العدد 1 المتخّيل، خريف 2012
إفتتاحية
المتخيّل
عن المؤلّف
فادي طفيلي، كاتب وشاعر ومترجم لبناني. رئيس تحرير البوَابة التَاسعة. 
العدد الحالي
الغابة، خريف 2014
المقالات
المراجعات


أطلب الآن
أرشيف
جميع المقالات
جميع المراجعات
أعداد سابقة
السَّاحة
سرد: كتابات عربيّة وروسيّة معاصرة
المتخّيل

أن تُعبّر عن شيء ما فإنّك تحفظ فضيلته وتستبعد رعبه. الحقول أكثر اخضراراً في وصفها من خضرتها الحقيقية. الأزهار، إذ توصف بالكلمات التي ترفعها إلى فضاء الخيال، فإنّها تكتسي ألواناً لا وجود لها في حياة الخلايا.

المتحرّك يحيا. ما يقال يَخلدُ. لا شيء في الحياة أقلّ واقعيّة ممّا أطنب في وصفه. النقّاد ضيّقو الأفق يرون في هذي القصيدة أو تلك، بإيقاعاتها الممتدّة، تعبيراً لا يعدو كونه وصفاً ليوم جميل. لكنّ القول إنّ اليوم جميل لهو قولٌ محفوف بالمشقّة. ثمّ إنّ اليوم الجميل ذاك سوف يمضي.

يعود لنا نحن أمر أن نحفظ اليوم الجميل في ذاكرة عبارات زاهية، تنثرُ فوق حقول العالم الخارجي الزائل وفي سماواته الخالية، أزهاراً ونجوماً جديدة.

المشهدُ الملطّخ الواسع والكبير للتاريخ، بحسبي، يعادل دفق تأويلات وتوافقات ملتبسة لقصص شهود عيان غير موثوقة.

الروائي هو نحن جميعاً، فنروي كلّما رأينا، لأنّ فعل الرؤية موصوف بالتركيب، مثله مثل كلّ شيء في العالم.

 

(فيرناندو بيسووا، كتاب القلق)

 

في عشرينات القرن الماضي،كان الشاعر البرتغالي فيرناندو بيسووا (1888 – 1935)، المشهور بابتداعه وتأليفه شخصيّات خياليّة ومفترضة عديدة، كما المعروف بميله الجامح إلى دمج الواقع بالخيال في ما خصّ الأشخاص والأمكنة على حدّ سواء،وضع دليلاً سياحيًّا لمدينته الأثيرة بعنوان "لشبونة - ما ينبغي على السائح رؤيته". الدليل هذا الذي كُتب باللغة الإنكليزيّة، والذي وُجد بين أوراق صاحب "كتاب القلق" بعد موته بعقود، نُشر للمرّة الأولى في العام 1992. ثمّ عاد إثر ذلك ونُشر باللغتين الإنكليزيّة والبرتغاليّةحيث زُوِّد نصّه بتنقيحات طاولت أسماء الأمكنة والمواقع حسب لفظها وكتابتهاباللغة البرتغاليّة. هذا وأضيف إلى الدليل صور وخرائط للشبونة من حقبة العشرينات، تنقل للسائحين، رغم عدم مطابقتها الدقيقة لواقع الأمكنة الراهن، بعض الأجواء والملامح التي تسهّلمهمّة اقتفاء أثر الشاعر ومساره بعد نحو سبعة عقود على وفاته.

إنّه لأمر مُثير فعلاً أن يتبع المرء، الساعي في المدينة، أثر بيسووا ومساره "القلق" في أمكنة حقيقيّة. إنّها لفكرة ملهمة. إذ إنّ الشاعر، صاحب "كتاب القلق"، والمهجوس الدائم بالأمكنة والترحال فيما بينها كفعلٍ غايته، على ما ارتأى، استكشاف الـ"لامكان" والتجوال في فضاءات الحياة الذهنيّة، كان قد وضع توليفة مبتكرة لعالمه الكتابي يتآلف فيها الخيالي مع الواقعي على نحوٍ يصعب فصل فوارقهما وتبيانها.

ذلك أنّ المكان عند بيسووا، المكان القائم والمحسوس، هو مدخل إلى الـ"لامكان"، والواقع أمامه هو نقطة بدايةٍ لرحلة غير محدّدة لا تُبلغ خواتيمها. "إنّي لم أبحر من أيّ ميناء أدركته. حتّى إنّني اليوم لا أعرف أيّ ميناء كان ذلك، كوني لم أبلغه بعد". كتب الشاعر تحت عنوان "الرحلة التي لم أرتحلها" في كتاب القلق. قدرة التخيّل تلك، حسب بيسووا، هي السرّ العميق للعيش على أرض صلبة، أو في مكان محسوس. إنّها الجانب الآخر لذلك العيش، وهي المدخل والدليل إلى نواحي المعاني وعوالم المطلق. التخيّل، عنده، مضادٌ للجمود ونقدٌ للتيبّس، وهو العمليّة الذهنيّة الأمثل لمقاربة احتمالات الحياة الكثيرة واللامحدودة. 

في مجلّة تُعنى بشؤون المكان المدينيّ وبمستجدّاته المختلفة والمتشعّبة، مجلّة تصدر من وسط بيروت العائد من تجارب كثيرة. فإنّ استحضار بيسووا واستلهامه جاءا من كون الأخير مثّل علامة فارقة في اتّخاذ المدينة، بأمكنتها وفضاءاتها، مجالاً لاختبارات المخيّلة الجامحة. إذ إنّ المدينة، على عكس المكان الفطري، أو الريفي، المُشاد في الغالب وفاقاً لحاجات العيش العضويّة الأولى واستجابة لمتطلّباته الملحّة، احتملت وتحتمل على الدوام حيّزاً يتجاوز الكتل الفطريّة والتحاماتها ويسعى إلى التحرّر منها. التجاوز المدينيّ المذكور، المُتقدّم إلى رحابة الرؤى والافتراضات، يتجسّد حركة غنيّة بالمظاهر تشمل العمران وثقافات العيش والأهواء والأنشطة الفكريّة والفنّيّة. فالمدينة انطلاقًا من نقيضيّتها الموصوفة للأمكنة الفطريّة، طالما اتّسمت بما يستحثّ التخيّل والتفكير المسبق والتجربة الذهنيّة، بوسائلها المتعدّدة، وذلك كتأكيد ٍعلى جوهرها المدينيّ الكامن. 

والحال، في هذا السياق، فإنّ المدن تبدو كمثل كائنات عمرانيّة – اجتماعيّة لا تكفّ عن التكوّن. وهي، في لاوعيها المُعبَّر عنه بحركة صيرورتها، لا تني تتجنّب الاكتمال مخافة مفارقة التكوّن والاقتراب من الجمود. من هنا فإنّ المدن التي شهدت تحوّلات عميقة في تجاربها التاريخيّة، كحالة بيروت مثلاً، قد تُقرن بامتيازٍ من شأنه، رغم مساره الدراماتيكي وصدماته المتلاحقة، تعميق المعاني المدينيّة وزيادتها اتساعًا. إنّه امتياز لا يخلو من القسوة ربّما، لكنّه امتياز. ثمّ من قال إنّ القسوة غريبة عن المدن؟ 

المتخيّل في المدينة، على امتداد الزمن، هو مقاربة لاحتمالاتها ولوقائعها المفترضة، كما لمنطقها الداخلي المتحرّر. هو مسار مفتوح نحو منافذها غير التقليديّة ومداخلها التي لا تُحصى.

لا غاية للتخيّل ولا حدود أو ميناء وصول. إنّه معنى لا يسعى إلى التمام، وهو إن أُنزل على المكان فإن الأخير ينطلق معه في رحلة استكشاف ذاتية لا تنتهي فصولاً.

أن نتخيّل مدينة، يعني أن نتّجه نحو الأكثر تعبيرًا في كينونتها الحيّة التي عمادها تنوّع التجارب وحركة التكوّن المستمرّة. المتخيّل في المكان هو مكان إضافي، أو حيّز احتياط، وبالتالي هو قدرة عيش مضاعفة تتجاوز المتحقّق وتوسّع آفاقه. العلاقة بين ما جرى تخيّله في المدينة وبين الموجود والمحسوس فيها واقعيًّا، هي علاقة جوهريّة تصل المكان باحتمالاته، وتُبقي لهذه الأخيرة – الاحتمالات – دورًا حين يجري الكلام عن هويّة للمكان، أو صفة. ثمّ إن للعلاقة المذكورة بعدٌ جدليّ يتعذّر معه الحسم فيما خصّ أسبقيّة كلّ طرف من طرفيها في المبادرة تجاه الآخر. فإن سلّمنا جدلاً بوجود عامل حدثيّ ما، في زمن محدّد، استدعى قيام مدينة، فإن السؤال حول من جاء قبلاً الخيال أم العمران سيبقى على الأرجح سؤالاً بلا جواب. 

هل الخيال يستدعي المدينة؟ أم المدينة تستدعي الخيال؟ ذلك سيبقى أمامنا تمرينًا جدليًّا. إنّه جدل قد يستمرّ ويصيب علاقتنا بالمدينة ذاتها، إذ كلّما ظننا أنّ الأخيرة اكتملت، يأتي المتخيّل كي ينقض ظنّنا ويعيد المدينة إلى حركيّتها – إلى فكرتها الكامنة.

أن نتخيّل مدينة إذن هو أن نبدأ فيها من حيث يستحسن أن نبدأ. من المنافذ الموزّعة التي لا نهاية من بعدها. إذّاك نكون قد بدأنا المدينة من طبيعتها المثلى، كحالةٍ لا تكفّ عن التكوّن ولا تبلغ الاكتمال.

مجلّتنا هذه، إذ تستوحي بيسووا في اختراعه أمكنة وشخصيات وحيوات وميتات "جديدة" أضيفت على ما هو واقعي وموجود، فإنّها تطمح في أن تكون بوّابة إضافيّة لبيروت، ندعوكم إلى دخولها والتفكّر باحتمالاتها الكثيرة. 

لطلب العدد الأوّل من البوابة التاسعة يرجى مراسلتنا على order@portal9journal.org ، مع اسم صاحب العلاقة وعنوانه البريدي ورقم هاتفه، وسيقوم أحد أعضاء فريق عملنا بالإجابة والتعاون.
المعلومات المطلوبة
    


شكراً لإرسال طلبكم للبوابة التاسعة