العدد 1 المتخّيل، خريف 2012
المطوِّف
جنيّة، ومنشار، وأموات رومانسيّون
coupons for prescription drugs read coupon prescription
فيديو لبشّار خطّار

يوقف فاروق عيتاني سيارة الأجرة التي يعتاش من قيادتها في شوارع بيروت، ليشير بإصبعه إلى مَسْكَن الجنيّة. يميل بجذعه على المقعد المحاذي لمقعد السائق الذي يملأه بجسمه الضخم، وتبدو طويلة سبّابته المندفعة من النافذة نصف المفتوحة، دالّةً إلى شجرة صنوبر منها اتخذت منطقة "الصنوبرة" اسمها.

هنا، كانت ترخي شعرها الأسود الطويل على أغصان نصف عارية، وتجزل ثدييها من بين الأكواز الصلبة. يكون الصبح في أوّله، والمصلّون يتقاطرون على الجامع القريب. هدفها أن تلهيهم عن صلاتهم. تناديهم إلى خطيئة صباح لم تكتمل خيوطه، لأن عينيها الخضراوين خير من النوم والصلاة معاً، تقول، وترفع خرقاً أثيرية بيضاء، فتنكشف ساقاها البضّتان. عفريتة طائشة هي التي جلبت على ظهر رفيق عيتاني قضيب خيزران استلّه أبوه فجأة وركض خلف الصبي في الشارع، بعدما أخبره إمام الجامع، عبدالله عيتاني الذي انتهى في آخر أيامه بائع فحم، أنه ضبط رفيقاً فجراً، يضاجع الشجرة، يضاجعها بكل قوته. كان ذلك في العام 1955، وخاف الأب كثيراً أن يجد نفسه، في وقت قريب، جدَّاً لطفل مسخ. فهذه الثمرة المعروفة لتلاقي الإنس والجن.

لم تفرج الأكواز عن مسخ، بل إن البلدية هي التي خانت الصنوبرة، فذوت. أما فاروق، فيلقي على جنّيتها تحية المساء في سرّه، ويضحك لصورة أخيه في ذاكرته، كلما مرّ بسيارته مصطحباً ركّاباً... لكن، كيف تبقى صبيّة هكذا؟ 

شريرة أشجار بيروت، واليوم قَلَّت. كانت أكثر وفرة، لكنها لم تتسم يوماً بالطيبة. لذلك هي أشهى، وساحراتها مثيرات. لا تلعب الخضرة الشحيحة في المدينة مع نسمة صيفية. بل تنادم، منذ قرون، غباراً، وطيوراً ميتة سلفاً، ومع ذلك تزقزق قدر ما يعينها الله على الزقزقة. مثل تلك العصافير، كان فاروق ذات زمن: شاب سليم الأسنان، يعلو الشعر رأسه، خريج قسم الأدب العربي في جامعة بيروت العربية -1971، لا يهمل قصّ أظافره، ويراقص قَدَره، حتى أردَته الأيام سائقاً متنوراً.

مجدداً، في "نزلة كاراكاس"، يوقف سيارته ذات الأسلاك المتمردة على "التابلو"، لتسترخي على سجيّتها، كأخطبوط معدنيّ سعيد، في فجوة المسجّلة المفقودة. مجدداً، سبّابته: شجرة "أم قصيص" واحدة من شجيرات ثلاث في "حي الثلاث قمحات"، يقول. ورغم الفرامل المشدودة في المرسيدس التي لم يُذبها تماماً رماد السجائر، وإن نالت من مقاعدها أوزان الركاب وسائقهم، تنزلق السيارة ببطء غير خطير على المنحدر الإسفلتي، كأنها تستعد لجولة تزلّج. من شجرة "أم قصيص" هذه، كانت تستخرج "قضبان الدبق" لاصطياد الطيور... هواية البيارتة وعملهم الإضافي إلى جانب صيد السمك وصناعة الفخار.

تعيش "أم قصيص" كما صنوبرة "الصنوبرة". يميزها فاروق، حتى يومنا هذا، في ذهابه وإيابه. ذراعه اليسرى التي سوّدتها شمس الأجرة، تتدلى من ناحية "أم قصيص"، في إشارة إلى سائق السيارة خلفه أن: تمهّل، سأصطاد زبوناً الآن.

قاتمة أشجار بيروت، خصوصاً في "كاراكاس" فاروق. عند كل غروب خلف البحر البنفسجي القريب، تتمدد ظلالها كطرحة أرملة غافلها هواء متوسطي، كيما تبلغ الرصيف المقابل، حيث ركن الخال سيارته يوم مقتله. قضى خال فاروق بالرصاص. وغطّى كيس داكن رأس أبي فاروق لمّا أعدموه مُداناً بالجريمة. "نزلة الإعدام" هي إذاً، طيوراً وشمساً وخالاً صريعاً. ربما "نزلة الحكايات". 

في رأس فاروق رواية لم ينجزها بعد. أوروبا قامت على الرواية، يقول. ليت العرب تترك الشِّعر لشأنه. في الخيال، ينتصب برج إيفل، أسفل المنحدر، قوائمه المعدنية مثبّتة على كتاب سميك كالذي تُسند به أبواب الغرف. سينتصب مثل هذا البرج لو أن السرد يسود، بدل الصفحات الخاوية إلا من حبر قليل وتُسمّى دواوين.

إلى اليسار الآن "بناية يعقوبيان" التي انتقل إليها "عمر مدوّر"، ذو الأصول الأندلسية، مع زوجته اليهودية يوجين، من بيتهما في الحمراء. كتب فاروق نصّاً، نشره في الجريدة، عن قصتهما التي يزعم أنها حقيقية، ولا يزعم أنه سينهي الرواية في وقت وشيك. قال له كاتب لبناني معروف إنه في حاجة إلى "شوية تزييت" قبل أن ينطلق في عالم الكتابة. فتشجع، وأطلق مدوّنته الإلكترونية التي زارها ستة آلاف شخص خلال الشهرين الأولين.

يروي فاروق تعارف عمر ويوجين في حيفا، ولا ينقصه لاستكمال حماسته سوى أن يهمّ بتلقّف البرتقال المتساقط نديّاً من شرفة شقتهما. برتقال حيفا. عاقر يوجين، واستبقاها عمر زوجةً لم يجبرها على اعتناق الإسلام. في نصّ فاروق، يقضي الثنائي في انفجار السان جورج الذي استهدف رفيق الحريري، ومعه سَيرَهما العجائزي على صفحة البحر المرصوف. ويخبر فاروق - الناصريّ مرة في "الحركة الوطنية" والعنصر تالياً في "المرابطون" - عن "ملهى فينوس" تحت البناية نفسها "وكانت أشهر من فندق الكارلتون". ما زال الوقت مبكراً على ضحكات الأشباح الساهرة، لكن الراوي يسمعها في عبوره من هنا، كل يوم، كَمَن يفي نذراً قطعه على طول العمر وعرضه. ويرى الرواد أيضاً: بنطلونات الرجال الواسعة عند القدمين، فساتين النساء المزركشة القصيرة تعلوها رؤوسهن بتسريحاتها العالية.

آوت "يعقوبيان" أيضاً قيادات فلسطينية، وما زالت مقرّ وكالة الأنباء الفلسطينية. مجسّم فلسطيني "يعقوبيان"، المهلهلة الآن، في بيروت لا تَنسى.

وفاروق، لمن لا يعلم، مشروع مليونير... أفلس قبل أن يحصد ملايينه. "شارع أبو خليل"، على ضفاف الروشة، يَشهد. قطعة الأرض، التي أنبتت أخيراً مبنىً وحشيّ الفخامة، تزيّنت في الماضي لبطلنا السائق بأوراق خضراء مختومة من المصرف المركزي الأميركي... ثم فسدت الحفلة. كان محمد عيتاني قد باع الأرض، العام 1923، لأستاذ في الجامعة الأميركية عاد إلى بلاده بعد سنتين وانقطعت أخباره. جاءت عائلة من آل الفاخوري وطلبت من العيتاني سُكنى الأرض. بنت بيتاً صغيراً، من غرفة واحدة، وزرعت الأرض حوله. قبل هجرة العائلة إلى ليبيا، العام 1975، أُعطي البيت إلى رفيق عيتاني، عشيق الجنيّة، وهو أخو فاروق من غير أمّه. رغبت شخصية لبنانية مرموقة في شراء الأرض، وكشف السؤال هنا وهناك أنها "بلا صاحب". نائب أرمني في البرلمان قال للشاري الولهان: مرادك عندي. لفّ ودار، راح وجاء، حتى استحصل على ورقة من ورثة أستاذ الجامعة بتجيير الأرض إلى الشريكين: النائب ورئيسه. لكن ملاعين "الأحداث الأهلية" شمّوا الخبر، فغرسوا في المكان تاجر سيارات مستعملة، قبل أن يؤول الكنز المرصود إلى شقيقة سياسي ما زال فتّاكاً، منذ الحرب، وبكامل أناقته. فنَمَت بسرعة بناية دولوكس، سعر الشقة الواحدة فيها بملايين الدولارات.

ما زال فاروق ينتعل جزمة الحرب الأهلية. يفكر بها. كان في وسعه جلب "الطابو"، تزويره إن اقتضى الأمر. "لست قديساً" يقول، "أنا أيضاً كان عندي معارف، وكانت الدنيا فوضى، لكنني أهملت الموضوع ولم أستمع إلى أخي". تباً للحظ. اللعنة على لامبالاة الشباب. يضرب فاروق الضخم رأسه بالمقود: "كنت أصبحت غنياً.. كنت أصبحت غنياً!". لا تني أوراق "البنك نوت" تحوم حول البناية الفقيدة، كإعصار مكتوم في أنفاس السائق العمومي، زلزال مشتهى كاد يضرب حياته فيقلبها رأساً على عقب، لكن التراب الذي ينبت ذهباً ابتلع الزلزال.

بيروت في حاجة إلى منشار كبير، يفصلها عن الجمهورية اللبنانية التي لم تتصالح يوماً مع عاصمتها. هكذا يتصوّرها المتجوّل الدؤوب في سيارته الهرمة. لو أن عندنا دولة، وأرادت هذه الدولة بيروتَها، لوحّدت بلديات العاصمة.

من كلامه تخرج المدينة صورةً قصّها مراهق من مجلّة ليلصقها على باب خزانته. امرأة جميلة، وقد أنقذها من صراصير الورق، ليدخلها أحلام يقظته. 

ينشر فاروق بيروته كل يوم. يغافل شوارعها الرئيسية، مفضلاً الأزقّة، حتى المخردق منها بالحفر. لا ينتمي إليها إلا بالتحايل على مخططها الرسمي. فهو الذي يعرف رأس بيروت كباطن كفّه، من قبل أن تُشقّ طرقات عريضة وتُعبّد بالزفت. 

في "الطريق الجديدة" عاش فاروق من العام 1957 وحتى العام 1973. "الطريق الجديدة: أولها دار للأيتام وآخرها دار للعجزة"... وما بينهما تعايش يندثر فوق الأرض، ويكمل مساره تحتها. أول وآخِر، والوسط غابة يافطات وسيارات ومحلات تبيع الحلويات وساندويشات "كُلْ ومُتْ". الأرجح أن للأمكنة وشخوصها والأشياء، صورتان. واحدة أمام العين. وأخرى خلفها، في مؤخرة الجمجمة. الطريق الجديدة، تحت صلعة فاروق، "جبّانة" كبيرة، مختلطة. فيها مقابر للبنانيين السنّة والشيعة، ومقابر للفلسطينيين أيضاً. خلف عيني فاروق، المقابر مسقوفة بألواح التوتيا، إذ لطالما اعتقد الأحياء بأنها تحمي الأموات من الحرّ والمطر. فالميت يخرج من قبره ليلاً، يجلس قرب الشاهد الرخامي، ويبكي على نفسه.

في كل مساء، يبصق أبو فاروق تراب حرش بيروت، ويخرج إلى رُخامته. لعله لا يبكي. من الصعب التفكير في أبي فاروق باكياً. الأدق أنه يتأمل السماء السوداء من ثقب في سقف التنك، منصتاً إلى النجمة الوحيدة التي يتبيّنها. يمدّ يده متلقفاً قطرات المطر في الشتاء، فتخترق الكفّ الهوائي مكملةً طريقها لريّ القبر الخاوي. ابنه يوصي بأن يدفن معه. لا يتخيل نفسه جثة تعسة في مكان آخر. في حفرة أخرى ربما يصبح جيفة! أما أولاده، أحفاد رجل النجمة، فليُدفن كلٌّ منهم في مكان إقامته. هم الذين تركوه. سافروا في اتجاهات الكوكب الأربعة. من الآن يشترط فاروق: "لا أريد أن يزور قبري أحد". يكتفي بالعشب العشوائي نهاراً، وبالعجوز الذي تشفّ يده عن المطر ليلاً. ويتوعد أبناءه بروحه تطاردهم إن لم ينفذوا وصيته.

Wall Against War... يقولها السائق بالإنكليزية. يجب أن تقتنع المدينة بنصيحته الحبّية ووصاياه. فهو الروائي وهي روايته العزيزة. لا يعرف المرء من أين تأتيه الضربة، لذلك يجدر بكل مواطن أن يسوّر بيته بجدار مضاد للحرب. هذا منطقه. نعم، مثل جدار برلين. "برلينات" مستَذكَرة، بيروت. فإذا اخترت شراء بيت أو بناءه في منطقة رأس النبع مثلاً، عليك أن تحسب حساب المعارك وتحمي نفسك. اليوم رأس النبع، وغداً ربما "كركول الدروز" أو "الحدث" أو حتى شارع الحمراء. لا بد للبيوت أن تشبه أصحابها. كيف تكون مفتوحة والناس منطوون على هوياتهم؟ أقفاص مؤمَّنة يجب أن تكون، والجدار جدران. فليعش كلٌّ في سيارته المصفّحة، أفضل. هكذا، يأخذها معه إن اضطر إلى الرحيل. 

يقود فاروق سيارة الأجرة باتجاه مبيتها في موقف على أطراف منطقة الحمراء. أترجّل شاكرة. لا حاجة إلى إيصالي إلى البيت، لكن كيف تذهب أنت إلى بيتك يا فاروق إن كنت ستترك السيارة هنا؟ لن يفعل. سيجلس مع ناطور الموقف في كُشكه. ترك عنده الكومبيوتر المحمول. سيدخّن معه نارجيلة ويستعرض صفحته على "فايسبوك" أو ربما يكتب شيئاً على مدوّنته التي لم يقتصد في الشعار الذي دبّجه لها: "لبنان وطن نهائي لمواطنيه، لا جسر ولا رسالة... مدونتي مرآتي، قلقي، أحلامي، ذاك الإنسان بداخلي".

لطلب العدد الأوّل من البوابة التاسعة يرجى مراسلتنا على order@portal9journal.org ، مع اسم صاحب العلاقة وعنوانه البريدي ورقم هاتفه، وسيقوم أحد أعضاء فريق عملنا بالإجابة والتعاون.
المعلومات المطلوبة
    


شكراً لإرسال طلبكم للبوابة التاسعة