العدد 1 المتخّيل، خريف 2012
مرويّات
ثلاثة أجيال في أطياف مدينة متفرّقة
كانت بيروت شطراً غربيّاً وشطراً شرقيّاً، وبينهما "الخطّ الأخضر" الممتد من محور الليلكي – الحدث إلى محور السوديكو – طريق الشام، ثمّ يتّسع هذا الخط إلى منطقة فاصلة ميّتة، هي وسط بيروت بكامله.
عن المؤلّف

-          يوسف بزّي، شاعر وكاتب لبناني. آخر كتبه "نظر إليّ ياسر عرفات وابتسم" (أشكال ألوان، بيروت، 2005).

مقالات أخرى للمؤلف
"أشكال ألوان" تذهب بالفن إلى خارج نطاقاته
نصف ساعة مع شاب قادم من حمص
العدد الحالي
الغابة، خريف 2014
المقالات
المراجعات


أطلب الآن
أرشيف
جميع المقالات
جميع المراجعات
أعداد سابقة
السَّاحة
سرد: كتابات عربيّة وروسيّة معاصرة
المتخّيل
1 2 3 4 5 6 7 8 9 

عدا هذا الوسط الميّت، انتظمت الحياة في شطري المدينة وفاقاً لإيقاع الحرب وما تسمح به من انتظام أو فوضى أو اضطراب. وتدبّر سكّان كل شطر أحوالهم ومعيشتهم بحياة مستقلّة عن الشطر الآخر، وبانفصال شبه تام، وبعداء سياسي دموي أغلب الأحيان.

وتأسس على هذا الانشطار مشهد انكفاء الحياة عن "الوسط" وخرابه وتحوّله إلى ميدان من الأبنية الفارغة والركام والخرائب المحروقة والجدران المخرّمة بالرصاص والقذائف، عدا عن كونه أرض كمائن وكوّات قنص ودشماً باطونيّة مسلّحة وسواتر ترابيّة .. وعتمة ليليّة مريعة وصمتاً نهاريّاً مفزعاً.

وطوال 16 عاماً (1975-1991)  تمّت صياغة كلّ شطر من بيروت ليكون مكتفياً بحاله كمدينة تامّة، مع استحداث فضاءات بديلة عن "الوسط" المفقود. فكان أن أنشئ "سوق الروشة" المرتجل على طول الكورنيش البحري، قبل هدمه في أواخر 1982، وكذلك اقتحمت البسطات العشوائيّة شارع الحمرا وأقامت فيه، قبل أن تتبدّد شيئاً فشيئاً، ثمّ انبثق "سوق مار الياس" وسوق بربور. أمّا في خطوط المواصلات، حيث كان "الوسط" هو عقدة الربط في الذهاب والإياب من وإلى جميع الاتجاهات، فقد تمّ إنشاء محطّة الكولا ومحطّة البربير في بيروت الغربيّة، ومحطتيّ الدورة والعدليّة في بيروت الشرقيّة. لتنشأ عن ذلك خطوط دائريّة للمواصلات مستقلّة في كلّ منطقة.

وزاد في تمزّق المدينة، مع مرور الوقت، بروز نمط الحيّ – المدينة. ففي محاولة لتقليص "المخاطر الأمنيّة" والمجازفات التي تنتج من الابتعاد عن المنزل والجيران، في ظلّ تفاقم الفلتان الأمني والصراعات المسلّحة وتوغّلها في الهويّات الضيّقة، مع مثابرة عنيدة في الفرز الديموغرافي والتهجير الذي يهدف إلى "التطهير" ونفي الاختلاط، معطوفة على هجرة النخبة المدينيّة وحلول تجمّعات كبيرة من المهجّرين الريفيين، ونمو الوعي "الأهلي" على حساب "المدني" .. كلّ هذا أدّى بالسكّان إلى الإقامة في أحياء متجانسة قدر الإمكان. ففي كلّ حيّ راح التجّار و"المستثمرون" ينشئون المدرسة والسوبر ماركت ودكّان الحلاقة وكاراج تصليح السيّارات و"بوتيك" الملابس ودار السينما (إذا أمكن) والفرن والمطعم .. إلخ في محاولة دؤوبة لإنشاء مجال حيوي آمن لا يضطر فيه المرء للخروج إلى فضاء المدينة "الغريب" و"الخطر". كان ذلك انكفاءً جسديّاً قبل أن يكون انكفاءً سياسيّاً أو ثقافيّاً أو عمرانيّاً.

16 عاماً كانت كافية لتتحوّل بيروت إلى مدن صغيرة، أهليّة الطابع، تسوّرها أسوار افتراضيّة محسوسة ومبثوثة في كلّ مكان، يمكن إدراكها بالعلامات، التي يستطيع المرء المتمرّس أن يلتقطها بسهولة: نوع اليافطات السياسيّة المرفوعة في الشارع، الرموز الحزبيّة المطبوعة على الجدران، اللهجة السائدة في الحيّ .. إلخ. لكن الأهم من ذلك هو رسو سلوك عدم الاختلاط وتجنّبه، ودوماً مع التسليم بالقطيعة والانقسام بين شطري العاصمة.

بطبيعة الحال، كانت هناك بؤر "مدينيّة" ما زالت صامدة وتتنفّس، أهمّها محيط رأس بيروت – الحمرا. فهناك، ورغم الانحطاط العمراني والديموغرافي والاقتصادي، بقيت لنا الفسحة الكبيرة لممارسة عيش مدينيّ نسبي، يحاول الاستمرار في تقاليد التمدّن والاختلاط وتدبير الوقت والعلاقات والتواصل وتنمية الخيارات الفرديّة والحضّ عليها وعلى شروط حرّيتها. وكان يعتمل في وجدان هذه البؤرة ذاك الحنين إلى "العاصمة" ولطائفها ومسرّاتها، حنين إلى وسطها الكبير الصاخب. وكان الحلم "السياسي" في أواخر الثمانينات عاد ليتبلور حول السعي إلى تحقيق السلم مهما كلّف الأمر، وحول "العودة" إلى الوسط، لاستئناف فكرة المدينة وشروطها.

عام 1991، نزلنا إلى "الوسط" المدمّر: أشجار جهنّميّة تندلع من الأرصفة ومن الطوابق العلويّة للبنايات الخالية، طبقات جيولوجيّة من الركام يمكن تصنيفها: حقبة حرب السنتين، أواخر السبعينات، بعد 1982، بعد 1985، المعركة الأخيرة .. مياه آسنة تغمر المسطّحات، وحول وحطام من كلّ شيء، ولون رمادي قذر يغطّي كل شيء. مداخل غامضة وفجوات مظلمة وظلال مخيفة بهدوئها الشيطاني. معادن ملتوية ناتئة من هنا وهناك وصدأ عميم وشظايا نخرت كلّ مكان، وآثار حرائق مرّت عليها شتاءات لا تحصى، وأغراض قديمة حمّصتها شمس أصياف عدّة، ومعلّبات فارغة متحلّلة لمقاتلين لن نعرف من بقي منهم حيّاً ومن مات هنا.

حينها أدركنا أن لا "عودة" إلى الوسط: علينا ابتكار وسط آخر جديد، لا يشبه ذاك الذي أتذكّر منه رحلتين قمت بهما برفقة والدي وكان عمري سبعة أعوام.

في الرحلة الأولى، قرّر أبي أن يصحبني إلى "البلد" لمشاهدة فيلم "خلّي بالك من زوزو"، ذاك أن جيراننا المسيحيين كانوا ينادونني "زوزو". أبي بسيّارته "مرسيدس 180" سائق التاكسي، الذي يعمل عند محطّة (موقف) الصيفي، والذي يضع بجانب مقعده عصا تشبه مضرب البايسبول، لزوم عِشرة شوارع وسط بيروت آنذاك، والمناكفات مع الدرك والفرقة 16 وقبضايات الكتائب، وقبضايات "المكتب الثاني" وقبضايات من كلّ نوع، ولصوص المرفأ القريب، والمهرّبين الصغار، ومحتالي منتصف الليل .. أبي الذي يضع خرزة زرقاء مدلاة من المرآة الأماميّة ويحبّ القمصان البيضاء المنشّاة المكوية جيّداً، يأخذني بسيّارته من بيتنا في "النبعة" ليمرّ بجوار برج حمود – الدورة حيث دكاكين البسطرما والسجق وكؤوس العرق، مانحاً إيّاي سندويشاً معتبراً من اللحم المشوي، ذاك الذي لا نأكله إلاّ في المناسبات وفي "البيكنيك" الجبلي. أذكر أنّه هناك كان يتكلّم مع أصدقائه حول "السبق" والأفراس الرابحة والخاسرة. أكملنا مشوارنا في السيارة وأنا أرمق ذراع أبي الواثقة التي تغيّر "فيتاس" السيّارة في كلّ حين، إلى أن وصلنا إلى موقف الصيفي.

من هناك سيأخذني إلى مقهى غريب يقع في الطابق الثاني من مبنى قديم، عابق بالنرجيلة والأصوات. كنت مزهوّاً بكوني وحدي الطفل وسط كلّ هؤلاء الرجال وأن أبي اصطحبني إلى عوالمه. عالم الروائح النفّاذة والقوّة. طاولات من الشاي وورق اللعب والقهوة والسجائر والجرائد. آخذ زجاجة "سفن أب" مع قشّة مصّ شمعيّة تضفي طعماً عطرياً خفيفاً على نكهة المشروب الغازي. نزلنا لنمرّ بجانب الساحة الواسعة: "هذا جحش الدولة" مسمياً لي تلك الباصات الضخمة بلونها البيج. ثمّ مشى بي إلى قلب الساحة حيث ساعة الزهور الناطقة. حديقة واسعة في آن معاً. كان الناس يدفعون المال لمصوّر كي يأخذ لهم لقطة تذكاريّة بجانبها. بعدها حان وقت السينما. أوه .. ذاك الرسم المجسّم بطول مبنى الريفولي لجسد سعاد حسني وهي ببدلة الرقص. كانت سعاد حسني تهيمن على وسط بيروت كلّه وكنت تحتها برفقة أبي، وزحمة كبيرة وأبواق سيّارات .. وإسم "زوزو" مكتوب بالخطّ الكبير.

الرحلة الثانية كانت لمشاهدة فيلم الكاراتيه للبطل بروس لي. أذكر منها أن أبي تحدّث معي عن روعة المبنى الجديد "بيبلوس". عندما وصلنا إليه أدخلني إلى محل "ساعرتي" ليشتري لي بنطلوناً أسود يشبه ما يلبسه الرجال الكبار الأنيقون. وتنقّلنا بين محمصة جديدة ومحل لبيع العصائر.

الرحلة الثالثة التي لا أذكر منها شيئاً كانت بصحبة أمّي لمشاهدة فيلم فريد الأطرش "نغم حياتي". بعدها بأيّام مات فريد الأطرش واندلعت الحرب ومات "الوسط" ومات أبي. كلّ هذا حدث دفعة واحدة. وهكذا عشت حياة كاملة بين 1975 – 1991 من دون وسط تجاريّ، ومن دون والدي. وحين نزلنا حبيبتي وأنا عام 1991 إلى الوسط المدمّر، عدنا منسحبين إلى "بيروت الغربيّة" مدركين أن علينا الاستمرار في العيش بين نصف مدينة حقيقيّة ونصف متخيّل.

مع ولادة إبني العام 1993، كانت الجرّافات قد بدأت العمل في وسط بيروت. ومع بداية تعلّمه المشي بعد عام، وُضع الحجر الأساس لإعادة إعمار ذاك الوسط. كانت المدينة تكتسب بسرعة بريقاً جديداً: عمليات إخلاء المهجّرين من أماكن حيويّة، ترميم العمارات وإعادة الرونق إلى شرفاتها، إزالة التعدّيات، طلاء الجدران وتنظيفها، تبليط الأرصفة، نصب أعمدة الإنارة، ترتيب الأسلاك وإزالة العشوائيات، ظهور عمال النظافة ونشر سلال القمامة والحاويات وإزدهار أعمال التنظيف والتجميل، تجديد الواجهات، إزالة العوائق والسواتر ومحو الشعارات عن الحيطان، إصلاح المجارير وخطوط الهاتف، زرع الاشجار، واستعادة نسبيّة لهيبة رجال الشرطة وتنظيم المرور وقمع المخالفات.

نتج من ذلك أيضاً فتح الطرقات وبدء اندفاع اللبنانيين إلى ما يشبه "السياحة الداخليّة"، مع ظهور ملحوظ لأجانب وعرب وجنسيات كثيرة في الشوارع والأماكن العموميّة. كانت المدينة تستعيد، ببطء، غرباءها وتتخلّى عن بعض "أهليّتها".

بدأ الناس بنفض غبار الحرب. سائقو التكسيات راحوا يستغنون عن سياراتهم المرسيدس المحطّمة والمهلهلة والخربة ويقتنون الجديدة منها. النسوة بدَوْن أكثر ارتياحاً، إذ أقبلن على الإكثار من المظهر الجريء والمرح في هيئاتهنّ وملبسهنّ. الرجال أيضاً بدوا أكثر أناقة، كذلك ظهر جيل من الشبّان الجدد الذين حصلوا على وظائف جديدة في أعمال جديدة تقتضي منهم ارتداء البدلات الرسميّة وربطات العنق. كانوا مزهوين بأنفسهم إذ يدركون أنهم مختلفون عنّا نحن الذين قولبتهم الحرب في مسارات يوميّة ضيّقة وحذرة، وهم ينطلقون بجدّتهم مع كلّ الجديد الوافد إلى المدينة: المهرجانات الفنّيّة، الحفلات في الهواء الطلق، ارتياد الأماكن البعيدة للسهر.. وصاحب كلّ ذلك تقنيات جديدة وثقافة جديدة: القنوات الفضائيّة، التلفون المحمول، الكومبيوتر، كلّها زوّدتهم بهويّة مُفارقة عن هويّة الماضي. وكان كلّ هذا يتمّ بسرعة مدوّخة.

في ذاك الوقت بالتحديد ظهرت الماكيت الأولى لشركة سوليدير، التي تجسّد صورة ما سيكون عليه وسط بيروت. صورة افتراضيّة تجمع بين ملامح الماضي القرميدي – الحجري وملامح المستقبل الزجاجي – المعدني. ورحت أقارن الماكيت المتخيّلة بالصور العالقة في ذاكرتي للرحلتين الطفوليتين اللتين قمت بهما إلى الوسط قبل الحرب. هذه الماكيت التي يطغى عليها اللونان الأحمر والأزرق تشبه الصور السينمائيّة، قلت ساخراً.

مع تسويق تلك الماكيت الافتراضيّة اندلعت الحمى العقاريّة في أرجاء بيروت. كان الجميع يعيش وفق مخيّلة أن بيروت ستصبح مدينة "سوبر دولوكس". ويمكن اختصار تلك الحقبة بصورة واحدة رأيتها في إحدى الصحف: شاب بائس المظهر يقف وسط الخرائب في ساحة الشهداء، يحمل في يده بوستراً للساحة قبل الحرب وفي يده الأخرى بوستراً للماكيت المفترض، ليبيعها للمارة والزائرين. حاضر محطّم وماضٍ ذهبي ومستقبل خلاّب. كان الواقع الحقيقي لا يساوي شيئاً ويجب محوه من الذاكرة ونسيانه، بقدر ما كان الإفتراضي باهظ الثمن ويسوّق على نطاق واسع. كان هو الذي بدأ ينظم الاقتصاد، ويمسك بالوعي وباللغة وبأنساق إنتاج الثقافة وسؤالها الصاخب: أيّ مدينة نريد؟ بل إن هذه الماكيت باتت هي نواة السجال السياسي نفسه.

على أيّ حال، وفيما نحن "نتداول" الماكيت، اندلعت بشكل محموم أسعار إيجارات البيوت والشقق في كلّ أرجاء العاصمة. الماكيت أضفت قيمة عقاريّة متخيّلة، ومن هم مثلي، أي الذين ابتدأوا بتأسيس حياتهم الأسريّة والمهنيّة، مع نهاية الحرب، من غير إرث، أدركوا أن عليهم الرحيل إلى خارج العاصمة قبل أن تلحق بهم مهانة الطرد من "الجنّة".

كانت الخرافات والقصص والأوهام المصاحبة لعنوان "إعادة البناء والإعمار" أرست في عقولنا أن ما نراه الآن في أي مكان ببيروت وضواحيها لن يكون هو نفسه بعد سنوات قليلة. سيعمّ السحر في هذه الجغرافيا. من ذلك مثلاً شاع أن المطار الجديد سيقلب عمران الضاحية الجنوبيّة رأساً على عقب. سيمرّ من هنا الأوتوستراد "العربي" الدولي. ستنشأ المدينة الجامعيّة وفق أرقى المواصفات هناك في منطقة "الحدث". سيكون هناك جنوبي بيروت "سيليكون فالي" الشرق الأوسط، ستنشأ "منطقة حرّة" بالجوار، سيتمّ إنشاء مجمعات سكنيّة أنيقة وبنى تحتيّة حديثة، وفنادق ومتنزهات.. وسيكون الشاطئ الممتد من الجناح إلى خلدة "ريفييرا" الشرق الأوسط. إذ سينفذ "مشروع أليسار"، المرادف لـ"سوليدير" في الضاحية الجنوبية، لتخسر إسمها وتصير امتداداً وتوسعاً للعاصمة نفسها. وسيأتي مع الإزدهار الإقتصادي "الهونغ كونغي" رخاء معيشي ومظاهر رفاهيّة في العمران والحياة العامّة.. ومغلّفة كلّها بميزات مناخ لبنان البديع: ثلج في الأعالي وشواطئ مشمسة في السواحل.. فاذهب الآن مع أسرتك واشترِ الشقّة الرخيصة الآن في ناحية المريجة قرب المطار، وبعدها سيُعمم الفردوس العقاري. اغتنم الفرصة الآن وتنعّم بالمستقبل الزاهر.

لم أتردّد. اشتريت الشقّة بالتقسيط. مكثت فيها مدّة لا أعرفها بالتحديد: شهرين أم ستّة أشهر؟ لا أريد أن أتذكّر. إذ "هجم" مهجّرو وادي أبو جميل، وفي جيوبهم التعويضات الدسمة، واشتروا كل شقق المنطقة.. ثمّ دمّروها، أو بالأحرى أعادوا تصميمها وفق ما يرتأونه مناسباً لنمط حياتهم، مقيمين على ما اعتادوا عليه إجتماعاً وسياسة وعمراناً. لقد حطّموا الماكيت الإفتراضية التي وضعتها في مخيّلتي: بيروت الأنيقة المتوسّعة إلى تخوم الجبل، دامجة الضواحي في نسيجها وجسمها.

ما حدث في الضاحية المتمنّعة، معطوفاً على التحوّلات السياسيّة والاقتصاديّة التي كبحت المخيّلة فارضة وقائعها المريرة: ضعف الدولة وخزينتها، الوصاية السوريّة وأكلافها، الاحتلال الإسرائيلي وأثمانه، المقاومة وتبعاتها، سلطة أمراء الحرب والطوائف ونمط العلاقات المافيويّة .. كلّها عملت على تحجيم الماكيت وحصرها هناك في "الوسط".

في السنة ذاتها (1995 – 1996)، لم أطرد نفسي من الضاحية فحسب، بل اضطررت للخروج من لبنان كلّه متوجّهاً إلى الكويت. تخلّصت من الشقّة، وخسرت الوظيفة في آن معاً، فيما الجرافات ما زالت تعمل هناك ليلاً ونهاراً في وسط بيروت.

عدت إلى العاصمة العام 1999، مزوّداً بماكيت افتراضيّة خليجيّة لبيروت، هي حصيلة إقامتي في الكويت وأبو ظبي وزياراتي إلى دبي: أوتوسترادات دائريّة لا نهائيّة، فيلات وقصور عند التخوم والضواحي، ووسط تجاري في قلب المدينة، حيث كلّ شيء واضح: مبنى البورصة، مركز الشرطة، قصر العدل، المتحف، الحديقة العامة، سوق السمك، السوق القديمة، الكورنيش البحري الذي تتناثر على شاطئه الفنادق الفخمة... وعلى مبعدة من العاصمة منطقة صناعيّة من ناحية، ومطار من ناحية أخرى. ترتيب لا مجال فيه للارتجال، ونظام لا يترك للفوضى مجالاً. كنت أمقت ذلك في الخليج، إذ أراه أشبه بديكور سينمائي يشبه ذاك الذي يشيّد لأفلام الكاوبوي وسط خلاء صحراوي يبعث على الشعور بالخواء. لكنّي كنت أحاول تكييف تلك الماكيت بما يناسب بيروت، فقط من أجل هدف واحد هو التخلّص من الفوضى التي تتلبّس مشهدها وحياتها وعمرانها. وسرعان ما انتبهت إلى أن هذا الطموح يعني شيئاً واحداً: استئناف تدمير المدينة وإزالتها، وإسقاط مدينة أخرى محلّها.

فور عودتي أدركت أن "الدخول" إلى العاصمة مجدّداً يفرض عليّ التخلّي عن خريطتي القديمة: المقهى في الحمرا أصبح مختلفاً. الحانة الصغيرة مهملة ومنسيّة وقد هجرها روّادها الأليفون. المقصف البحري لجلسات الغروب الصيفيّة ما عاد شاعريّاً بقدر ما صار ملعباً للأولاد ومقصداً للعائلات. كانت حركة السكّان وإيقاعات يوميّاتهم وأماكنهم تتغيّر. بدأت ثقافة "المول" تفرض نفسها مثلاً، مطاعم الوجبات السريعة المعولمة تفتح فروعها في كلّ مكان، صالات السينما القديمة اندثرت كلّها، وحلّت محلّها مجمّعات (كومبلكس) سينمائيّة في أماكن أخرى.

في تلك السنوات القليلة، وعلى غفلة من مخطّط "إعادة البناء والإعمار" والوسط وعلى غفلة من سيكولوجيّة "بيروت الشرقيّة" و"بيروت الغربيّة"، كانت الأضواء تندلع، ضوءاً وراء ضوء، في شارع خلفي، شبه منسيّ، هناك عند تخوم الأشرفيّة، وعلى حدود الوسط، ما بين شارعي عبد الوهاب الإنكليزي ومونو. هناك تشكّلت ماكيت لم يصنعها ولم يصممها أحد تدخل حيّز التنفيذ العفوي. حيّز معماري لم تنل منه الحرب تماماً. كان طابعه "التراثي" والنموذجي لبيروت "المسيحيّة" (إذا صحّ التعبير)، البرجوازيّة، المتوسّطيّة والكولونياليّة، يستجيب في مظهره وعمرانه لكل ذاك "الحنين" الذي صنعته المخيّلة عن بيروت ما قبل الحرب.

ومن هناك، ستكون بداية بيروت بعد الحرب، بداية صاخبة بالكحول والموسيقى والشباب. وهناك، سيلتقي مثقفو الشرقية والغربية، الموسيقيون الجدد والمسرحيون الجدد والصحافيون الجدد، ومصممو الأزياء الذين برزوا فجأة كـ"موضة" ثقافية كاسحة حولتهم إلى مشاهير وصنّاع "صورة" لبنان الغد. وهناك سيجد "الحب الحر" رصيفه. كذلك سنكتشف هناك مجتمعاً جديداً صاعداً، هو مجتمع "اليوبيز"، رجال الأعمال الشبان بمظاهر ثرائهم واحتفاليتهم الدائمة بأنفسهم وقد تحوّلوا إلى مثالات لـ"النجاح" و"القدوة" في طموحاتهم وفي أخلاقهم وفي قيمهم.

في ذلك الحيّز كانت المدينة الجديدة تختمر أيضاً باليساريين السابقين وقد أنهوا "مراجعاتهم" في الليبرالية والديموقراطية، وباليمينيين السابقين وقد تخففوا من اعتصابهم الفاشي، وبالمناضلين الجدد من طلاب الجامعات.

هناك في ليل "مونو" كانت ترتسم مخططات لبنان المستقبل. ففي السياسة بدأت معركة الحريات ورفض الوصاية، وفي المجتمع بدأت معركة التحرّر الفردي والقيم الليبرالية، وفي الاقتصاد بدأت معركة "السياحة" ونظام "الخدمات"، وفي الثقافة بدأت معركة العمران والماكيتات البديلة. والأهم هو ولادة حيز "التعارف" الوطني بين شطري العاصمة، حيز مشترك وتواصلي – تبادلي كأنّه وسط مدينة إفتراضي ينشط في ساعات العتمة.

ربما في 2003 حين نزلتُ "سياحةً" إلى الوسط الجديد. ومن اللحظة الأولى لدخولي إلى شارع المعرض أحسست بغربة كاملة. أنا هنا لـ"أتفرّج" لا لـ"أعيش". عرفت ذلك فوراً. كأنني بالخطأ ولجت ديكوراً سينمائياً هائلاً. الوجوه، وجوه الأثرياء الجدد. الأجساد كأنها طالعة من المجلات. العائلات "تلفزيونيّة" الطابع. مقاهٍ لا توحي بأي خصوصيّة وأنها مخصصة للاستعراض الاجتماعي والتشاوف أو للعبور السياحي الحائر. مبانٍ فارغة لا شائبة فيها، إلى حدّ أنني شعرت أنها جزء من "معرض" معماري في غاليري كوني، ونحن لسنا إلا مجرّد زواره.

ما زاد من وطأة الغربة أن "الوسط" هذا، صرّة العاصمة وعقدتها، كان في تلك اللحظة ملعباً للأطفال وكراتهم وبالوناتهم ودرّاجاتهم. هذا ليس الوسط 1974 وليس ذاك الذي زرته مع زوجتي المستقبليّة عام 1991. إنّه المكان الجديد الذي يتمرّن فيه إبني على قيادة الدراجة الهوائية. وخلف شارع المعرض، هناك في ساحة الشهداء كان الخلاء، الفراغ المتروك لماكيت افتراضية لم يصنعها أحد بعد. لم يكن ذلك الفراغ ساحة. كان ما زال منطقة ميّتة تفصل بيروت الغربية عن بيروت الشرقية، بانتظار معجزة شباط – آذار 2005.

عندما أمر من الحمرا إلى الأشرفيّة عبر جسر الرينغ – فؤاد شهاب، أدرك أن الناس هكذا، يروحون ويأتون من الشرق إلى الغرب وبالعكس دون المرور بتلك الجزيرة: الوسط، المعزول عن العجقة وعن خطوط التواصل العملي والخدماتي والاجتماعي اليومي. إنّه جزيرة، أو أشبه بالتقليد الإنكليزي المتّبع في دول الكومنولث، حيث تخصص أرض مسورة كنادٍ اجتماعي حصري، تمارس فيه النخبة استرخاءها وتسلياتها ومناسباتها الاحتفالية. ويتأكّد هذا الإنطباع عندما أمرّ من طريق برج أبي حيدر – نفق سليم سلام باتجاه ساحة رياض الصلح، حيث ما إن أجتاز منطقة زقاق البلاط حتّى أعرف للتو أنني انتقلت من سينوغرافيا مدينيّة إلى أخرى لا تفصل بينهما سوى أمتار قليلة. الأمر نفسه يحدث عند كلّ المنافذ المحيطة بالوسط. قطيعة عمرانية – إجتماعية – ثقافية توحي بأن ماكيت "الوسط" هذه لن تتمدّد إلى كل بيروت، بل هي محاصرة بماكيت واقعية أخرى لا تتوقف عن تهديد المدينة بالمزيد من الانفصالات والانقطاعات. هكذا يبدو واقع أن بيروت الحرب تحوّلت إلى عدة مدن أهلية متنابذة ما زال هو الحقيقة العنيدة.

يبلغ إبني الآن سن الثامنة عشرة. وهو لحسن حظّه عاش الحمرا وعاش الأشرفية. يسهر في مونو والجميزة ورأس بيروت. يدخل الـ A.B.C الأشرفية، و"الدون" فردان. يتسوّق ويتسكع في ساحة ساسين وفي شارع الحمرا. يتحدّث اللغات الثلاث: الفرنسية، الإنكليزيّة، العربية. رفاقه يسكنون في سن الفيل، الأشرفية، عين الرمانة، فرن الشباك، الشياح، فردان، كركول الدروز، كورنيش المزرعة، الحمرا، بئر حسن، وصولاً إلى المنصورية. وهو سيذهب بعد سنة إلى الجامعة ليباشر حياته المستقلّة في المدينة.

على مدى السنوات السابقة بتّ مؤمناً أن "الوسط" ليس مدينتي، إنّه مدينة إبني. لكن لماذا حتى الآن لا يقيم علاقة حقيقيّة مع ذلك الوسط؟ رحت أتخيّله، هو وجيله، يؤلّفون حياة لوسط المدينة ولهم غير تلك التي عشناها. حياة يصنعون فيها تلك الروابط الخفية بين معالم المدينة وأجزائها، يصنعون ذاكرة أرصفة وشرفات ومداخل ومخارج وفضاءات، ذاكرة زواريب وشوارع وأسطح وغرف وحوادث وبشر ومصائر وحكايات. رحت أتخيّل "المهمّة" الشاقة التي على إبني أن ينفّذها: هندسة حياة تجتاز المدينة وتضفي عليها أنفاساً حارة وعواطف توحّدها وتلحم أجزاءها.

سأتخيّله طالباً في الجامعة الأميركيّة، يستقلّ بعد الظهر الترامواي الذي عاد من زمن الخمسينات إلى شارع بلس، ذاهباً إلى ساحة رياض الصلح. هناك سيلتقي صديقته عند باب "التياترو الكبير" الذي ينظّم "أسبوع أفلام سعاد حسني" ليشاهدا معاً "خلّي بالك من زوزو". سيخرجان معاً ضاحكين بعد الفيلم باتجاه الدكان الأرمني الصغير في أحد زواريب شارع المعرض، ليأكلا البسطرما والسجق، ثم يتنزّهان نزولاً إلى ناحية البحر، على أن يمرّا بالكيوسكات الصغيرة المنتشرة بالقرب من مبنى البلديّة حيث تباع التذكارات والصور وأنواع الكعك والحلويات. ثمّ يصلان إلى الحديقة الكبيرة أول المساء، هناك عند البحر، والناس تدخل وتخرج وتتريّض وأطفال يلهون وباعة متجوّلون وشرطة بلدية وشبان من منظمة بيئيّة يوزّعون منشورات وفرقة موسيقية في الوسط. سيقرران ملاقاة أصدقائهما في باحة نصب تمثال الشهداء ليذهبوا سوية إلى داخل مبنى "فيرجن"، كل من أجل غرض يشتريه. بعدها سيستقل إبني "الترامواي" الجديد من باب إدريس إلى طريق الشام وصولاً إلى فرن الشباك، حيث المنزل.

سأتخيّله في ذهابه ومجيئه بين الحمرا وشارع بلس والوسط والأشرفية وفرن الشباك، إبن طبقة وسطى، يأكل سندويشاً رخيصاً، ويلبس قميصاً ثميناً، يهزأ من "السنوب" ويترفّع عن الشعبوية، يريد دكان بقالة في شارع المعرض لا يظن أن تنكة "البيبسي" لها سعر سياحي بخمسة نجوم، ويريد مطعماً أنيقاً لدعوة عشاء لا يُطرد الطلاب منه بالمينو المذهّبة. يريد مقهى يبيع قهوة اسبرسو فاخرة على الواقف، ومكتبة للكتب المستعملة، وكشك صحّي لبيع السندويشات، ومحطّة باصات منظّمة وخط ترامواي دقيق في مواعيده، وحديقة شاسعة لأحلامه ورصيف بحري متّصل من الدورة إلى الأوزاعي. يريد المشاركة في تحرّك طلابي هنا، ودخول إلى متحف فني هناك. يريد "ساحة الشهداء" ميداناً له فلا يهاب التسكع فيه، وحيث يقضي حاجته في حمام عمومي هناك أو يجد في المحيط "استديو" طلابي للسكن، ونادٍ رياضي، ومكتبة عامة، وربّما أيضاً شارعاً صغيراً للنزوات العابرة.

من الجامعة الأميركيّة سيمرّ بشارع كليمنصو، الذي ستكون غالبية سكانه من الأجانب الذين تكاثروا مع ازدهار قطاع الأعمال والتجارة، وباتت الأحياء في كليمنصو مليئة بمحلات إكزوتيكيّة متعدّدة الجنسيات. سيمرّ أيضاً ما بين برج حمود – مار مخايل – مدخل الجميزة، حيث الآسيويون والأثيوبيون الذين استوطنوا وتكاثروا وباتت لهم حاراتهم وزواريبهم بطابعها البوذي أو الهندوسي أو التاميلي أو المسيحي القبطي، بجوار الفنادق الصغيرة ووكالات الشحن والورش الصناعية الملاصقة للمرفأ، وعند حدود الأحياء الأرمنية الأليفة والراسخة. وسيتعرّف في سفوح الأشرفيّة على أحياء يلجأ إليها ويستأنس بها الشبان العزب وطلاب الجامعات والمهاجرون الجدد حيث تشاد البنايات والشقق لا وفق حاجة العائلات بل وفق نظام يلبي حاجات الذين يريدون العيش في شقق صغيرة واستديوات مرتبة. وقد تكون تلك منطقة جديدة للاجئين إلى خصوصياتهم وأمزجتهم الحرة، ولليافعين الذين تزوّجوا حديثاً. وسيمرّ أيضاً في الشوارع العريقة ما بين مار متر وحيّ السراسقة وقد تجددت أبهتها بعناية بلدية وقوانين التنظيم المدني حيث تتواءم ناطحات السحاب مع الأبنية التراثية.

سيتجول أيضاً في النبعة وسن الفيل وقصقص والطريق الجديدة وبرج أبي حيدر وزقاق البلاط وعائشة بكار... حيث كل منطقة شهدت "ميني سوليدير"، مزيج من التخطيط المدني والإرتقاء الإقتصادي مع الكثير من التحول السكاني، نحو المزيد من الإختلاط والفضاءات المفتوحة. سيرى ما بين الباشورة والبسطة سوقاً متسعة للأنتيكا والحرفيات وورش نوعية للأثاث والزجاجيات والنجارة...إلخ، أسواق متخصصة للمجوهرات وللأقمشة وللإلكترونيات... سينتبه أيضاً إلى ملاعب كرة القدم الجديدة وإزدهار أنديتها المتنافسة وجماهيرها الصاخبة.

سيكون له ولأنداده "أندر غراوند" إفتراضي، حيث عصبية المدينة وثقافة الشارع وجموح الشباب و"شغبهم" في تعبيرات سلوكية وفنية واجتماعية، ترفد المدينة بحيويتها السرية. أو تضفي على العاصمة "ديموقراطية" في العمران والسكن والتواصل والعيش، حيث دكان الفلافل في شارع فوش مثلاً، للمتسوقات البرجوازيات، ومطعم السوشي في قلب شارع بربور.

تلك بعض ملامح الماكيت المتخيّلة، حيث أناقة "ماكيت سوليدير" وعشوائية بيروت اليوم، وسينمائية بيروت الماضي، كلها متعايشة سوية في ابتكار يجمع الهندسة والعفوية .. وتلقائية العيش ومصادفاته اللانهائية. فكل "ماكيت" هي جواب صعب: كيف يمكن أن نجعل الحجر يتنفّس؟ ذاك ما هو ملقى على عاتق إبني وجيله، كي لا تبقى بيروت – كما عشناها – فكرة إفتراضية مستحيلة. 

ريم الجندي، رجال السبعينات، 100x100 سم، (2008)، أكريليك ومواد مختلفة.
ريم الجندي، شمس في الحقيبة، 50x50 سم، (2005)، أكريليك ومواد مختلفة.
- ريم الجندي، حالة خطر، 150x90سم، (2009)، أكريليك ومواد مختلفة.
ريم الجندي، سماء بيروت، 170x100 سم، (2008)، أكريليك ومواد مختلفة.
- ريم الجندي، موقع جريمة، 100x100 سم، (2005)، أكريليك ومواد مختلفة.
ريم الجندي، درس في الصيد، 150x90 سم، (2009)، أكريليك ومواد مختلفة.
ريم الجندي، في الأثناء، 150x90 سم، (2009)، أكريليك ومواد مختلفة.
ريم الجندي، اجتياح شارع الحمرا، 120x80 سم، (2008)، أكريليك ومواد مختلفة.
ريم الجندي، المقيم، 100x100 سم، (2008)، أكريليك ومواد مختلفة.
لطلب العدد الأوّل من البوابة التاسعة يرجى مراسلتنا على order@portal9journal.org ، مع اسم صاحب العلاقة وعنوانه البريدي ورقم هاتفه، وسيقوم أحد أعضاء فريق عملنا بالإجابة والتعاون.
المعلومات المطلوبة
    


شكراً لإرسال طلبكم للبوابة التاسعة