنف حياة رعويّة مفقودة. كتب الناقد الثقافي غوران هاغ أنّ الأعمال الأدبيّة السويديّة التي تحدّثت في الأربعينيّات عن يوتوبيا رعويّة مفقودة كانت ترتبط بشكل وثيق بمشروع بناء دولة رعاية وطنية شاملة[20]. تلك الأعمال المفعمة بالحنين تغاضت عن تاريخ من الفقر والعوز والهجرة عرفته السويد في الحقبتين ما قبل الصناعيّة والصناعيّة. ثمّ في أواسط القرن التاسع عشر، نزح قسم كبير من مواطني السويد هربًا من الفقر والجوع والاضطهاد الديني، وانتقلوا للإقامة في الولايات المتحدة. يتطرّق راوي "لا شيء لا أحد" إلى هذا التاريخ[21]، مشيرًا إلى أنّ المنطقة التي رحلت عنها أعداد من السكان، أضحت الآن ملاذًا للمهاجرين القادمين من نواحٍ أخرى من العالم. ومثلما باتت سمالاند في الكثير من الخطابات السويديّة حول الهويّة الوطنية، مرادف فضاء هانئ هادئ لماض متخيّل، بالطريقة ذاتها يبتكر "لا شيء لا أحد" قصّة مغايرة غير أليفة لهذه المنطقة.

 

المدن في وجه قوّة الطبيعة

إنّ توصيف يوسف للغابة يتطلّب التأمّل بإمعان في المدينة كنقيض يبرز مواصفات الطبيعة. فالمراكز الحضريّة في محيط الراوي والمدن المنبثقة من مخيّلته وذاكرته، تستمدّ وجودها على غرار الغابة من خلال علاقتها وترابطها مع الذات. لكن في خلاف المساحات الطبيعيّة الحاضنة للجميع، يشرح الراوي كيف أنّ المدن وظيفتها التدمير والمحو، سواء ماديًّا أو في ذاكراتنا[22].

تبقى المدن عابرة، إلى زوال في دورة التاريخ وتقلباته، لكن ماذا عن علاقتنا بها؟  يتأمّل الراوي في المدن باعتبارها "محطّات" في رحلة الحياة، ويصف انتقاله من الجنوب إلى الشمال برحلة من "هرجيسا الاستوائيّة إلى هولتس فريد في القطب الشمالي". وهذه الصفة الزائلة العابرة تنسبغ حتّى على تلك اللقاءات الفرديّة مع مساحات حضريّة. يجد أنّ المدن التي عبرها تضمحلّ وتزول من ذاكرته. المدن التي تلازمنا هي تلك التي يبقى "غبارها" عالقًا على حذائنا وحقائبنا وروحنا، وليس تلك التي نحاول عمدًا الحفاظ على ذكراها[23]. "هناك مدن ملساء، لا يترك المرور بها أيّ أثر يذكّر بها، وهناك في المقابل مدن تضجّ بها روح العابر ويمتلئ جسده بشظاياها"[24]. تجربة المدن تلك التي نعيشها في أحشائنا تتعارض مع اللقاءات الروحيّة مع الغابة التي تتردّد وتتواتر على مدى اليوميّات.

ومع أنّ اليوميّات تخوض في أشكال مختلفة من التعبير الشعريّ، إلّا أنّها لا تنحى مرّة بصورة محدّدة وخاصّة إلى ذلك الخطّ المميّز من الحداثة الشعريّة الذي يصوّر المدينة على أنّها مساحة من العزلة الفرديّة والجماعيّة. في بعض الأحيان يبدو اعتناق "لا شيء لا أحد" للغابة ومشاعر الراوي المتناقضة حيال المدينة، وكأنها  تستلهم أعمال شعراء أمثال أدونيس ومحمود درويش ونازك الملائكة، حيث تحتلّ المدينة موقعًا محوريًّا وتجسّد بحدّ ذاتها العزلة ومصاعب الحياة العصريّة[25]. غير أنّ الناقد الأدبي يئير حوري يرى أنّ المدينة هي موقع يوحي لهؤلاء الشعراء بـ"الازدواجيّة"، فهي تمثّل بنظرهم مكانًا تلتقي فيه القسوة بالفرص[26]. يقول حوري إنّ ذلك التعارض ما بين الوحشة والإمكانات يقود إلى تصوّر مختلف للإبداع والتحوّل. مواجهة المدينة بكلّ تناقضاتها تصبح فرصة لرؤية العالم وابتكاره من جديد. "لا شيء لا أحد" يشاطر هذه المشاعر المتناقضة حيال المدينة كمكان يولّد القسوة والإقصاء. غير أنّ تشديد اليوميّات على الطابع المنقرض للمدن واتحادها بالغابة كبديل للمساحات الحضريّة يؤلّد ديناميكيّة مغايرة تمامًا.

يشدّد يوسف على أنّ المدن هي "صناعة خيال" وهي بالتالي فعل من الأدب والفن[27]. ويستحضر في هذا السياق مجموعة من الكتّاب تركّزت كتاباتهم على إعادة ابتكار المدن الكامنة في ذكرياتهم. يذكر يوسف منهم الروائي الإيطالي إيتالو كالفينو ومجموعته "مدن لامرئيّة" (1972)، وقصائد الشاعر اليوناني قسطنطين كافافي عن الاسكندريّة حيث ولد، و"رباعيّة الاسكندريّة" Alexandria Quartet للروائي لورانس دوريل (1957-1960)، فيصف كيف يمكن للمدن أن تسكن مخيّلتنا وتترك بصماتها على نفسيّتنا. والمدينة بنظر يوسف تحمل خلافًا للطبيعة تهديدًا متواصلًا بالإقصاء والنفي. يكتب "كلّ مدينة إذن هي أخرى مثل حياتها التي لا تقود أبناءها  الضالّين إليها دائمًا، بل قد تكون أحيانًا سببًا مباشرًا في نفورهم. أليست هناك مدن طاردة؟"[28] في سياق الهجرة إلى السويد، سياق أقلّ اختلاطًا ثقافيًّا غير أنّه لا يقلّ عالميّة، تكون الطبيعة في ذهن يوسف علاجًا لجميع أصناف الإسراف في المدن ونزوعها إلى طرد سكّانها قسرًا.

خلافًا للمفهوم السائد بأنّ التمدّد الحضري يشكّل تهديدًا للغابات وغيرها من المساحات الطبيعيّة، يطرح "لا شيء لا أحد" الطبيعة ككيان يطغى على المدينة ويهدّدها. وفي مشهد جرى في حزيران (يونيو) وتنقله اليوميّات، يتأمّل الراوي سكّان مدينته يتوارون في "أماكن مجهولة". يصف اختفاء سكّان المدينة وزحف الطبيعة البطيء الهادئ على وسط المدينة كفعل محو[29]. يشبّه وسط المدينة المهجور الخالي من إشارات الحياة التي كانت تملأه، بالأطلال.

"هي الآن أشبه بالأطلال. لا أقصد الخرائب التي كان الشاعر العربي القديم يكتب قصائده أمامها بلوعة لأنّها تذكّره بمن سكنه من قبل. أطلال اليوم لا تزال صالحة للسكنى والتجوّل غير أنّ غياب الانسان يعيدها إلى هيئتها الأولى: إيماء لحياة محتملة"[30].

قد تكون الطبيعة تظهر وكأنها تطغى على المدينة، إلّا أنّ تهديدها يبدو حميدًا، لا بل ناجعًا. وإن كان النصّ يتضمّن اجترارًا متواصلًا حول ثنائيّة الغابة والمدينة، فهو يقلب الهرميّة المتوقّعة بهذا الصدد، ليجعل من الغابة القطب ذو الأرجحيّة. "لا شيء لا أحد" يطرح فكرة أنّ زحف الغابة على المدينة، أو بالأحرى إعادة تصويب هذه العلاقة بين المدينة والغابة، علاقة أكثر تكاملًا، يمكن أن يولّد مساحة يطيب فيها العيش أكثر.

 

يوميّات هجرة

يقول الراوي في "لا شيء لا أحد" أنّ منفاه هو نتيجة قرار شخصيّ. لكن بالرغم من إقراره بنزوحه الطوعيّ ومن تصوير يوميّات الهجرة على أنّها صراع متوحّد، إلّا أنّ حركة نزوح جماعيّ تطبع السرد. عند صدور "لا شيء لا أحد" عام 2007، كانت أزمة اللاجئين العراقيين في أشدّها. وأثار النزوح الجماعيّ للعراقيّين في تلك الفترة جدلًا دوليًّا حول "تقاسم الأعباء" في مشكلة تصدّرت اهتمامات العالم. تابعت وسائل الإعلام الأوروبيّة باهتمام النقاش العام حول البلدان التي يفترض أن تتحمّل مسؤوليّة استضافة النازحين الذين أرغموا على الرحيل بسبب اجتياح العراق عام 2003 والحرب الدامية التي تلته. وعند صدور "لا شيء لا أحد"، كان هذا الجدل محتدمًا، فيما سياسات استقبال اللاجئين في أوروبا في طور التعديل والإصلاح. طالب الاتحاد الأوروبي حينها بتوحيد سياسات الهجرة واللجوء في جميع دوله. وكان المفروض نظريًّا (ولو أنّ ذلك لم يطبّق عمليًّا أبدًا) منح اللجوء بناء على المعايير ذاتها في جميع أنحاء الاتحاد الأوروبي. غير أنّ ما حصل كان أشبه بسباق نحو المزيد من التشدّد، حيث بات النازحون يجدون صعوبة متزايدة في إيجاد ملجأ في أي من الدول الأعضاء. وقامت حكومتا السويد وألمانيا بصورة خاصة في تلك الفترة بالحدّ على نحوٍ صارم من عدد  المهاجرين الذين يحصلون على اللجوء، بعدما تبنّى البلدان من قبل سياسات هجرة أكثر انفتاحًا[31]. وفي الحالتين، فإنّ تنسيق سياسات الاتّحاد الأوروبي انعكس تشديدًا لسياسة الهجرة. يقول الباحث في مسألة الهجرة بيو هانسن أن ّ القيادة في البلدين سارعت إلى التصدّي للانطباع السائد والصحيح عمومًا، بأنّ سياستهما في مجال اللجوء كانت سخيّة نسبيًّا[32].

لا تتطرّق اليوميّات على نحوٍ صريح إلى ظروف النزوح الجماعي والهجرة، لكنّ كتابتها نفسها مطبوعة بهذه الظروف. فمكانة الغابة في "لا شيء لا أحد" بوصفها مساحة تحتفي بالجميع يمكن للمرء أن يختلي فيها بعيدًا عن وسائل الاتّصال المشتركة أو عن المجموعة، هذه المكانة تقوم على المخاوف المتواترة حيال المساحات التي تقصي وتنفي.  وفي هذه الحالة، ارتبطت هذه المخاوف بالمدينة وبفكرة المجموعة. التجارب المتوحّدة التي يصفها الراوي في الغابة ليست منفصلة عن السياق الأوسع، سياق الهجرة وأمن الحدود والحرب. تجوال الراوي مرّة بعد مرّة في الغابة بحثًا عن فناء الذات، ودعاؤه من أجل أن تطغى الغابة على ذاتيّته وعلى وجود المدينة نفسه، ذلك ينبغي فهمه بالارتباط مع ظروف الحرب والهجرة الداهمة وتردّد أصدائها في النص.

كيف نفهم الأفضليّة التي تعطيها اليوميّات للغابة على المدينة في ظروف الهجرة هذه؟ ما يعني أن ندعو الغابة إلى إعادة تشكيل اللغة، الذاتيّة، والمدينة؟ إزاء يوميّات تدعو في طرح خارج عن الأسلوب التقليدي، إلى إعادة صياغة الذات من خلال الامّحاء وإعادة ابتكار إمكانيّة اللجوء إلى الغابة، يجدر بنا أن نسأل عمّا هناك خلف كتابة مثل هذا الردّ المباشر على الصدمة؟ وكما يكتب يوسف نفسه في مقدّمة الكتاب، لا يمكن للغابة أن تعد سوى بالنسيان[33]. هل أنّ ذلك مجرّد هروب من الواقع، وَهْم ينكر على نحوٍ مؤقّت السياق التاريخيّ الذي كتبت فيه اليوميّات؟ ربّما ينبغي الأخذ بفكرة أنّ غابة "لا شيء لا أحد"، غابة الصمت والملاذ والاحتمال، يتصوّرها الراوي كمساحة وسطى رقيقة في مسار التحوّل الذاتي. وبالرغم من أن النصّ يتعامل مع ظروف آنيّة صادمة، إلّا أنّ ذلك التقصّي المتواصل للطبيعة بحثًا عن نقطة الصفر التي يمكن أن تنبثق عنها أنماط كيانات جديدة، يعتبر شكلًا من إعادة ابتكار الذات. يمكن قراءة اليوميّات، كونها أول مجموعة من النصوص يكتبها يوسف عن المنفى والشتات[34]، كبحث عن بذور التحوّل التي يمكن أن ترسّخ كتابته في فضاء جديد، حتّى لو أنّ السفر والهجرة حصلا في ظروف مروعة.

يقدّم "لا شيء لا أحد" إعادة صياغة مذهلة لمفاهيم الانتماء والإقصاء. وهو، على أكثر من صعيد، نصٌ من نتاج زمنه، مطبوع بالصعوبات التي تواكب الهجرة العالمية. ومن "مفارقات العولمة" أن انتقال الرساميل والمعلومات غدا متحرّرًا من معوّقات الحدود والحواجز، فيما الدول تسعى لضبط وكبت انتقال الاشخاص عبر هذه الحدود ذاتها. وفي وقت تُولِّد فيه العولمة انماطًا جديدة من الانتماء والإقصاء، نجد "لا شيء لا أحد" يتلاعب بالتصنيفات الأساسيّة التي نستخدمها لإدراك هذه المفاهيم، ويحوّلها. تتبدّل ملامح المدينة عبر رؤيتها من خلال عدسة الغابة، فتصبح مكان انتماء متحوّل متقلّب. وإذ يقلب ثنائيّة الغابة مقابل المدينة ويعقّدها، يدعونا "لا شيء لا أحد" إلى مراجعة التصنيفات التي نقيمها لفهم المجموعة، أو ربّما حتّى تجديد نظرتنا إليها من خلال منفى يزعزع ثوابتنا.

 

ترجمة دانييل صالح



[1]  "لا شيء لا أحد: يوميّات في الشمال الأوروبي"، فاروق يوسف (العراق)، صدر عن المؤسّسة العربيّة للدراسات والنشر، بيروت، عام 2007.

[2]  يوسف، "لا شيء لا أحد"، 7.

[3]  يوسف، "لا شيء لا أحد"، 21.      

[4]  يوسف، "لا شيء لا أحد"، 17.

[5]  فاروق يوسف، "مائدة من هواء، يوميّات وتأمّلات في المنفى" عن دار أمل للنشر والتوزيع، صفاقس 2008.

[6]  فاروق يوسف، "مائدة من هواء"، 10.

[7]  يوسف، "لا شيء لا أحد"، 49.

[8]  العودة على سبيل المثال إلى كتاب Cannibales (أكلة لحوم البشر) للكاتب ماهي بينبين عن دار فايار Fayard باريس، 1999. و"هواء قليل" لجنان جاسم حلاوي، عن دار الآداب للنشر والتوزيع، بيروت 2009، و"حشيش" ليوسف فاضل عن دار الفنك، الدار البيضاء 2000. ورواية “Cockroach” (الصوصور) لراوي الحاج، عن دار W. W. Norton، نيويورك 2009. و"بعد مجيء الطير، قصص المنفى" لأحمد ابراهيم، عن دار صحارى، بودابست 1994.

[9]  Giorgio Agamben, State of Exception, University of Chicago Press, Chicago, 2005

[10]  Laura Feldt, “Wilderness in Mythology and Religion: Approaching Religious Spaciatilites, Cosmologies, and Ideas of Wild Nature”, ed. Laura Feldt (Boston, Walter De Gruyter, 2013): 7

[11]  Feldt, “Wilerness in Mythology and Religion”, 1

[12]  Abbas Khider, “The Village Indian”, trans. Donald McLaughlin, Seagull Books, New York 2013. 1.

[13]  تتضمن الرواية تعقيدًا لفكرة الراوي، إذ سرعان ما تجد الشخصيّة التي تبدأ بسرد القصة مجموعة من الروايات المختلفة لـ"قصتها" أثناء قيامها برحلة في حافلة.

[14]  يوسف، "لا شيء لا أحد"، 21.

[15]  يوسف، "لا شيء لا أحد"، 32.

[16]  يوسف، "لا شيء لا أحد"، 26.

[17]  يوسف، "لا شيء لا أحد"، 22.

[18]  يوسف، "لا شيء لا أحد"، 42.

[19]  يوسف، "لا شيء لا أحد"، 42.

[20]  Göran Hägg, “Svensk historia 1945-1986: Välfärdsåren, Stockholm, Wahlström & Widstrand, 2005.

[21]  يوسف، "لا شيء لا أحد"، 63.

[22]  يوسف، "لا شيء لا أحد"، 29.

[23]  يوسف، "لا شيء لا أحد"، 30.

[24]  يوسف، "لا شيء لا أحد"، 30.

[25]  Yair Huri, “Seeking Glory in the Dunghills: Representations of the City in the Writings of Modern Arab Poets”, Archiv Orientálni 73 (2005): 186; and Hala Khamis Nassar, “Exile and the City: The Arab City in the Writing of Mahmoud Darwish”, in Mahmoud Darwish: Exile’s Poet, ed. Hala Khamis Nassar and Najat Rahman (Northampton: Olive Branch Press, 2008): 194.

 

[26]  Huri, “Seeking Glory in the Dunghills”, 186.

[27]  يوسف، "لا شيء لا أحد"، 31.

[28]  يوسف، "لا شيء لا أحد"، 31.

[29]  يوسف، "لا شيء لا أحد"، 74.

[30]  يوسف، "لا شيء لا أحد"، 74.

[31]  شهد مطلع التسعينيّات انتقال عدد متزايد من العراقيين وبينهم الكثير من الكتّاب للعيش في السويد. وهاجر فاروق يوسف في الفترة التي سبقت مباشرة حرب العراق، فيما وصل آخرون إلى السويد هربًا من الوضع السياسي المضطرب والعقوبات الاقتصادية المفروضة على العراق، وقد أغلقت دول الكتلة الشرقيّة أبواب اللجوء أمام العراقيين المنتمين إلى الحزب الشيوعي العراقي.

[32]  Peo Hansen, “Post-national Europe without Cosmopolitan Guarantees”, Race and Class 50 (2009): 25.

[33]  يوسف، "لا شيء لا أحد"، 18.

[34]  من كتبه اللاحقة "لاجئ تتبعه بلاد تختفي" (2007)، كتاب عن الشتات العراقي، و"مائدة من هواء: يوميّات وتأمّلات في المنفى"، ويركز هذا الكتاب الأخير على غرار "لا شيء لا أحد" على تفاعل الراوي مع السويد. وفي العام 2011 صدر له كتاب بعنوان "فاكهة صامتة"، يمعن في المنفى والحنين من خلال تجسيد العراق في امرأة يحنّ إليها المنفي. كما صدر له "فردوس نائم" في السنة ذاتها. 
لطلب العدد الأوّل من البوابة التاسعة يرجى مراسلتنا على order@portal9journal.org ، مع اسم صاحب العلاقة وعنوانه البريدي ورقم هاتفه، وسيقوم أحد أعضاء فريق عملنا بالإجابة والتعاون.
المعلومات المطلوبة
    


شكراً لإرسال طلبكم للبوابة التاسعة