العدد 1 المتخّيل، خريف 2012
مرويّات
أميركا الصغرى
قبل عشرة أعوام، كُلِّفت تدريس مادّة السينما الوثائقيّة في معهد الدراسات السمعيّة والبصريّة في جامعة القدّيس يوسف في بيروت. شرعت في تحضير حصّتي الأولى راغبًا في تقديمها على نحو مشوِّق. وجدتُ أن لا بديل من اللجوء إلى الفيلم الروائي مدخلًا إلى الفيلم الوثائقيّ الممتلئ واقعًا ووقائع.
1 2 3 4 5 

في زعمي أنّ السينما، ومنذ ظهورها، لم تستطع تصوير قصّة في معزل عن الإشارات الوثائقيّة المحيطة بها والدالّة على شخصيّاتها. حتّى الميوزيكال، باعتباره نوعًا روائيًّا متعدّد الخيال وقابلًا للارتقاء إلى أقصى حدود التصوّر، لا يستقيم في نوعه وفي زهوه الكوريغرافي ما لم تثبّت أقدام راقصيه في موطئ وثائقي له صلة بمكان، بتأريخ، بحدث أو بسلسلة أمكنة وأزمنة وأحداث، على ما يشهدُ له "غناء في المطر" (Singing in the Rain) للثنائي ستانلي دونان وجين كيلي من تحوُّلِهِ وثيقةً عن انتقال السينما بين حقبتين صامتة وناطقة مصحوبًا بأفول نجوم فضح الميكروفون ضُعفَ قدراتهم الصوتيّة وعيوبها. وفي النظر إلى فيلم آخر، "أميركي في باريس"، أخرجه فنشنتي مينيللي العام 1951 (An American in Paris)، أدّى جين كيلي بطولته وحمل توقيعه مصمّمًا لرقصاته، تأخذ العاصمة الفرنسيّة بأيقوناتها السياحيّة وأحيائها الشعبيّة حيّزًا فتّانًا إلى درجة استحالة فصل الفيلم عن حيثيّاته المعماريّة المكمّلة لجماليّاته الفنيّة في سرد قصّة الأميركيّ المهاجر، المتكسّب من الرسم والمُعبّر عن فرحه وحزنه بالموسيقى والرقص والغناء.

 

المقيمون في الضوء

على طراز الفيلمين الآنفين، وعلى وفرة الأمثلة، اخترت لتلامذتي عرض "حمّى ليلة السبت"، أوّل دور شَهَرَ جون ترافولتا نجمًا راقصًا بعد غروب عصر الميوزيكال وفرسانه. انتقيت من "حمّى ليلة السبت" ليس مشهدًا لترافولتا راقصًا على أنغام الديسكو وأغاني الـ"بي جيز"، بل مشهد لقائه وعائلته حول مائدة العشاء، مستنتجًا احتواء المشهد الـمذكور، سواء في مكونات ديكوره أم في سلوك شخصيّاته وخصوصيّة عاداتها وطقوسها الدينيّة وحواراتها، على "وثيقة" تـحدّر أفراد الأسرة من أصول إيطاليّة؛ مشهد – معلومة ينمّ عن إحدى مكونات نيويورك كمدينة متعدّدة الإثنيّة، وتتجاوز في الوقت نفسه واقعها في وصفها احتمالًا للحلم الأميركيّ، كما يعيشه بطل الفيلم، وللذاكرة الإيطاليّة المستمرّة وإن في ركن عائليّ ضيّق.

في ما بين أقلّيّاتها المهاجرة، قُسِّمت نيويورك جغرافيًّا، تجمّع المهاجرون الإيطاليّون في "إيطاليا الصغرى"، وتهافت الوافدون من بلاد الشام على "سوريا الصغرى". وانسحب تقسيم المناطق على الفنّ والأدب، وحضر في الأفلام ديكورًا وشخوصًا وحوارات بما جَعَلَ المشهدَ السينمائيّ يحاكي هندسة الأمكنة وإعادة تعميرها بنسيجيها المادّي والبشري ضوءًا وأثاثًا وثوبًا وجسدًا ولغة. كأن الممثّلين لا يتقمّصون أدوارًا على مساحة من الشاشة قدرَ ما يسكنون الشاشة. قاطنو الضوء هم، ينتمون إلى صورةٍ ما همَّ أن تكون واقعيّة أو افتراضيّة، والصورة أَوْجَــدَت بدراية صانعها، أو بعدم إدراكٍ منه، مكانًا متخيّلًا، قاسيًا وحميمًا في آن واحد، يمكنه أن يكون بيتًا، مدينةً، شارعًا، صورةً مركّبة، أو بتجرّد وتجريد مطلق عالـمًا متماهيًا في ملصق فيلم.

 

مدن الراديو

إلّا أنّ الكلام عن الأمكنة المتخيّلة يتجاوز الصور المتلألئة على الشاشة والمقيمة في القلب. إنه في الـحقّ يطاول عالـمًا خلّفته السينما خارج صالات العرض وشوارعها. أتكلّم خصوصًا عن الأماكن الكبرى في صغرى المدن، بيروت، بيروت القديمة تحديدًا. وفي الرجعة إلى أزمنة غابرة لا يحـرّضني حنينٌ ولا عبثٌ بلُعَبِ طفولةٍ أودعت الحربَ سرَّها. ذلك أن انعقاد الاجتماع الأهلي ونزوحه إلى المجمعات التجاريّة العملاقة، مرفقًا بغزو الصورة الإلكترونيّة نقل النشاط السينمائي من قلب المدينة وأحيائها وساحاتها إلى بؤر معزولة عنها وفيها.

قبل التلفزيون ولافتات البثّ الإلكترونيّ وشاشات الهواتف الخلويّة ورسائلها النصيّة، كانت المدينة، وأقصد بها بيروت، تُعرفُ وتتواصل مع سكّانها من طرق الإعلانات والملصقات الموزعة على جدرانها والصحافة المكتوبة. وفي غياب الإعلام المرئيّ وشبكاته الإعلانيّة، أغنى الراديو الذاكرة السمعيّة في تـحوّل أخباره عن المدينة والعالم نشاطًا اجتماعيًّا فاعلًا يتناقله الناس ويلتئم شملهم حوله والمجادلة في شأنه. على الصوت الأجشّ لمذيع القسم العربي في البي. بي. سي، نشأنا وفُطرنا على وعي الأحداث والحروب والانقلابات السياسيّة، ومَالَ أهلنا إلى تثبيت الإبرة على "هنا لندن، هيئة الإذاعة البريطانيّة،" مؤثرين صدقيّتها في تغطية أخبار لبنان وبلدان الجوار على رياء الأبواق الرسميّة العربيّة ودجل مذيعيها.

مدينة الراديو، كانت. وكانت "راديو سيتي" واحدة من أولى دور العرض المحفورة في ذاكرتي وطفولتي، معًا، بعد اكتشافي المبكر لساحة البرج والشوارع المتفـّرعة منها، أواخر ستينات القرن المنصرم. لم أعرف في البداية أنّ لاسمها نظيرًا في مدينةٍ أخرى من العالم. في وقت متأخّر، أدركت أنّ اسمها منقول عن "راديو سيتي ميوزيك هول" في نيويورك، والأخيرة ليست قاعة عروض ضخمة المساحة والفضاء والتصميم فحسب، بل قصرًا منيفًا في جماله وروعته أعِدَّ لإبهاج الجمهور، الرازح تحت وطأة الكساد منذ خواتيم العقد الثالث في القرن العشرين، بتقديم أرقى البرامج الموسيقيّة والمسرحيّة والسينمائيّة بأسعار يستطيع الناس العاديّون تحمّلها. ويرجع الفضل في تأسيس الصرح الترفيهي إلى جون د. روكفلر. فحين انهارت أسواق المال في وول ستريت، العام 1929، كان في حيازته عقد إيجار بقيمة 91 مليون دولار، مدّته أربعة وعشرون عامًا، لقطعة أرض مصنّفة ضمن العقارات غير المرخصّة في وسط مانهاتن. قبله، وضِعَتْ خططٌ لبناء دار أوبرا تكون منارة الإشعاع الفنّي. بدل حصر مشروعه في هذا الهدف، اتّخذ روكفلر قرارًا يتجاوز الأزمة الاقتصاديّة ويُحدث تغيّرًا في المشهديْن المعماري والثقافي للمدينة: إقامة دار العرض ضمن مجمع من المباني يشغلها مستأجرون من أصحاب المشاريع التجاريّة ولو في مدينة محبطة تـمرّ في فترة عصيبة وتفيض بالعقارات الشاغرة. المرتجى مشروعٌ يحمل أعلى قيم الهندسة المعماريّة ويرمز إلى التفاؤل والأمل في محنة الأميركيين آنئذ. كان في حاجة إلى شريك فنّي سرعان ما عثر عليه في "هيئة راديو أميركا"، أو، اختصارًا، "آر. سي. أي"، شركة فتيّة انبثقت منها إذاعة "أن. بي. سي" واستديوات "آر. كي. أو" لإنتاج الأفلام وتوزيعها، جاذبةً فئات واسعة من المستمعين وروّاد السينما.

إلى رئيس مجلس إدارة "آر. سي. أي" ديفيد سارنوف، يُعزى إطلاق اسم "راديو سيتي" على المشروع الجديد. وإلى الشريكين روكفلر وسارنوف، انضمّ الإمبريزاريو س. ل. روذافل، المشهور أكثر بلقبه الفنّي "روكسي"، وتقترن شهرته بالمشاريع والأفكار الخلّاقة الهادفة إلى تطوير دور العرض والرقيّ بها إلى الفخامة منذ تحوّل السينما من أماكن رخيصة للترفيه في بداياتها إلى صالات لم يعد يكتفي أصحابها بعرض أفلام تدهش العامّة باختراع الصور المتحـرّكة، ولا يقتصر ارتيادها على الطبقات الكادحة، وإنّما قاعات يتردّد إليها الجميع على اختلاف طبقاتهم وتصل السينما بفنون الرواية والمسرح والتمثيل. كان "روكسي" من علامات ازدهار صالات السينما الأميركيّة في زمن الخانقة الاقتصاديّة المهدِّدة لصناعة الترفيه والقابضة على أعناق الصالات المتعـثِّرة؛ تخطّى اسمه حدود بلاده وأُطلِقَ على صالات ما وراء البحار ومنها سينما روكسي في قلب ساحة البرج في بيروت. لكن ما كان لأثر روكسي وشركائه في بناء "راديو سيتي" أن يكتمل من دون المهندس دونالد ديسكي وبصماته في تصميم ديكور المسرح وتشكيل فضاءاته الداخليّة من زخرفاته الجداريّة إلى أروقته ومسرحه الفاخر بكواليسه وخشبة عروضه وشرفاته ومقصوراته ومقاعده وسجاجيده وثريّاته، مستعينًا بفنانين ومستخدمًا الرخام والسيراميك والأقمشة والمعادن والأخشاب والمنحوتات وخليطًا من مواد بناء متعدّدة الـجودة وفّرت للمسرح طول العمر والصمود في دورة الحياة وتقلباتها. كان إنجازًا إنسانيًّا في مستوياته الفنيّة والعلميّة والصناعيّة كافّة، اعتُبِر تحفةً في ذاته إلى درجة أنّ ناقدًا نيويوركيًّا قال في مديحه إنّه مسرح رائع بحيث لا يحتاج إلى فنانّي عرض!

 

جزيرة في وسط بيروت

جمع مسرح "راديو سيتي ميوزيك هول" بين مختلف فنون العرض محتضنًا الحفلات الافتتاحيّة لأكثر من سبعمئة فيلم، أمسى معظمها في عداد الأعمال الكلاسيكيّة منذ تدشين المسرح بفيلم المخرج فرانك كابرا "الشاي الـمرّ للجنرال ين" العام 1933. في عتمته، عمل الشاب غريغوري بك حاملًا مصباحه الصغير مرشدًا روّاد السينما إلى مقاعدهم. في وقت لاحق، صار غريغوري نجمًا سينمائيًّا مرموقًا واستضيف في "راديو سيتي ميوزيك هول" محييًا سهرة الافتتاح لفيلم من بطولته "أن تقتل طائرًا محاكيًا".

أن يُشيَّد مسرحٌ بمثل فخامته وأن ينتقل أحد عمّاله من ظلمته الحميمة إلى سماء النجوم والأضواء الباهرة، يعنيان في بساطة، وفي عرف الأميركيّ الجلود على ضربات الفقر، أنّ الحلم الأميركيّ ممكنٌ في أحلك الظروف. مع ذلك، وعلى الـرُغم من أبهته، لم يفارق إنجاز "راديو سيتي" كونه "الداخل" الجميل والساحر وسط ما تجسّده مدينة نيويورك من "خارج" تحكمه آفة سوق الـمال والتدهور المطرد في الأوضاع المعيشيّة. لكن، وإلى حدٍّ بعيد، يجوز التكهّن أنّ ذاك "الداخل" بدا في عيون أصحابه وصانعي رونقه من المستثمر روكفلر إلى رفيقيْ مغامرته سارنوف وروكسي فالمهندس ديسكي، واستطرادًا الـجالس في قاعته الفسيحة وأخيرًا قارئ تاريخه والُمقـلِّب في صوره، جزءًا متخيّلًا من مدينةٍ ألهبت خيال رواتها. في "راديوسيتي"، تظهّر الحلم. في نيويورك، في محيط ذاك المسرح، تجلّى الواقع. وبعيدًا من مكان ذاك المسرح وزمانه، في وسط ساحة البرج، قامت سينما "راديو سيتي" ببوابتين تتصلان بشارعين رئيسيين تطلّ من أولهما على سينما "روكسي" المقابلة لها من الجهة الغربيّة، ومن ثانيهما على سينما "أمبير" الموازية لها من الجهة الشرقيّة والكائنة على رأس مثلّث يضمّها وصالتي "متروبول" و"هوليوود".

القصدُ من فتح سيرة هذه الصالات ليس البحث عن أوجه الشبه بين "راديو سيتي" النيويوركيّة ونظيرتها البيروتيّة، أو إيجاد صلة أبوّة ما بين "روكسي" الأميركيّ ودار عرض تيمّنت باسمه في وسط العاصمة اللبنانيّة. يقيني أنّ سينمات بيروت ومسارحها وتاركي إرثها كانت أعجز من أن توفّر لمشاهديها قضاء بعض الوقت في صحبة الشاشة وظلالها والانتقال إلى عالم متخيّل منفصل عن واقعهم. كانت جزءًا متمِّمًا للواقع وليست فردوسًا للحالمين، مذ دنت من انهيارها دنوّ البلاد من حروبها وفاتحتها "حرب السنتين" في 13 نيسان (أبريل) 1975، كانت جزيرةً مقتلعة من مكان ما، مانهاتن ما، مانهاتن نيويورك، نعم مانهاتن ولكن تلك الجزيرة الغارقة في يأسها وعوزها ورعبها.

مع تراجع مستوى جمهورها وتصدّع بناها التحتيّة وتردّي آلات عرضها، نأت "راديو سيتي" و"روكسي" و"أمبير" و"هوليوود" عن صورتها المتخيّلة في ذهني لمانهاتن، هجرت جزيرتها. ككلّ أقليّة مهاجرة تلاقى أبناؤها وانتشروا وسكنوا فوق رقعة صغيرة في نيويورك واتّخذوها وطنًا بديلًا حمل تارةً اسم إيطاليا الصغرى وطورًا "سوريا الصغرى"، بدا لي مربّع "راديو سيتي" وأخواتها، في ساحة البرج، وبملصقات أبطالها السود والبيض من نجوم أفلام الفئة "ب" (B Movies) أميركا الصغرى: حدث ذلك ذات مرّة... في بيروت.
لطلب العدد الأوّل من البوابة التاسعة يرجى مراسلتنا على order@portal9journal.org ، مع اسم صاحب العلاقة وعنوانه البريدي ورقم هاتفه، وسيقوم أحد أعضاء فريق عملنا بالإجابة والتعاون.
المعلومات المطلوبة
    


شكراً لإرسال طلبكم للبوابة التاسعة