العدد 1 المتخّيل، خريف 2012
مراسلات
عَمّان المتخيّلة والغريبة غربة غلوب باشا في إمارة شرق الأردن
إنها المدينة التي ما إن نهم بزيارتها حتى تقول لنا السياسة إنها مضجرة ورتيبة. هكذا من دون مقدمات ولا أسباب
عن المؤلّف

-          حازم الأمين، صحافي وكاتب لبناني. آخر إصداراته "السلفي اليتيم" (دار الساقي، بيروت، 2010).

العدد الحالي
الغابة، خريف 2014
المقالات
المراجعات


أطلب الآن
أرشيف
جميع المقالات
جميع المراجعات
أعداد سابقة
السَّاحة
سرد: كتابات عربيّة وروسيّة معاصرة
المتخّيل
1 2 3 4 5 

أليس غريباً أن لا أحد من سكان عمّان اليوم والذين يبلغ عددهم نحو مليونين يدعي انه عمّاني باستثناء قلة من الشركس الذين كانوا أول القادمين إلى المدينة في العقد الأول من القرن المنصرم؟ لكن هؤلاء تُضعف كنيتهم عمّانيتهم على نحو جلي. فهم الشركس الذين قدموا من القوقاز البعيد، فكيف يكونون عمّانيين، في حين يتردد سكان المدينة القادمون إليها من مدينة السلط، التي لا تبعد عنها أكثر من 30 كيلومتراً، في القول أنهم عمّانيون. ولا تزال عمّان إلى اليوم مدينة غرباء، وهي بذلك مدينة أكثر من أي مدينة عربية، على الرغم من أنها تكف عن كونها مدينة في لحظات أخرى كثيرة أيضاً. نعم إنها مدينة غرباء لا يحبونها ولا يطيقون العيش في غيرها. لا شيء فيها يشبههم، وكم يبدو مغرياً لهم ذلك. البدوي من الشرق تبدو له المدينة امرأة غريبة يشتهيها لكنه لا يبلغها. والفلسطيني من الغرب هي ملجأه الذي ولد فيه ولا يعرف غيره، لكنه لا يكف عن شتمه.

وعمّان لم توفر السياسة جانباً منها إلا وأشبعته حباً وظلماً في آن. إنها المدينة التي ما إن نهم بزيارتها حتى تقول لنا السياسة إنها مضجرة ورتيبة. هكذا من دون مقدمات ولا أسباب. نعم السياسة، بصفتها حدثاً وموقفاً مرتجلاً ومتسرعاً، لا بصفتها قدرة على بناء وجهة في القول والفهم والاستنتاج. عمّان مضجرة، إذاً هي مضجرة، وأي محاولة للنقاش فذلك يعني تواطؤاً مع الضجر وقبولاً به. الادعاء قوي وغير صحيح إلى حد لا يمكن الوقوف في وجهه. كما أنه قوي إلى حد أنه أقنع سكان عمّان بأن مدينتهم رتيبة ومضجرة على الرغم من أنهم ليسوا ضجرين فيها.

 "مدينتنا مضجرة، نعم قد تكون مضجرة، لكنني لست ضجرة فيها، وبعد أن عدت من نيويورك اكتشفت أنني لا استطيع العيش في غيرها" هذا ما قالته لي لينا عجيلات محررة موقع "عمون" الإلكتروني، وهي لم تقله كجواب عن سؤال غبي، قد يُظن أنني طرحته عليها، بل قالته من تلقائها، وكأنها تجيب عن طرحه عليها آلاف المرات من جانب أصدقائها العرب وغير العرب ممن يقصدون عمّان ليضجروا فيها.

والحال أن آلافاً من العمّانيات والعمّانيين الجدد ممن كفوا عن القبول بما ألصقته عقود "النضال والجهاد والممانعة" بمدينتهم من سمعة ليست الرتابة أكثرها سلبية، هم اليوم هائمون في الكثير من أحياء المدينة مقلبون وجوهها الكثيرة ومعيدون التأمل والتفكير في معاني انقضاء الزمن على الأحياء والبيوت، وفي الآثار التي خلفتها الحقبات السياسية والاجتماعية المختلفة على وجوه أهلها وعلى أمزجتهم. ففي أول المساء قد تصادف صفاً طويلاً من المشاة شباناً وشابات مرتدين ستراً تتوسطها بقع فوسفورية لتنبيه السيارات إلى ضرورة احترام المشاة، ويهدفون من وراء مشيهم الصارم في أحياء المدينة تذكير السكان بأن طقس المشي هو دأب أهل المدن، وهو أمر يكاد ينساه العمّانيون لأسباب كثيرة. كما أنه صار من الممكن اليوم لزائر عمّان أن يُنزه "ضجره" في شوارع أعيد تجديدها، وها هي اليوم تسعى لاجتذاب شرائح من الشباب ليمضوا ليلهم فيها، فتنجح أحياناً وتفشل في أحيان أخرى، والنجاح والفشل غير متصلين بأمزجة هؤلاء الشباب وإنما بقدراتهم على تسديد الأكلاف المرتفعة التي يتطلبها ارتياد المقاهي والمطاعم في هذه الشوارع الجديدة. أما من يشعرون بأن المدن ليست مدناً من دون ضائقة فنية ومن دون شذاذ آفاق يلونونها بأخطائهم وشططهم، فها هم فتية عمّان الجدد يتعاملون مع ضائقاتهم عبر عروض في الشارع، ومسارح للتجريب وموسيقى متجولة وشاذة.

لكن هذا كله لا يُغني عن العودة إلى أصل سوء التفاهم بين عمّان وبين أهلها وزوارها، ذاك أن تلك السمعة ما زالت تثقل على المدينة آخذة من طريقها الحق في أن تكون غير مضجرة ولا رتيبة.

وعلى نحو ما هي ولادة المدينة سياسية، لا تخلو السمعة المتولدة عنها من عمق وجوهر سياسي أيضاً، ذاك أنها (أي السمعة) تأسست على وقائع سياسية. فعمّان قبل العام 1970 ليست عمّان ما بعد العام 1970. انه العام الذي طرد فيه الأردن منظمة التحرير الفلسطينية من المدينة ومن كل المدن الأردنية، فانتقلت المنظمة من هناك إلى بيروت، وفي الأخيرة امتزج انفتاح المدينة الاجتماعي بانفتاح على الضائقة الفلسطينية، وأضيفت إلى بيروت سمعة جديدة تتمثل في احتضانها القضية، فاشتعلت سمعتها مضيئة الوعي الشقي لأجيال من العرب، حتى انفجرت بأهلها.

اما عمّان التي رضيت بسمعة سيئة، فبدت أقرب إلى كهل يُقدم العقل على المغامرة وعلى المتعة العابرة التي سقطت بيروت في فخها. فكم يبدو مضجراً ورتيباً ما أقدمت عليه عمّان حين طردت الفدائيين السمر من أحيائها مفضلة العيش هكذا من دون قضية ولا موسيقى ولا أوهام. وهذا الكلام ليس ترميزاً بعيداً لما كان يجري في ذلك الزمن. ففي كتابه "أفضل الأعداء" يتحدث القيادي الفلسطيني بسام أبو شريف عن عمّان قبل العام 1970، فتشعر عندما تقرأ بأنه يتكلم عن بيروت وليس عمّان. وحين يصف الأحياء ومراكز الأحزاب والنساء والمخابرات الإسرائيلية المُجدّة في العمل على تفخيخ القواعد العسكرية، تختلط الأزمنة في ذاكرتك أنت الذي شهدت فصولاً من تجربة هذه الأحزاب في أحياء بيروت. ثم إن ذاكرتك الموسيقية "الثورية" مثلاً تردك أثناء قراءتك الكتاب إلى عمّان في زمنها البيروتي، فإذ بأغنية "وحدنا الدم يا كرامة" التي لطاما أشعلت حماستك انما كتبت في عمّان وليس في بيروت، والكرامة هو المخيم الفلسطيني فيها، ولتكتشف أيضاً أن حكايات الفدائيين في جنوب لبنان في سبعينات القرن الفائت، ليست سوى أصداء ضعيفة لحكاياتهم في غور الأردن.

كل هذا خسرته عمّان عندما طردت منظمة التحرير الفلسطينية، لكنها خسرت أيضاً القدرة الهائلة التي تمتعت بها المنظمة في مجال الدعاية والترويج، القدرة التي وصفها رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتانياهو في كتابه "مكان تحت الشمس" بـ"السلاح الوحيد الذي تفوقت فيه المنظمة على إسرائيل". ومنذ ذلك التاريخ، أي منذ أيلول العام 1970 تحولت عمّان في وعي كل من يمت إلى منظمة التحرير بصلة أو شعور أو قناعة إلى مدينة ملعونة.

نعم تحولت عمّان إلى ذلك، واستُعين على الترويج لهذه السمعة بآلة إعلامية هائلة بدءاً من "صوت العرب" في القاهرة ومروراً ببيروت التي كانت عاصمة الإعلام العربي في حينها، ووصولاً إلى كتّاب وصحافيين يساريين غربيين استعانوا على عمّان بنفوذهم في صحفهم هناك. فصورت على انها مدينة "رجعية"، وهو ما عنى به هؤلاء موقفها من منظمة التحرير، ليس ما كان يسود عيش أهلها من أذواق وأنماط عيش. ففي ذلك الوقت، في سبعينات القرن الفائت، كانت عمّان تحث الخطى في تبديل أنماط عيش أهلها، وكانت المدينة الرياضية فيها مكاناً يُبدل فيه أهلها تقاليد أهلهم، وكانت الطبقة المتوسطة الواسعة سائرة نحو الموديل "البيروتي". ففي ذلك الوقت تحولت المدينة الرياضية في عمّان إلى مكان تقصده الفئات المتوسطة فتختلط ووتشارك وتستدخل أنماط عيش جديدة. وهذا ما تفتقده عمّان اليوم إلى حد كبير.

لا شك في أن أثراً من هذا ما زال يسود وعي كثيرين بعمّان اليوم. ثم إن المدينة لم تُزِل سوء تفاهمها مع سكانها الفلسطينيين، أو مع سكانها من أصل فلسطيني، وللتكرار هنا وظيفة في عرض ضائقة عمّان مع أهلها. فنادراً ما يُصادفك شخص في المدينة يقول إنه من أبنائها، وللجميع فيها أصول أخرى تُقدم عليها في تعريف السكان أنفسهم.

وهذا ما يقدم لعرض الوجه الآخر من مأساة الضجر والرتابة العمّانيين. فالجواب الفلسطيني عن سؤال المدينة المتعلق بمدى مساعدة السكان، الذين يبلغ الفلسطينيون منهم نحو 90 في المئة، على التخلص من هذه السمعة، لخصته راغدة المهندسة الاردنية من أصل فلسطيني والمولودة في عمّان والتي درست فيها الهندسة، عندما قالت "أنا لا أعرف إلا عمّان بلداً ومدينة لي. لكنني كلما ذهبت إلى دائرة جوازات السفر في وزارة الداخلية يُشعرونني بأنها المرة الأخيرة التي يجددون لي فيها جواز سفري، فكيف لي أن أحب مدينة هي لا تحبني ولا ترحب بي"!

ليس ما قالته راغدة انفعالاً عابراً، إنه حقيقة تثقل على المدينة وعلى نصابها الاجتماعي والعمراني والاقتصادي. علاقة الأردنيين من أصل فلسطيني بمدينتهم تُثقل على عمّان تماماً كما تُثقل هي على هؤلاء السكان. سوء تفاهم يبدو جوهرياً ولا فكاك منه، وزائر المدينة لن ينجو كل مرة من ترداده. فهم (الأردنيون من أصل فلسطيني) نحو تسعين في المئة من السكان، حيث يبدو القول إن عمّان مدينة فلسطينية صحيحاً إلى حد ما.

وكم يبدو انفعال راغدة محقاً إذا ما قيس بما خلفته آلة "منظمة التحرير" من سمعة سيئة للمدينة. فعمّان حياله في مأزق لا فكاك منه على الاطلاق، ذاك أن الأردنة الكاملة للفلسطينيين في المدينة أمر لا تستحبه عمّان، لكن أيضاً أمر لا يستحبونه هم أنفسهم. المدينة لم تقدم لهم عرضاً، وهم بدورهم لم يعرضوا بنوّتهم الكاملة عليها. وهذه المعادلة هي المضمون الفعلي للعمّانية، اجتماعاً واقتصاداً وسياسة وانتخاباً. المضمون المنبعث دائماً في كل محطة عامة وخاصة، فمعادلة فلسطيني – شرق أردني هي الجوهر الذي يكاد يكون وحيداً لكل شيء في المدينة. والغريب أن طغيانه على الأمزجة والأذواق والخيارات بقي عاماً ولم يشمل خيارات شخصية مثل الزواج والسكن والعمل.

التجوال في عمارة عمّان يخلف فيك انطباعات لا تنفصل عن الأزمنة التي انعقدت فيها معضلات المدينة مع أهلها. هدوء العمارة ناجم عن قدرة الدولة في الأردن على ضبط هذا الاضطراب في سياق فرز اجتماعي وسكاني واضح وجلي. فالأزمنة العمّانية، وكلها ليست بعيدة، تبدو مندرجة في عمارتها على نحو مباشر وقليل التعقيد. في وسط عمّان أقام الشركس منازلهم في بداية القرن الفائت وفي جبل عمّان سكنت عائلات موسرة قدمت من فلسطين قبل النكبة، ثم وصل اللاجئون الفلسطينيون فتوزع الأغنياء منهم في أحياء بين الدوارين الثاني والثالث، أما الفقراء فقد خصصت لهم مخيمات. ثم جاءت الدفعة الثانية من اللاجئين بعد هزيمة العام 1967، فطافت المدينة بفائضهم ونشأت معظم أحياء عمّان الشرقية.

الغريب أنك ما زلت تسمع في هذه البيئة العمرانية أصواتاً من الزمن الذي انعقدت فيه. ما زال لدبيب حياة العائلات الفلسطينية الموسرة أثر حول منازل تغيرت وجوه قاطنيها بعد ان أورثها جيل الآباء النازحين إلى جيل الأبناء الذين صاروا عمّانيين بالكامل. ثم إن عمّان هذه نشأت قرية وجذبت مع الشركس عائلات شامية وأخرى نابلسية، وهؤلاء صاروا المواطنين الأُول في إمارة شرق الأردن من غير بدو الشرق، فكان أن شكلوا نواة اجتماعية هي اليوم المادة الأولى التي يتذوقها المرء في تجواله في المدينة. ويقول سعيد بك ملحس في كتابه "الاتجاه نحو العمران في عمّان": "استوطن منذ قرن تقريباً مئات من الشراكسة... أرضاً تجاور نبع مياه صافية فحرثوا الأرض وشربوا الماء وبنوا نيفاً ومئة بيت من طين وقصب وخشب ملاصقاً بعضها بعضاً، فدب دبيب الحياة في هذه البقعة من الإمبراطورية العثمانية... ولفتت تلك القرية الصغيرة فضول تجار نظروا إليها نظرة استغلال وفائدة من الغرب أولاً ومن الشمال ثانياً، فهاجر إليها عدد قليل منهم قادمون من نابلس وعدد آخر من دمشق الشام، فأخذ هؤلاء يتاجرون ويبيعون... حتى أصبح في عمّان خمسة دكاكين، فأصبحت عمّان النابلسية - الشركسية - الشامية".

ليس هذا الكلام ببعيد، فنحن نتحدث عن قرن من الزمن، قرن من عمر المدينة، هو كل عمرها تقريباً. ولهذا فإن الجدران والشرفات والحدائق، كما الوجوه، ما زالت تحمل أثراً منه. الرجل العجوز قوي البنية المرتدي كوفية وعقالاً وفي الوقت نفسه بدلة حديثة وربطة عنق، هو شيء من هذا الذي انعقدت عليه عمّان. الأسماء والكنيات بدءاً بجبل اللويبدة وجبل عمّان ووصولاً إلى شارع الرينبو، كلها خليط في مدينة قامت على انزياح اجتماعي وديموغرافي طفيف وغير جوهري. فواقعة انتقال عائلات من نابلس ودمشق إلى عمّان القرية، لم يكن حدثاً جللاً. ومجيء الشركس حصل بالهدوء نفسه. ثم إن العلامات التي خلفتها إقامة هؤلاء بقيت في ذاكرة العمّانيين علامات على إقامة أفراد وعائلات، لا جماعات ووجدانات عامة. ففي عمّان القديمة اليوم لا ملامح عمرانية عامة، إنما وحدات خاصة. ليس للحي قوام ونسق، إنما هناك منازل مستقلة تحمل من هويات أصحابها علامات وأذواقاً. هناك منازل مقتطعة من زمن هو غير زمن المدينة. مركز الحزب الشيوعي الأردني في شارع الرينبو في عمّان هو عبارة عن منزل مستقل لا يتصل بزمن المدينة ولا بوتائر حياة أهلها. ثمة من أسقط المنزل على هذه الرابية، وهو اذ ارتفع عن الطريق المحاذي والمنحدر نحو عمّان القديمة، إنما فعل ذلك تحفظاً وحذراً. فهو بيت الحزب الشيوعي الأردني، وهل من توتر أوضح من التوتر الذي يحدثه سكن هذا الحزب في جوار عائلات غريبة وقادمة من مدن بلاد الشام.

للبيوت تواريخ في المدينة وليس للشوارع والأحياء، ذاك أن الغرباء الذين أقاموا فيها بتحفظ جعلوا يبثون فيها حيواتهم الخاصة مكيفين أنفسهم مع ما تمليه حياتهم الجديدة فيها من صمت وبطء وانكفاء. ومن أشهر منازل عمّان الخاصة، منزل العارف 1923 ومنزل المرتضى 1925 ومنزل التاجي 1927 ومنزل غنما 1927 ومنزل فراج 1928 ومنزل الشريف شاكر 1928 ومنزل القسوس 1929 ومنزل فريج 1935 ومنزل الصباغ 1935-1942. ولعل العائلات التي تحمل هذه المنازل أسماءها تؤشر إلى أن المدينة غنما انبثقت عن مجتمع الغرباء القادمين إلى الإمارة من مدن الجوار الشامي.

ووسط عمّان هو نواتها التي لم تعد نواة اليوم. فالمدينة استمرت في استقبال الغرباء على نحو شتت مركزها. وهي إلى اليوم تتولى هذه المهمة، وتراكم غرباء عنها. وهؤلاء ليسوا النازحين الفلسطينيين فقط، فللعراقيين اليوم أحياؤهم ومطاعمهم. وللسوريين أسواقهم ومتاجرهم. وجميع هؤلاء كفوا عن كونهم فلسطينيين وعراقيين وسوريين، لكنهم لم يتأردنوا أو لم "يتعمّنوا". الفلسطينيون منهم صاروا أردنيين من أصل فلسطيني. والسوريون هم أخوان مسلمون فقط. والعراقيون هم أغنياء العراق لا مواطنوه الذين نشاهدهم على التلفزيون.

صحيح أن هذه عمّان الواقعية، لكنها أيضاً عمّان المتخيلة، تلك التي أدت وظائف سياسية على مر تاريخها القصير. أما المضمون الاجتماعي لهذه الوظيفة، فقد بقي محفوفاً بوقائع خارج المدينة وخارج الأردن. وهذا مرد القول إنها عمّان المتخيلة، اذ أننا فيها حيال أناس غرباء يلف الغموض إقامتهم. منازلهم متصلة بأذواق مدنهم التي قدموا منها، وكذلك وجوههم وأسماء عائلاتهم وسحنات أطفالهم.

لكن عمّان المتخيلة هذه تعيش في عمّان الواقعية الخشنة والبدوية أحياناً، فتجري السياسة بين العمّانيين جريان نهر بين ضفتين. تشابه قاتل وتنافر جلي وصريح.المدينة اليوم مأخوذة بما أخذت به المدن العربية من ثورات وانتفاضات، لكنها، وأثناء تفكيرها بنفسها، أعادت الكرة وأيقظت معضلة الهوية. فجوهر الحراك الأردني اليوم يقوم على مسألتين، الفساد في الإدارة، وقانون انتخابات يعيد تصويب تمثيل الأردنيين من أصل فلسطيني في البرلمان وفي الحكومة.

للفساد في الإدارة صلة بنواة المأزق. ففي السنوات العشر الأخيرة قامت الدولة ببيع جزء من القطاع العام إلى القطاع الخاص ضمن برنامج خصخصة شامل. ولّد ذلك شعوراً لدى الشرق أردنيين أن الحكومة تبيع دولتهم وأملاكهم إلى غيرهم، وتضررت شرائح شرق أردنية واسعة من هذه العملية. وهذا هو جوهر الحراك في مدن شرق النهر.

قانون الانتخابات بدوره سيعيد تصويب التمثيل الفلسطيني على حساب النفوذ الشرق أردني، وهنا أيضاً تنبعث الهوية مأزقاً في الثورة الأردنية.

وهذا ليس ابتعاداً عن عمارة المدينة وعن اجتماعها واقتصادها. فهذه هي عمّان التي لن تكف عن كونها مدينة غرباء تؤويهم الهاشمية في نظامها وتبقيهم غرباءها. تماماً كما هي غريبة في هذه البادية غربة غلوب باشا الجميلة في إمارة شرق الأردن. نعم غلوب باشا الضابط الإنكليزي الذي جاء مستعمراً والذي أبقاه الأمير عبدالله الأول بعد مغادرة الجيش الإنكليزي، ليتولى تأسيس حرس البادية الذي صار لاحقاً "الجيش العربي". فبقي أثر من الرجل في وجدان الجندي الأردني، وانتقل هذا الأثر إلى الشخصية الأردنية. علماً أن الأخيرة كائن افتراضي مشكل من عناصر لم يسبق أن اختُبر اجتماعها في شخص واحد. إنه ذلك الرجل مستقيم القامة ونحيفها مرتدياً غترة سوداء وعقالاً وبدلة وربطة عنق، ومباشراً حديثه بعبارة "يا سيدي". إنّه تمامًا ما خلّفه غلوب باشا في الرجل البدوي.

غلوب باشا، أو "آخر الباشاوات" على ما لقّب، له أثر ثابت في موديل الرجل العمّاني. إذ أننا في حالته حيال ما اقترحته الهاشميّة على البدو من محاولة إقامة صلح بين الصحراء وبين مستعمريها القدماء. فغلوب باشا هذا، هو قائد الفيلق العربي في معركة القدس، وهو من سجّل في تأريخ الإسرائيليين لهذه المعركة، النصر العربي الوحيد والضيّق إبّان النكبة الكبرى. غلوب هو من جعل اللغة الإنكليزيّة على هذا القدر من الفصاحة والفخامة عندما ينطق بها بدويّ سابق من أبناء الجيل العمّاني الثاني، جيل الملك حسين. أليس غلوب باشا الغريب الأوّل في مدينة الغرباء هذه؟
مخيّم الوحدات للاجئين الفلسطينيين في عمّان. تصوير تمارا عبد الهادي.
شارع في مخيّم الوحدات. تصوير تمارا عبد الهادي.
الدوّار الخامس كما يظهر من فندق الشيراتون. تصوير تمارا عبد الهادي.
لطلب العدد الأوّل من البوابة التاسعة يرجى مراسلتنا على order@portal9journal.org ، مع اسم صاحب العلاقة وعنوانه البريدي ورقم هاتفه، وسيقوم أحد أعضاء فريق عملنا بالإجابة والتعاون.
المعلومات المطلوبة
    


شكراً لإرسال طلبكم للبوابة التاسعة