العدد 1 المتخّيل، خريف 2012
كتابات
بلا أمل ... الجنود أشدّ بأسًا
تسير نحو النهر مدركاً أن المدينة شرعت في لعبة جديدة. النهر كبير، رائق وبارد، وأنت تستشعر بخار أنفاسك على وجهك. تشعر بالجوع والخواء. تمشي بمحاذاة النهر نحو سي وسه پل. دعائم الجسر الحجريّة مسترخية على ظلالها فوق المياه، وعبر صفّ قناطر الطوب الثلاث والثلاثين تتراءى لك السماء ملبّدة بالغيوم
عن المؤلّف

-          حاتم إمام، مصمّم وفنّان لبناني يعيش في بيروت.

العدد الحالي
الغابة، خريف 2014
المقالات
المراجعات


أطلب الآن
أرشيف
جميع المقالات
جميع المراجعات
أعداد سابقة
السَّاحة
سرد: كتابات عربيّة وروسيّة معاصرة
المتخّيل

أوّل مرّة اجتزت فيها مسار الجسر السفلي، كنت في عمر السادسة عشرة. راقك تخيّل متاهة أروقة الطوب المعمّدة كمثل بوّابة عبر الزمن، وكلّما اجتزت رواقاً منها إلى آخر تغدو شخصاً مختلفاً. سبعة عشر عاماً مرّت على ذلك اليوم، والأمر لم يعد غريباً إذ غدوت الآن ذاك الشخص المختلف. تعبث بعلبة السجائر الفارغة في أسفل جيب معطفك، مفكّراً بصور ذلك الرجل الآخر، الصور التي رأيتها هذا الصباح على جدار غرفة النوم المليئة بالضياء. نافورة الماء وسط النهر ما زالت تعمل، وما زال عمود المياه الأبيض يهبط متقوّساً بالرياح. وما زال هواك التفكير بأن متاهة القناطر فوق الماء ليست سوى منافذ، وأنّك عابر هذي النوافذ. الذكريات التائهة ستدور في رأسك، ستتبدّل الصور والوجوه وسيغدو الناس الذين عرفتهم من قبل أناساً آخرين.

في عمر السادسة عشرة، كانت الرحلة في الحافلة إلى مدينة لم تشاهدها قبلاً تبدو كمثل مغامرة آسرة. تنظر من نافذة الحافلة، الجبال المخدّدة حول المدينة متوهّجة تحت شمس الشتاء. لك ما تؤمن به من أفكار حول الحياة. في حقيبة القماش المقوّى المعلّقة بكتفك رواية لآرثر س كلارك، تروي حكاية الأرض، وقد قبضت عليها مخلوقات من الفضاء الخارجي، وفيها أيضاً مجموعة قصائد لمهدي أخوان ثالث، الذي تبوح أشعاره بذاك اليأس البشري العميق. تغمرك الغبطة إذ تدخل الحافلة أصفهان. لا تكفّ عن القول لنفسك إن التفاؤل في الحياة ممكن فقط، عندما لا تثقل نفسك بالأمل. هذا هو فحوى قصائد أخوان. مجموعته الشعريّة في حقيبتك مذ كنت في الصفّ الثامن. مجدّداً تفكّر بمطرة وبانفصالكما الأخير الأسبوع الماضي على ضفّة بحيرة اصطناعيّة في متنزه پارک شهر. عدم إحساس أيّ منكما بحافز البكاء ولو للحظة واحدة، بدا قاسياً. لقد أضفت الآن إلى مجموعة الأفكار التي تؤمن بها، إيماناً جديداً مفاده أن الحب يشبه جبل الجليد، الاصطدام به بعد تصدّعه وطوفه فوق مياه المحيط قد يغرق سفينة كبيرة، لكنّه فيما بعد سينكمش إلى أقصى حدّ، ويمكن إذّاك وضعه على راحة اليد ومشاهدته إلى أن يختفي.

تغادر الحافلة ويلفحك هواء بارد منعش. تتوجّه إلى موقف سيارات الأجرة. يبهجك التمايز عمّن هم مثلك بعمر السادسة عشرة، وذلك بالسفر وحيداً والهرب دفعة واحدة من مرارة الانفصال، وبمعرفتك أسرار العالم. تستقل سيارة الأجرة وتطلب النزول عند سي وسه پل. تصل في الوقت المناسب. آخر ما تبقّى من أشعة الشمس، كان متوهّجاً على جدران الجسر العالية، وانعكاسات القناطر القرمزيّة على صفحة النهر الدهري تتبدّد بألوانها في الظلام المنتشر تحتها. تعلّق حقيبتك في كتفك وتمضي نحو الظلال تحت الجسر. حين تعبر في أسفل القنطرة الأولى، تدرك لأوّل مرّة أن بوسع المدن ملاعبة البشر. في الجهة الأخرى من القنطرة كانت هناك فتاة واقفة عند قاعدة إحدى الدعائم، تنظر إلى المياه المتدفّقة من نور الغسق السماوي نحو ظلّ الجسر. كانت واقفة في المكان عينه الذي أردت التوجّه إليه والوقوف فيه. لإحدى فردتي حذائها القطني رباط برتقالي اللون، وللفردة الأخرى رباط أزرق فاتح. ترفع رأسها وتنظر إليك. ثمّ تعاود التحديق في المياه القاتمة تحت ساقيها وتقول:

-هل تعتقد أنّ من الممكن عبور المياه؟

على الفور تنزل أنت في النهر. دفق المياه سريع وبارد. تحاول البقاء ثابتاً على الحجارة الناعمة الزلِقة تحتك. كانت الفتاة تنظر إليك مذهولة. عيناها رماديتان بارقتان، أو هكذا بدتا في الغسق. حين بلغتَ الجهة الأخرى للقنطرة أدركت أن جبل جليدٍ تصدّع في المحيط وقد راح ينجرف...

يدك تداعب علبة السجائر الفارغة في أسفل جيب معطفك، وتفكّر في صور ذلك الرجل الآخر الذي غرق قبل سنوات ثلاث عند منتصف الليل. في الرمل الداكن يومض خطّ طويل من الأصداف تحت ضوء القمر. يخطو الرجل فوق الأصداف بقدميه العاريتين ويمضي ببطء نحو البحر...

تلقي علبة السجائر الفارغة في سلّة المهملات، وتقف قرب دعائم الجسر الحجريّة. في المساحة العميقة وسط النهر، تجتمع طيور البطّ المتجلّدة في كتلة بيضاء واحدة. أجسام غامضة وسط الضباب الشفيف، تتحرّك بين الأشجار المتباعدة على الضفّة الأخرى. لقد تسنّى لك الوقت الكافي على مدى السنوات السبع عشرة الماضيّة، كي تكتشف أسراراً جديدة عن العالم. قد يكون الحبّ فعلاً مثل جبل جليد، لكن حتّى لو لم يكن يطفو في غير عقلك، فسيبقى قادراً على إغراق سفينة حقيقيّة بعد وقت طويل. تجلس على أحد المقاعد المعدنيّة قرب ممرّ الجسر الحجري وتطلب حساء كثيفاً ساخناً. بعد الوقت الذي قضيته في تلك الشقّة الصغيرة المطلّة على النهر بستائرها البرتقاليّة اللون، أنت خاو من الداخل. تحتاج إلى ما يدفئك. الحرارة انخفضت والضباب بين وقت وآخر يحجب نصف الجسر كما الضفّة الأخرى.

عندما انتبهت هذا الصباح أنّ ثمّة من يلحق بك، كان الهواء أكثر نقاء. قبل أن يبدأ مطعم الفندق بتقديم الفطور، خرجت لجولة في شوارع المدينة مع سكون الصباح. المتاجر حول ساحة نقش جهان كانت في تلك الأثناء تفتح أبوابها. الساحة مغمورة بالضياء واتّساعها يُشعر بالدوار. في الأفق من الجهة الأخرى للساحة، تتوهّج قبّة مسجد شاه ومآذنه تحت ضوء الشمس الشاحب. تمرّر يدك على انحناءة في إحدى البوابات ملامساً الطوب الذي حدّبه الزمن وسوّده طوال قرون. على طول الطريق المخصصة للمشاة في الساحة، تمضي عابراً قرب العربات الأنيقة التي تجرّها الخيول الملوية رقابها تحت شمس الشتاء. تُخرج من جيب معطفك علبة السجائر نصف الممتلئة وتبحث عن الولاعة في الجيب الآخر. الحياة كانت تتحرّك ببطء في ساحة نقش جهان، حين أدركت أن ثمّة من يمضي في إثرك. تنظر خلفك. امرأة شابة تدير رأسها بسرعة وتتظاهر بالنظر إلى واجهة متجر للتحف. تتوقّف بدورك وتنظر إلى الأواني والمزهريات المزخرفة في واجهة متجر آخر. المرأة لا تتحرّك. تعاود أنت المسير وهي تتبعك. أمامك كانت الشمس ساطعة عبر الغيوم وعلى الأعمدة السوداء للرواق المعمّد الطويل في قصر عالي قاپوالجاثم بمواجهتك فوق خط الرؤية. تتوقّف وتلقي نظرة سريعة خلفك. كانت عينا المرأة لا تزالان تحدّقان بك. عيناها لم تشبها العينين الرماديتين قبل سبعة عشر عاماً. لكنّ على كل حال، فإنّها لم تكن هي تلك الفتاة ذات الوجه الذي لا تراه إلاّ في اللحظات الأخيرة قبل الغروب، الفتاة صاحبة رباطيّ الحذاء المختلفين. لا زلت تذكر بوضوح كيف كانت السماء تظلم على نحو من السرعة. كنت واقفاً قبالتها وكانت أصابع قدميك تزداد خدراً تحت المياه. قلت:?-هل تودّين العبور معاً هكذا تحت الجسر؟

ضحكت الفتاة وبلهفة أخذت يدك. تتحرّكان عبر الممر السفلي المقبّب ذي الأعمدة الأربعة، نحو الممرّ الذي يليه. ثمّ إلى الممرّ الآخر والذي يليه. المياه الباردة تغمر ثيابكما متجاوزة ركبتيكما. تخبرها أن بناء الجسر بهذا العلوّ كان فكرة غايتها تخفيض ضغط المياه على الدعائم، وتخبرها أيضاً أنّه خلال عبورك الممرات المقبّبة يستهويك تخيّل نفسك شخصاً جديداً في كلّ ممر. ضحكت الفتاة وشدّت أكثر على يدك...

تُخرج سيجارة أخرى من العلبة. تسير عابراً أمام الباب الهائل لمسجد شاه وأمام الأعمدة الحجريّة للمدخل متقدّماً نحو ميدانه القديم المخصص للعبة البولو. كانت المرأة لا تزال ماشية خلفك محدّقة بك. في زيارتك الثالثة لأصفهان، وفي البازار المسقوف، تشاهد انعكاس عينيّ المرأة على زجاج واجهة متجر للتحف. كانت واقفة إلى جانبك تنظر إلى مجموعة من أوعية الشراب المنقوشة. في الصقيع تتنشّق رائحة عطرها الحادّة. تتوجّه المرأة نحو آخر البازار المقفل، وأنت تتبعها. كنت في سن الحادية والعشرين. لقد كنت متأكّداً من عدم معرفتك بهذه المرأة، لكنّ تعقّبها بين البضائع الكثيرة الألوان، المعلّقة على طول مداخل المتاجر، خفّف من وطأة همٍّ لا لزوم له...

كانت المرأة مثابرة في تعقّبك. ينتابك إحساس بالتقيّؤ بعد تدخينك أربع سجائر على معدة خاوية. الحياة طرفة تحملك، على نحوٍ مخيف أحياناً، على أخذها بجدّية. تفكّر بالوقوف وبسؤالها عمّا تريده منك، لكنّك تستمر في المسير. السؤال يناقض القواعد. كما أنّك اعتقدت منذ سبعة عشر عاماً أن قواعد اللعبة اقتضت وقوفك صامتاً وجهاً لوجه أمام الفتاة ذات العينين الرماديّتين تحت ممر القناطر الأخير على ضفّة النهر الأخرى. في النهر الشتوي ينتفي إحساسك بساقيك تحت ركبتيك. كان الظلام قد أوغل ولم يعد بوسعك مشاهدة لون رباطيّ حذائها تحت الماء. كنت ممسكاً بيديها. الماء متدفّقاً بين كاحليك. حتّى تلك الذكرى، ذكرى ملامسة شفتيّ الفتاة ذات العينين الرماديّتين، في عمر السادسة عشرة وفي متاهة أعمدة الجسر القديم، ستضمحلّ إن لم تُنسج في عمارة المدينة وتتلبّس فيها. عندما سحبت الفتاة يديها من يديك وتسلّقت نحو الضفّة وهي تضحك، ظننت أنّك ستجدها ثانية في الصباح التالي بين الأعمدة والممرات المقنطرة. تتوجّه ومعك حقيبتك الثقيلة نحو النزل الصغير الذي كنت قد حجزت غرفة فيه. تغتسل وتقرأ أخوان ثالث: مجموعة من الأشخاص المقيّدين يقلبون صخرة كبيرة كي يقرؤوا السرّ المنقوش على جهتها الأخرى. لكن على الجهة الأخرى أيضاً يهجّئون الجملة ذاتها: "اقلبني، وإنّك لتجد السر على الجهة الأخرى!" تفكّر بأن هذه لا بدّ لعبة بدورها، لعبة لها قواعدها الخاصة: قلب صخرة كبيرة لقراءة سرّ غير موجود. في الصباح التالي تتناول الفطور في النزل وتعود أدراجك إلى سي وسه پل، لكنّك لا تعرف عمّن تبحث، فتسير جيئة وذهاباً مرات عدّة عبر الممرات الصغيرة عند طرفي الجسر. تحدّق في وجوه الناس باحثاً عن عيون رمادية. فتاة معها حقيبة قماش زرقاء تظهر خلفك ووجهها يبدو مألوفاً. في الحال تمضي نحوها عبر الجسر. تتوقّف الفتاة فجأة وتنظر إليك مشدوهة. ثم تستدير وتمضي...

في آخر ساحة نقش جهان، تقف من جديد وتداعب الولاعة في أسفل جيب معطفك. إذّاك كانت المرأة الشابة قد باتت أكثر قرباً. بإمكانك تنشّق عطرها الطيب الدافئ. تسير نحو قصر چهلستون وتكفّ عن النظر خلفك. تتساءل إن كانت المدينة قد بدّلت قواعد اللعبة من جديد. تمشي عابراً شجر الجميز نحو الرواق المعمّد في قصر چهلستون الذي يتراءى سطحه فوق الأشجار الباسقة. انعكاسات الأعمدة القرمزيّة وأشغال المرايا تتبدّى في أعلى مدخل القصر متراقصة فوق مياه البركة الخضراء. قبل هذا، ومنذ سبعة عشر عاماً خلال تجوالك في أصفهان، كنت قد أدركت أنك تسير في مدينة من أشغال مرايا وانعكاسات: الجسور تنعكس على صفحة نهر رائق. عشرون عموداً قرمزياً تعكس عشرين عموداً على صفحة مياه حوض. قباب تنعكس في بركة مياه وسط ساحة نقش جهان. وصورة عينين رماديتين لا تنعكس سوى في عقلك. تتسلّق العتبات إلى رواق القصر المعمّد الرئيسي، وتعبر بين الأسدين الحجريين الجاثمين اللذين تستريح على ظهرهما انعكاسات الأعمدة القرمزيّة. أمام لوحة كبيرة تصوّر مشهد معركة، لوحة تغطّي الجدار من أسفله إلى أعلى السقف المرتفع لقاعة القصر الرئيسة، تتأكّد من تبدّل قواعد اللعبة. في الواجهة الزجاج لخزانة تضمّ ثلاثة سيوف قديمة تتراءى لك عينا امرأة شابة تقف إلى جانبك.

-أهذا أنت؟

تنظر إليها مذهولاً. هذا بالضبط ما أردت أن تسألها إيّاه. تتقصّى عينيها الكبيرتين السودواين المترقرقتين. لا أثر فيهما لذلك اللون الرمادي في الغسق. بلطف تجيبها:

-من؟

تحدّق بك من دون كلام. ثم تخفض رأسها وتمضي نحو القاعة الكبرى. تغدو معها في رواق القصر المعمّد.

-من ينبغي عليّ أن أكون؟

-هذا ليس أنت... صوتك مختلف.

صوتك كان مختلفاً عن صوت شخص آخر، تماماً كعينيّ هذه المرأة الشابة، اللتين اختلفتا عن تينك العينين الرماديتين. تتقدّم المرأة متجاوزة الأسدين الحجريين والأعمدة القرمزيّة المرتفعة، وتقترب من درج الرواق المعمّد. تمضي معها وهي تمشي ببطء أكثر. تقفان معاً عند حافة بركة القصر الكبيرة، قرب التماثيل الحجريّة لفتيات عاريات يعزفن الموسيقى. انعكاساكما يتراقصان جنباً إلى جنب على صفحة المياه الخضراء.

-الآن وأنا أعاينك عن قرب لا أرى فيك أيّ شبه له حتّى.

أنت لا تبدو شبيهاً لذلك الرجل الآخر، زوج المرأة الضائع، الرجل الذي قبل ثلاثة أعوام عبر بقدمين عاريتين فوق الأصداف اللامعة موغلاً في عتمة البحر والأمواج الناعمة، حيث راحت المرأة تتوقّف على نحو تدريجي وهي تسمع صوته الضاحك متحدّثاً عن متعة السباحة في الليل. كانت المرأة ما زالت مستلقية على الرمل المبلل القاتم، محدّقة بصورة القمر على القنينة التي كان زوجها قد فرغ من احتساء محتواها قبل بضع دقائق... أنت تستأذن المرأة وتشعل سيجارة... شبهك بالرجل الآخر لا يبلغ مقدار التباسك فيه، لكنّك اليوم، في ضوء الصباح الشاحب مداعباً انحناءات الطوب في ذلك الباب القديم، كنته بلا أدنى شكّ، الرجل الذي اعتاد مداعبة طوب الباب إياه بيده اليسرى، فيما المرأة تنظر إليه باستمتاع...

الحساء ساخن وكثيف وشهيّ. الحساء يملؤك ويدفئك. ينقشع الضباب في الناحية الأخرى من النهر، ويظهر بوضوح الناس الذين يسيرون على طول الضفّة. تسطع الشمس للحظات في ساحة سي وسه پل. الانعكاسات الساطعة لممرات الطوب تظهر فوق صفحة المياه لوقت قصير ثم تختفي في الضباب من جديد. يستمر تدفّق النهر عبر الفراغات بين دعائم الجسر... في الصباح عندما تعبر النهر برفقة المرأة الشابة سائراً فوق ممر الجسر العلوي، يبدو لك الناس منقسمين في مجموعتين. هؤلاء الذين يقضون جلّ حياتهم وهم ينتظرون، وأولئك الذين يقضونها في اللعب. قالت المرأة إن بوسعها أن تريك صور الرجل الآخر. النور المنبعث من الغيوم كان ساطعاً على صفحة النهر المترامية. من نافذة شقّة المرأة كان بوسعك أيضاً مشاهدة انعكاس السماء على المياه. قدّمت لك المرأة الصور التي التقطتها مع زوجها قبل سنوات ثلاث كي تشاهدها. في آخر صورة في حياته يبدو الرجل واقفاً تحت شجرة برتقال مرتدياً قبّعة قرمزيّة واسعة وهو يهوّي قطع الدجاج على أسياخ الشواء. كان مبتسماً، لكنّه لم يكن ينظر إلى الكاميرا. في إحدى زوايا الصورة كان ثمّة لمحة من البحر. ترى الصحون التي استخدمها الزوجان لطعامهما وسريراً بملاءات برتقاليّة اللون في غرفة تُطل على ضفّة النهر. يفاجئك لون الملاءات. تبدو الملاءات ناعمة توحي بالراحة. أزاحت المرأة الستائر وقد انغمر السرير بالضياء. قالت:

-لا يزعجك النور؟?-لا، ابقيها مفتوحة.

تظهر الغيوم في الضوء. الضباب الرقيق يملأ الفراغات بين القناطر. ظلال الغيوم تعبر فوق الملاءات البرتقالية المتموّجة وهناك، في مكان ما فوق جبال الصحراء العارية، كان الثلج يهبط... بين الملاءات البرتقالية داعبت المرأة شعرك وقبّلتك. وقبل هنيهات من الانتهاء، فيما كانت تبلغ الذروة، راحت تبكي على نحو مفاجئ. دموعها بلّلت شفتيك. ثمّ رأيتها تبتسم. يحضرك جبل الجليد الطافي في رأسك، وتقول للمرأة أنّ يديها جميلتان.

-هل تريدني أن أريك ألبوم حفل زفافنا؟

تنظر جانبيّاً إلى وجه المرأة وكانت لا تزال تبتسم محدّقة بالسقف، وتقول لها إنّك تودّ لو ترى ذلك الألبوم. لقد كنت خاوياً من الداخل، وخفيفاً على الملاءات. كان هناك صورتان للرجل والمرأة معلقتين على الجدار المقابل. في إحدى الصورتين كانا جالسين تحت قناطر سي وسه پل وأيديهما متشابكة. بنطالونا الجينز اللذان ارتدياهما كانا مبللين حتى الركبتين. في الصورة الثانية كانت المرأة ترتدي فستاناً زهريّاً مفتوحاً عند ياقتيه وتبتسم للكاميرا. يحضرك على الفور أن رواية آرثر س كلارك التي قرأتها كانت بعنوان نهاية الطفولة. ثم تُري المرأة صورة ابنتك، فتقول لك:

-لها عينان رماديتان جميلتان.

تخبرها أن زوجتك السابقة وابنتك غادرتا إيران قبل تسعة أشهر، وأنك لم ترهما منذ ذلك الوقت. تذهب إلى الحمّام، وتغتسل وتنظر إلى انعكاسك في المرآة فوق المغسلة. على عكس ما رأت المرأة، فإنّك تبدو شبيهاً لذلك الرجل الآخر. الشفتان ذاتهما، وعظام الخد عينها. بدا الأمر وكأنّك تشاهد نفسك في المرآة لأوّل مرّة...

طيور البطّ المكوّمة على بعضها بعضاً ترتفع على متن موجة ناعمة. تبحث عن سيجارة جديدة في أسفل الجيب العميق لمعطفك، لكنّك لا تجد ما تبحث عنه. الطقس بارد وقد عاد مفصل ساقك اليسرى إلى التورّم. تنادي الصبي الذي يبيع الحساء الساخن تحت القنطرة وتترك له على الطاولة ثمن الحساء إضافة إلى البقشيش. تتسلّق عتبات الدرج إلى مدخل الجسر. الممر الطويل عبر الجسر يتمدّد في المسافة بين صفّي القناطر المتناظرة. لم تسدّد حساب مغادرة الفندق بعد. تقول وأنت تغادر شقّة المرأة أنّك قد تعود إلى أصفهان مرّة أخرى خلال أشهر قليلة وسوف تزورها. تنظر إلى الفتيات الضاحكات وهن يعبرن. لإحداهن عينان رماديتان، وأخرى ترتدي حذاءً قطنياً أبيض له رباطان برتقاليّا اللون. الصفحة المترامية الساطعة لنهر زاينده رود التي تعكس سماء الغسق الملبّدة بالغيوم، عميقة ورماديّة. تسير نحو الضفّة الأخرى تحت القناطر على طول الجسر، ويعبر انعكاسك تحتك على صفحة الماء.

ترجمة عن الفارسية: نيلو مبصر

ترجمة عن الانكليزية: فادي طفيلي

 

لطلب العدد الأوّل من البوابة التاسعة يرجى مراسلتنا على order@portal9journal.org ، مع اسم صاحب العلاقة وعنوانه البريدي ورقم هاتفه، وسيقوم أحد أعضاء فريق عملنا بالإجابة والتعاون.
المعلومات المطلوبة
    


شكراً لإرسال طلبكم للبوابة التاسعة