العدد 4 الغابة، خريف 2014
أرقام
أمكنة الطيور في بيروت

لا يتوفّر الهدوء في بيروت إلّا في أماكن نادرة. وتتعالى إذ ذاك، في تلك الأمكنة، أصوات الطيور وينسحب النشاز المدينيّ قليلًا. هذا التحقيق في أمكنة الطيور البيروتيّة، الذي أعددناه للبوّابة التّاسعة، حفّزته نزهةٌ في أفياء شجرة فيكوس مُعمّرة. وتعبير "أمكنة الطيور"، أو "بيردسكايب" في الإنكليزيّة، نستخدمه للدلالة على المناطق والفسحات الموجودة والتي تقطنها الطيور، وأيضًا إلماحًا إلى المرويّات الشعبيّة عن الطيور، واشتقاق هذه المرويّات وتداخلها مع حكاية المكان التاريخيّة.

وثّق علماء الطيور المحلّيّون، النادرون في بيروت، الأنواع الموجودة، ووضعوها ضمن أصناف عدّة بحسب علاقتها بالمكان، أكانت طيورًا مقيمة أم متنقّلة، وفاقًا لوجهات سفر تُؤثِرُها.

تُشكّل مظاهر التوسّع في النسيج العمراني منذ ستينيات القرن التاسع عشر، وانحسار البساتين وضمور المساحات الغابيّة والعشبيّة، واختفاء الحدائق والزراعة المدينيّة، أسبابًا ساهمت في القضاء على الثروة الحيوانيّة والنباتيّة في بيروت. إلّا أن الطيور استطاعت التكيّف مع التحوّلات، فوجدت ملاذات لها في ما تبقّى من حدائق، أكانت هذه الأخيرة أملاكًا عامّة أم خاصّة، أم ملكيّات مؤسساتيّة.

تُظهر القراءة في أحوال المساحات الخضراء البيروتيّة حالات أرضيّة متنوّعة، من ضمنها جيوبٌ طبيعيّة كمنطقة الدالية، وبعض المقابر وأملاك الأوقاف الدينيّة، والأحرام الجامعيّة، وبعض أمكنة البنى التحتيّة المهجورة التي باتت موئلًا للنبت، كحال خطّ السكّة القديم. ويمكن إضافة بعض الأنظمة البيئيّة المتضرّرة، مثل نهر بيروت، إلى تلك المساحات الطبيعيّة، إذ إنّ مجرى النهر بقي، على الرغم من تلوّث مياهه، معبرًا رئيسًا للطيور المهاجرة.

وقد صُنّف حرم الجامعة الأميركيّة في بيروت ملاذًا للطيور، حيث يقطن في أرجائه الخضراء المتوسّطيّة أكثر من 27 نوعًا منها. أمّا في منطقة وسط بيروت، فتمّ اعتماد خطّة لإعادة جذب الطيور بعد الحرب، من خلال بناء أعشاش وتوزيعها على الأشجار، واختيار الغطاء النباتيّ الأخضر الملائم.

وعادت ذوات الأجنحة أيضًا إلى حرج الصنوبر، الذي كان احترق في مطلع الثمانينيات. وتساهم صنوبرات الحرج، التي تنمو ببطء بعد إعادة غرسها، في إحياء شيءٍ من مظاهر الحياة البرّيّة في قلب المدينة.

ولأنّها واسعة الحيلة وحاذقة في التكيّف، تقطن الطيور الأبنية المهجورة، والعنابر المتروكة، هذه الأخيرة التي غدت بفعل التلاقح الطبيعي للنبت بؤر حياة برّيّة خضراء صغيرة.

وتساهم الطيور في تحريك الأفق المدينيّ، أكان ذلك بريشها متعدّد الألوان، أم أحادي اللون، أم في خفقات أجنحتها وتحليقها، كما في هنيهات سكونها. وهي تأتلف مع أشياء المدينة وعناصرها، كأن تحطّ على أعمدة الإنارة وتتأرجح على أسلاك الكهرباء وتسعى خلف فتات الخبز وبقع الماء كي ترتوي وتبترد.

على أن تراخي قوانين الصيد، بالتوازي مع حرائق الأحراج وعمليات التحطيب والإسراف في استخدام السماد الكيماوي، إضافة إلى نضوب المصادر المائيّة ومظاهر القحط والتمدّد العمراني العشوائي، ساهمت في إحلال تهديد جدّي لجميع أنواع الطيور ولملاذاتها. لهذا ثمّة أمرٌ بات ملحًّا اليوم في بيروت، وهو أن يُوسّع تصنيف الحماية الذي يُبقي منطقة عمّيق، موقع المياه الحلوة المستنقعي الأخير في لبنان، وبعض المحميات الأخرى، بمنأى عن التخريب، فيشمل هذا التصنيف ملاذًا طبيعيًّا أخيرًا على الساحل البيروتي مهدَّدًا بالتطوير العقاري، وهو ميناء الدالية في منطقة الروشة.

ثمّة رؤية لتنويعة من المساحات الخضراء قابلة للتحقّق في بيروت، ويتشارك فيها مخططون مدينيّون ومهندسو مشهد طبيعيّ وعلماء بيئة. وتضمّ هذه التنويعة فسحات مشاع غير مبنيّة، وسطوح أبنية، وبقعًا ناجية على طول الساحل البحريّ، ونهرًا يمكن إعادة إحيائه، ومسارًا يستحضر ذكرى أمكنة صناعيّة حول خطّ سكّة الحديد البائدة. مع خلق المزيد من الفسحات الطبيعيّة المفتوحة والعامّة، يمكن للحياة البريّة في المدينة أن تعود وتتفتّح. ويمكن بذلك خلق ملاذات للطيور ومراصد لمشاهدتها، لا تُغني الحياة الحيوانيّة والنباتيّة وحسب، بل المدينة وجميع قاطنيها الذين، يومًا إثر يوم، تلحّ حاجتهم للهواء والهدوء.

 

ترجمة فادي طفيلي  
لطلب العدد الأوّل من البوابة التاسعة يرجى مراسلتنا على order@portal9journal.org ، مع اسم صاحب العلاقة وعنوانه البريدي ورقم هاتفه، وسيقوم أحد أعضاء فريق عملنا بالإجابة والتعاون.
المعلومات المطلوبة
    


شكراً لإرسال طلبكم للبوابة التاسعة