العدد 1 المتخّيل، خريف 2012
خُطط
"شاسعة ومؤاتية، ومحاطة بكلّ ما يلزم": جنوب السودان وعاصمته الجديدة
بالنسبة إلى بعض سودانيي الجنوب، يمثّل البحث عن عاصمة جديدة مسعىً لإيجاد أرضية مشتركة بين الإثنيات المتعددة، لكنه، عند آخرين، مجرد استمرار للصراع الإثني.
عن المؤلّف
ليبين مورو، مدير العلاقات الخارجيّة وأستاذ مساعد في جامعة جوبا، جنوب السودان.
العدد الحالي
الغابة، خريف 2014
المقالات
المراجعات


أطلب الآن
أرشيف
جميع المقالات
جميع المراجعات
أعداد سابقة
السَّاحة
سرد: كتابات عربيّة وروسيّة معاصرة
المتخّيل
1 2 3 4 

في التاسع من تموز (يوليو) 2011، تقاطر عشرات الآلاف إلى "ساحة الحرية" في جوبا، راقصين ملوحين بالأعلام، احتفالاً بأحدث دولة في العالم: جنوب السودان. والاحتفالية التاريخية، في المدينة التي اختيرت عاصمة للأمة الجديدة، أعلنت أيضاً الدولة الإفريقية السادسة عشرة التي لا تتمتع بمنفذ على البحر، الدولة الأفقر في العالم. وعلى رغم اتهامه بالتغاضي عن عقود من الحرب الأهلية في السودان الجنوبي، شهد المجتمع الدولي، ممثلاً بأمين عام الأمم المتحدة بان كي مون وآخرين، على ولادة دولة جديدة حظيت ببركته1. استمرت الاحتفالات بعد رحيل الضيوف الدوليين، ثم حان الوقت كي يحوّل البلد الناشئ اهتمامه إلى ذاته. وإثر تحقق الاستقلال، لم يكن أمام قادة جنوب السودان مفر من الالتفات إلى الصراعات الداخلية التي لطالما تجاهلوها لمصلحة جبهة موحدة في مواجهة الحكومة السودانية في الخرطوم. أصبح جنوب السودان دولة، لكن التوتر بين مجموعاته الإثنية يهدد هذا المكسب. ولم يكن قد انقضى سوى أسبوعين على إعلان الدولة حين أعلن قادة جنوب السودان أول اقتراحاتهم للوحدة الداخلية: بناء عاصمة جديدة على ما يبدو أنه مساحة نظيفة. وأُعلن أن جوبا ستقوم مقام عاصمة موقتة إلى أن تكتمل المدينة الجديدة، رامسيال.

جوبا، اليوم، أكبر وأغنى المدن في جنوب السودان، تستوي على ضفة النيل الأبيض، على مسافة تقارب المئة كيلومتر من الحدود الأوغندية، وعلى بعد أكثر من ألف كيلومتر من الخرطوم التي باتت عاصمة دولة أخرى. يسهل وصف جوبا بأنها أكثر مدن الجنوب السوداني تقدّماً من حيث البنى التحتية ووسائل الراحة، لذلك لا يقتصر دورها على وظائف العاصمة، بل هي أيضاً الوجهة الأبرز للمستثمرين في جنوب السودان. فيها المقرّات الرئيسية لغالبية المصارف والمنظمات العاملة في البلد الجديد، بما في ذلك الأمم المتحدة. غير أن جوبا تجهد لتأمين مقومات بنية تحتية حديثة، وبالكاد تتمايز عن سائر البلدات والقرى في جنوب السودان. الأبنية الدائمة، غالباً، حكر على الدوائر الحكومية، والطرق المعبّدة ما زالت نادرة. المياه الجارية والكهرباء خدمتان غير مضمونتين.

في التاريخ القريب، لطالما تأرجحت هوية جوبا. فخلال الحكم البريطاني - المصري للسودان، كانت المدينة عاصمة إكواتوريا، واحدة من ثلاث مقاطعات جنوبية2. وازدهرت المدينة إلى حد ما بفضل التجارة عبر النيل الأبيض. غير أن تشكّل الأمة أبقى على اللااستقرار في المدينة. حتى قبل استقلال السودان عن بريطانيا ومصر العام 1956، آوت الولايات الجنوبية مقاومة عنيفة للشمال. أي أن السودان عانت الحرب الأهلية من قبل توحّدها الموجز. وحال الاحتلال العسكري من قبل حكومة الخرطوم لجوبا، دون تحوّلها محوراً لثورة الجنوب، بل أصبحت منطَلقاً لعمليات عدائية ضد الثوار الجنوبيين الذين عسكروا خارج المدينة.

انتهت الحرب الأهلية العام 1972، وبأثر من الهدنة أصبحت جوبا عاصمة المنطقة الجنوبية ذات الحكم الذاتي. ومع بداية الحرب الأهلية الثانية العام 1983، أعادت قوات الخرطوم احتلال جوبا. لمقاومة الشمال، كان الدكتور جون قرنق ديمابيور، المنتمي إلى أكبر المجموعات الإثنية في جنوب السودان، "الدينكا"، قد جمع العديد من الإثنيات السودانية الجنوبية (وبعضاً من تلك الشمالية) في هيكلية موحدة، أي جيش التحرير الشعبي السوداني. امتدت الحرب الأهلية الثانية حتى العام 2005 واكتسب جنوب السودان استقلالية إضافية كجزء من اتفاقية السلام. كان مفهوماً أن قرنق سيستمر في قيادة جنوب السودان، إما في اتجاه وحدة وسلام مع الشمال، أو نحو استقلال كامل بحسب نتائج استفتاء كانون الثاني (يناير) 2011. غير أن خطط قرنق أحبطت بوفاته في حادث سقوط طائرته المروحية، بعد أسبوعين من توليه منصب النائب الأول للرئيس السوداني ورئيس جنوب السودان،. لكن تطلعاته في خصوص جنوب السودان ما زالت الإطار للدولة الجديدة. نظمت الاحتفالات بإعلان الدولة العام 2011 بالقرب من ضريحه، إلا أنه كان يقف، منذ زمن، على مسافة من المدينة، إذ دعم فكرة إنشاء عاصمة جديدة.

إعادة التقسيم... مجدداً؟

وتعود جذور الصعوبة في صعود جوبا كعاصمة لجنوب السودان إلى قرارات الخرطوم توزيع الأراضي استناداً إلى حسابات إثنية قبل الحرب الأهلية الثانية. في العام 1982، أطلق الرئيس السوداني جعفر النميري3 إحدى أشهر سياساته المبنية على مبدأ "فرّق تسُد". ففي إطار ما بات يعرف بالـ"كوكورا"، أعاد تقسيم الجنوب السوداني إلى ثلاث مقاطعات – إكواتوريا، بحر الغزال، والنيل الأعلى – ولكل منها إدارة مستقلة تحت إمرة الخرطوم. وعلى الرغم من الترويج لهذه السياسة على أنها تقرّب الحكم السياسي من الشعب، فإنها، فعلياً، شظّت جنوب السودان. وتبين أن المعنى الحقيقي للحكم المحلي يتمثل في عودة السودانيين الجنوبيين "إلى مساقط رؤوسهم، ما تسبب في طرد العديد ممن لا ينتمون إلى إكواتوريا من جوبا"4. أُبعد كل من ليس من جوبا، وتحديداً أولئك المنتمين إلى إثنية الـ"باري"، إلى مناطق جنوبية محدودة الإمكانات في ما يتعلق بالبنى التحتية وفرص العمل. وأدّت هذه السياسة، التي ظهّرت التباينات الإثنية، إلى الحدّ من أي اختلاط إثني كان قائماً قبل الـ"كوكورا"، ما أفسح المجال أمام انحياز اقتصادي إلى الـ"باري" المتمركزين في جوبا.

فشلت سياسة النميري في الحؤول دون توحّد إثنيات الجنوب السوداني في مواجهة الشمال. وبدلاً من العودة إلى مناطقهم الأصلية، بموجب الـ"كوكورا"، انضم الكثير من الجنوبيين المطرودين من جوبا إلى القوى الثورية. في المقابل، سمح القانون للباري" ومجموعات أخرى من جوبا ومحيطها باحتكار الفرص المدينية المتاحة في جوبا. أفرزت الامتيازات التي نالتها الـ"باري" على حساب إثنيات أخرى، استياء الأخيرة، ما عزّز الميول المناهضة للـ"باري" بين أعضاء الحركة الثورية. لم تفلح "كوكورا" النميري في لجم ثورة الجنوب، إلا أنها نثرت بذور المرارة والخلافات بين السودانيين الجنوبيين. وبحسب الكاتب في صحيفة محلية، مارك أوتواري أودوفا، أرست الـ"كوكورا" الأسس الراهنة "للبحث غير الضروري عن عاصمة لجنوب السودان"5.

استفادت إثنيات إكواتوريا، بمن فيهم الـ"باري"، من الـ"كوكورا" بأكثر من مجرد منفذ محمي على الثروات النسبية لجوبا. في المبدأ، حمت السياسة هذه، مصالح الإكواتوريين خارج حدود المدينة أيضاً، إذ هدّدت ماشية المجموعات الإثنية الأخرى، خصوصاً الـ"دينكا"، أراضيهم الزراعية وحقول الرعي. وإلى جانب زحف قطعان الماشية التي تملكها الـ"دينكا"، تمثّلت سطوة الأخيرين في هيمنتهم السياسية على جنوب السودان. ويفسِّر هذا التوتر الإثني أيضاً لماذا ترددت جماعة الـ"باري"، وغيرها من الإكواتوريين، في الانضمام إلى الثورة التي بدت للبعض "متكئة على دمار منطقة إكواتوريا لفرض هيمنة الدينكا"6. ومردّ هذا الخوف تجاوزات ارتكبها بعض عناصر الحركة الثورية خلال الحرب الأهلية. إلا أن الإكواتوريين انقلبوا تدريجياً على نظام الخرطوم، ليساندوا المتمردين، تدفعهم سياسات أكثر عدوانية، لا سيما فرض قوانين الشريعة الإسلامية. ومن أجل حركة التمرد في جنوب السودان، وضعت جانباً الخلافات الإثنية، موقتاً.

انتزاع الأراضي في جوبا

بعدما انتهت الحرب في العام 2005 وبدأت حركة التمرد تتخذ شكل حكومة، اجتمع في جوبا قادة جيش التحرير الشعبي السوداني، والكثير منهم ينتمون إلى منطقة "الدينكا"، لتشكيل حكومة جنوب السودان. بدأت المواجهات الإثنية مباشرة، فيما غذّت آفاق التنمية احتمالات تقسيم الأراضي في المدينة. وفاقم المسألة نمو سكاني سريع، إضافة إلى ضعف ونواقص في نظام إدارة الأراضي. في العام 2005، قُدّر عدد سكان جوبا بـ200 ألف نسمة، وبحلول العام 2010 تضاعف الرقم، في أقل تقدير، إذ تراوحت التقديرات بين 500 و600 ألف7. عاد النازحون، الذين هجّروا خلال الحرب، للمطالبة بممتلكاتهم التي يحتلّ بعضها آخرون خلافاً للقانون. كما ضم المشهد في جوبا أجانب باحثين عن فرص اقتصادية. في شباط (فبراير) 2009، أقرّ المجلس التشريعي لجنوب السودان قانون الأراضي الذي ناقض قوانين الملكية المعمول بها، وفي الوقت نفسه، لم يتمتع بالوضوح الكافي في ما يتعلق بتنظيم الملكية وإدارتها8. وفاقم الإبهام هذا، عمليات الاحتيال والاستيلاء على الأراضي، أو ما يسمّى بانتزاع الأراضي. وكانت النتيجة مدينة عاجزة عن التعامل مع مفاعيل كونها عاصمة وطنية.

هدّدت الخلافات على الأراضي السلام المعقود بين سكان جوبا، فأحيت ذكريات المظالم الماضية. يحذّر يعقوب لوباي، وهو معلّق سياسي معروف في إكواتوريا الكبرى، فيقول إن "انتزاع الأراضي قد يهدد اللُّحمة الوطنية"9. وعلى الرغم من غياب الأرقام الدقيقة، يثير انتزاع الأراضي قلق المجموعة الإثنية الأبرز في جوبا، أي الـ"باري" المرشحين للخسارة الأكبر بسبب الاهتمام المتزايد بمقاطعتهم المدينية. قلق الـ"باري" من خسارة أراضيهم، ورأوا أن الحكومة الوطنية مقصّرة في حماية مصالحهم. يتهم لوباي الحكومة الوطنية بـ"صمت يصمّ الآذان في وجه جرائم انتزاع الأراضي"10. ويزعم أن أصحاب الأراضي يهدَّدون بالقتل من قبل "منتزعي الأراضي بالبزّات الرسمية". ويزعم موظفو حكومة المقاطعة بأن 80 في المئة من منتزعي الأراضي هم جنود11. وبما أن غالبية الجنود تتحدّر من الـ"دينكا" ومن قبائل كبرى أخرى، فإن الاتهام يلمّح إلى أن المناوشات قائمة على أسس إثنية.

في المقابل، اتهم أشخاص من ولايات أخرى، الـ"باري"، بإعاقة بيع الأراضي. وترى الفصائل الخارجية في ميل الـ"باري" إلى حماية أراضيهم من ارتفاع أسعارها ومن الملكية الأجنبية، مناهضة للتنمية وحجر عثرة في طريق الوحدة الوطنية. وفي الوقت نفسه، لا الحكومة المحلية ولا قبيلة الـ"باري" تريدان لجوبا أن تخسر مكانتها كعاصمة. في عيون المجموعات الإثنية في الخارج، يبدو أن الـ"باري" يريدون الجنة والنار: السيطرة على جوبا، والحق في المطالبة بعاصمة الأمة. لقد أصبح تحرير مستقبل البلاد من التوتر الإثني السبب الرئيس وراء دفع أبطال رامسيال في اتجاه تشكيل موقع حيادي سياسياً وإثنياً.

أرض بلا ناس... أم أرض لأي ناس؟

يقال إنه، قبل وفاته، اقترح قرنق تأسيس مدينة جديدة، وهي فكرة نالت موافقة جيش التحرير الشعبي السوداني العام 2003 12. ويعتبر مارك أوتواري أودوفا أن الراحل قرنق كان يدرك أن شرعية الـ"كوكورا" ستظل مخيّمة على أذهان الناس في جوبا، وبالتالي أراد "حل المشكلة، مرة وإلى الأبد، فقرر أن تكون رامسيال عاصمة جنوبالسودان"13. وبدا أن مدينة بلا تاريخ، وربما المدينة التي بدأت تعرّف تاريخ جنوب السودان، كانت السبيل الوحيد إلى التناغم والوحدة. آمن داعمو رامسيال بأن المدينة الجديدة لن يثقلها تاريخ الحرب والاحتلال، وأن بوسعها احتضان عملية دمج الفصائل المختلفة في جنوب السودان. اقترح قرنق لرامسيال موقعاً في منطقة بحر الغزال، بالقرب من النيل الأعلى وإكواتوريا. وعندما حان الوقت، دُفعت حدود الموقع المحدد داخل مناطق أخرى في جنوب السودان، إكواتوريا والنيل الأعلى، ما يسمح بتشارك الموقع بين المناطق الثلاث. المرافعة، هنا، تتمحور حول عاصمة تنتمي إلى الجميع ويستفيد منها الجميع.

لتسمية "رامسيال" دلالة. فهي مشتقة من كلمتين بلغة "دينكا" (لغة قرنق الأم): "رام" وتعني "لقاء"، و"سيال" وتعني "وسط"، أي "مكان لقاء وسطي"14. يقال إن المساحة المقررة لرامسيال، على بعد مئتي كيلومتر شمال جوبا، تقع جغرافياً وسط السودان. في بلد لا تتعدى مساحة الطرقات المعبّدة فيه الستين كيلومتراً، يستغرق الوصول إلى الموقع، الذي لم ترتفع فيه سوى بعض الأكمّة15، بضع ساعات بالسيارة من جوبا. إضافة إلى مميزاته الرمزية، لمقترح رامسيال حسنة براغماتية: وفرة الأراضي التي لا يزعم ملكيتها أحد، وهي بالتالي رخيصة. يشدد داعمو رامسيال على أن رامسيال، وعلى العكس تماماً من جوبا الملغزة بإشكاليات الملكية، تؤمن أرضية نظيفة تستطيع الدولة الجديدة أن تنشئ عليها مؤسساتها الوطنية، على زعم أن الموقع محرّر من السكان الدائمين16. يعتبر داعمو رامسيال العاصمة أن المقترح يحترم رغبة قرنق، بطل جنوب السودان المبجّل، وفي الوقت نفسه يتيح مخرجاً للصراعات التي تخنق حكومة جنوب السودان. لكن مصادر أخرى تشير إلى أن للموقع اسماً سابقاً على رامسيال هو "كور أنيانغ"17، أطلقته عليه جماعة "آلياب – دينكا" المحليّة، ما يجعل مسألة الأراضي التي بلا مالكين موضع تشكيك.

في 2 أيلول (سبتمبر) 2011، أصدر الرئيس سالفا كيير مايارديت القرار الرئاسي الرقم 17 القاضي بإنشاء لجنة وزارية تتابع موضوع مدينة باسم "اتحاد رامسيال". ترأس اللجنة جيما نونو نكومبا، وزير الإسكان والتخطيط. وكلّفت اللجنة، من بين أمور عدة، بترسيم وتعريف "حدود رامسيال باعتبارها أراضي العاصمة الوطنية التي ستقع خارج نطاق السلطة لحكومة ولاية البحيرات"18. سعت دول أجنبية، وشركات تابعة لها، إلى استغلال هذه الفرصة التنموية، ومن بين المهتمين كوريا الجنوبية. وقّعت شركة الأراضي والإسكان، وهي شركة إنشاءات حكومية، مذكرة تفاهم مع حكومة جنوب السودان "للتعاون الواسع" خلال فترة بناء العاصمة19. فتحت اللجنة الوزارية باب المناقصات لإجراء المسوحات وتنفيذ التصميمات للعاصمة الجديدة. وعرضت مجسّمات المدينة الجديدة فعلاً على جمهور منتقى، ما دلّل على استمرار الحكومة في التزامها بمشروع رامسيال. لكن، ليس واضحاً بعد ما إذا كانت غالبية المواطنين السودانيين تدعم ذلك الالتزام. كما أنه لا التزام مؤكداً بعد من الرعاة الأجانب المفترض أنهم سيمولون المشاريع التنموية السودانية الموافق عليها.

في الوقت الراهن، ليس في رامسيال "أي بنية تحتية، ولا بلدات، بل بضع قرى موسمية"20. كُلّفت شركة البلقان للاستشارات، العام 2006، بوضع مخطط شامل لمقرات عسكرية في موقع محدد في رامسيال، فأفاد تقرير الشركة بأن المنطقة "مليئة بالمستنقعات ولا تصلح للمشروع المقترح"21. وبناء عليه، اقترح وزير الاستثمارات في حكومة جنوب السودان موقعاً آخر، شرق جوبا، يتضمن أجزاء من منطقتي بحر الغزال والنيل الأعلى. إلا أن مجتمع الـ"باري" رفض الاقتراح بقوة، وكذلك حكومة إكواتوريا الوسطى التي سبق لها أن دعمت فكرة تشارك جوبا كعاصمة وطنية22. منذ ذلك الحين، وضعت نماذج لاتحاد رامسيال وفيها رؤى لأبنية ضخمة على ناصيتي جادات عريضة ومجمعات خضراء شاسعة، لكن تلك الرؤى لم تتعدّ المخططات المفاهيمية، انطباعات فنية لاجتذاب المستثمرين وتقليص سلبيات المشروع23.

تكمن الحجة الأساسية في خطاب مناهضة مشروع رامسيال، في كلفته العالية والمقدّرة بعشرة مليارات دولار24، أي خمسة أضعاف موازنة الحكومة للعام 2011 والبالغة 2,3 ملياري دولار، تؤمنها، بنسبة 97 في المئة، عائدات النفط25. وكأن اعتماد جنوب السودان على مصدر واحد للعائدات ليس مجازفة كافية. إذ تطالب الدولة بالأرباح النفطية المهددة بنزاع لم يحلّ مع حكومة الخرطوم – مالكة أنابيب ضخ النفط من جنوب السودان إلى بوابات التصدير عند المرفأ السوداني على البحر الأحمر. يشكك جنوب سودانيين كثر، عبر الإعلام، في مخطط رامسيال. ويلخّص الصحافي المحلي نهيال بول الشكوك الشعبية حين يتساءل: لماذا تستثمر الحكومة في "الرفاهية" في حين أن الاحتياجات الأساسية للبلاد، "كخدمات التعليم والغذاء والصحة" ما زالت بعيدة?من التحقق؟26 ستتراكم التكاليف، ليس فقط جرّاء بناء مدينة جديدة، بل أيضاً إثر العمل على إرساء بنية تحتية تضمن وصل رامسيال بسائر أنحاء البلاد حيث تقطن غالبية السكان.

غير أن موقع رامسيال هو ما يستدرّ مديح داعميها. يزعم أكاديمي سوداني جنوبي أن العاصمة الراهنة جوبا "بعيدة من جنوب السودان وغير متصلة كفاية بالبلاد"27. في المقابل، يجادل ك.أ.كويوك، وداعمون آخرون، لمصلحة رامسيال باعتبارها مركزاً قوياً ومستقراً للدولة الجديدة. وفي إعلان رامسيال عاصمةً، حرص زعماء جنوب السودان على تظهير هدف الوحدة الوطنية من خلال العاصمة المقترحة، وذلك على أساس أن النزاع في جوبا، مضاعفاً بتهافت مديني والمضاربات لانتزاع الأراضي، يبعث الانقسامات الإثنية القديمة. فالشغور المزعوم لرامسيال يعني تنمية أسلس على أراض وافرة، لا أحد يطالب بها. يدفع إيزايا أبراهام بمقولة إن الموقع المختار "رائع الجمال، شاسع ومؤاتٍ، ومحاط بكل ما يلزم"28. يؤكد داعمو رامسيال كعاصمة أنها، على عكس الوضع الراهن في جوبا، ستؤمن مخرجاً للخصومات التقسيمية حول الأراضي، والتي جمّدت التنمية والعصرنة. ويذهب الرأي هذا إلى أن رامسيال، "الصفحة البيضاء"، ستتيح للحكومة وضع مخطط عقلاني للمدينة من الصفر، بحيث تتحول إلى محرّك نمو ونموذج تنموي للبلاد بأسرها.

لكن الدعوة إلى "صفحة بيضاء" أو "بداية من الصفر"، لا تخلو من إشكاليات سياسية. رامسيال، المغرَقة بحقد الجماعات الإثنية، أبعد ما تكون عن عرض سلام. فالانقسامات بين إثنيات جنوب السودان أدت دوراً مهماً في صوغ القرار لنقل العاصمة إلى رامسيال. وبحسب كاتبة عمود ثابت في صحيفة محلية، ناعومي ميتيغو، تآمرت مجموعتان، مدفوعتان "بعداءات إثنية متجذرة"، على جوبا، من خلال مخطط رامسيال29. المجموعة الأولى، في زعمها، "موظفو الخدمة المدنية والمجتمع المدني المرعي من قبل الحكومة، حيث تتجذّر أحقاد إثنية تربو على رُهاب الغرباء (إكزينوفوبيا) لا سيما تجاه مواطني جنوب السودان الذين لا يتحدثون لهجة قبيلة باري". أما المجموعة الثانية، بحسب ميتيغو، فتتضمن المقربين من الرئيس، الذي ينتمي بدوره إلى قبيلة "دينكا" من منطقة بحر الغزال والذي "عينه على فوائد ستجلبها حالة القرب من المدينة العاصمة، فوائد ستتحقق في دوائر الإثنية هذه وحدها"، إذ ستستفيد الـ"دينكا" من نقل مركز البلاد وعصبها، جغرافياً، إلى موطن إثنيتها.

ومما يزيد التعقيدات الإثنية حول رامسيال، غياب الضمانات بأن المشاكل المشهودة في جوبا لن تتكرر في العاصمة الجديدة. ملكية الأراضي مثار نزاع بدأ يحتدم بالفعل في ما سمّي "الأرض المشاع". بات الجدل مسموعاً، أوضح فأوضح، بين أهالي المنطقة المطالبين بحقوقهم في الأراضي المحددة لرامسيال، ما يزعزع الأمل في أن يجد جنوب السودان أرضاً محايدة ليس لأحد فيها ادعاء ملكية. وفيما أكد البعض على رامسيال كـ"أرض مشاع"، صرّحت الحكومة بأن السكان المحليين "يرحبون" بالعاصمة الجديدة. حتى السؤال المتعلق بأصحاب الحقوق الشرعيين في الأرض يبقى بلا إجابة، في وجود فصيلين على الأقل، من قبائل "دينكا" و"آلياب" و"سييك"، يجزمان بحقوق متضاربة في الموقع30. كتب بعض أبناء تلك القبائل في الشتات، وهم الذين يدّعون تمثيل المجموعات المهددة بمخطط رامسيال من "دينكا" و"آلياب"، رسالة إلى الرئيس سالفا كيير يعبرون فيها عن رفضهم لمخطط رامسيال على أساس أن الجماعات المحلية لم تُستشر فيه. وبحسب الموقّعين، يطرح المشروع نتائج كارثية على أصحاب المواشي والمزارعين الذين ترعى قطعانهم في الأكمة المختارة للمدينة الجديدة31. ويجادل آخرون، من مؤيدي حقوق السكان، في أن العاصمة الجديدة ربما تكون فكرة جيدة، لكن حقوق ورفاه الجماعات المحلية يجب أن تؤخذ في الاعتبار وتناقش.

بتعابير أعمّ، يدفع مخطط رامسيال بالتوتر الإثني القائم في جوبا، إلى موقع جديد، مصحوباً بالمزيد من إشكالات الملكية. وقد يجازف بحث الأمة عن منفَس للتشنجات التاريخية، بتراكم طبقات إضافية منه على الشقاق الإثني. وبالنسبة إلى بلد بالكاد قادر على تحمل كلفة تطوير بنية تحتية جديدة، ناهيك عن تأمين الخدمات الاجتماعية الأساسية لمواطنيه، يبدو أن الوعود الشاعرية بمدينة جديدة حُمّلت مسبقاً فائضاً من المعاني.

ترجمة رشا الأطرش

1- في هذه المقالة يشير تعبير "جنوب السودان" إلى الدولة المعلنة في 9 تموز (يوليو) 2011، فيما يشير "السودان الجنوبي" إلى المنطقة من السودان التي ستصبح جنوب السودان قبل 9 تموز (يوليو) 2011.

 2- استمر الحكم الاستعماري البريطاني – المصري للسودان من 1899 إلى 1956.

 3- تبوأ جعفر النميري الرئاسة في السودان من 1969 إلى 1985.

4- إيلين مارتن وإيرينا موصل، "حدود المدينة: المدينية والهشاشة في السودان: جوبا نموذجاً"، معهد التنمية عبر البحار، كانون الثاني (يناير) 2011، 3.

 5- مارك أوتواري أودوفا، "البحث غير الضروري عن عاصمة جنوب السودان"، أمانة غورتنغ – مشروع السلام والإعلام، 22 أيلول (سبتمبر) 2011?http://www. gurtong.net/ECM/Editorial/tabid/124/ctl/ArticleView/mid/519/articleId/5764/Unnecessary-Search-For-South-Sudans-Capital.aspx.i

6-  ب.أ. نيابا، "سياسة التحرير في جنوب السودان: نظرة من الداخل"، الطبعة الثانية، 28

7-  مارتن وموصل، "حدود المدينة"، 4

8- المصدر نفسه، 17

9- يعقوب ك. لوباي "نقل عاصمة جنوب السودان من جوبا إلى رامسيال"، سودان تريبيون، 21 أيلول (سبتمبر) 2011،?http://www.sudantribune.com/Relocation-of-South-Sudanese,40205

10- المصدر نفسه.

11-  مارتن وموصل، "حدود المدينة"، 19 .

12- "أهالي ولاية البحيرات يرحبون بنقل العاصمة إلى رامسيال"، سودان تريبيون، 6 أيلول (سبتمبر) 2011،?http://www.sudantribune.com/Lakes-state-Community-welcome,40065

13- مارك أوتواري أودوفا، "تصويت مجلس الوزراء على نقل المدينة إلى رامسيال له جذور في الكوكورا"، نيو تايمز (جوبا، جنوب السودان)، ?26 أيلول (سبتمبر) إلى 3 تشرين الأول (أكتوبر) 2011

14- أمانة غورتنغ، "أين وما هي رامسيال؟ العاصمة المقترحة لجمهورية جنوب السودان"، 8 أيلول (سبتمبر) 2011، أمانة غورتنغ – مشروع السلام والإعلام.

http://www.gurtong.net/ECM/Editorial/tabid/124/ctl/ArticleView/mid/519/articleId/5689/What-and-Where-is-Ramciel.aspx?مارك لاسي، "متمردون، غالبيتهم مراهقون، يتخلون عن السلاح في جنوب السودان"، نيويورك تايمز، 27 كانون الثاني (يناير) 2004.

15- وكالة الاستخبارات الأميركية، "جنوب السودان"، كتاب حقائق العالم، 5 شباط (فبراير) 2012.?https://www.cia.gov/library/publications/the-world-factbook/geos/od.html

16- أمانة غورتنغ، "أين وما هي رامسيال؟"

17- "رسالة شتات آلياب – دينكا إلى سعادة الجنرال سالفا كيير مايارديت"، المواطن (جوبا)، 28 تشرين الثاني (نوفمبر) 2011،?http://allafrica.com/stories/201111281831.html

18- "كيير يشكل لجنة وزارية لإعمار العاصمة الجديدة لجنوب السودان"، سودان تريبيون، 7 أيلول (سبتمبر) 2011،?http:www.sudantribune.com/kiir-forms-ministrial-committee,40081

19- جوليوس ن.أونما، "مؤسسة صينية تفوز بعقد للعاصمة الجدية لجنوب السودان"، سودان تريبيون، 29 تشرين الأول (أكتوبر) 2011،?http://www.sudantribune.com/Chinese-firm-wins-contract-for-S,40562

20- "كيير يشكل لجنة وزارية"

21- أوياي دينغ أجاك، "مذكرة مجلس الوزراء: مقترح لتطوير مدينة العاصمة الجديدة لجنوب السودان"، شباط (فبراير) 2011، 20.? http://www.gurtong.net/ECM/Editorial/tabid/124/ctl/ArticleView/mid/519/articleId/5054/CABINET-MEMORANDUM-Proposal-For-The-Development-Of-The-New-Capital-City-Of-Southern-Sudan.aspx

22- "أهالي الباري يرفضون تقديم أرض لعاصمة جنوب السودان"، الشبكة الإذاعية الكاثوليكية، 21 آذار (مارس) 2011،http://sudancatholicradio.net/index.php?option=com_content&view=article&id=3525:?bari-community-declines-to-offer-land-for-south-sudan-capital-city&catid=2:south-sudan&Itemid=84

23- أفادت مصادر سودانية أن مجموعة شركة الإنشاءات العابرة للصين اختيرت لتصميم وتنفيذ رامسيال. ثم نفى مسؤولون حكوميون فوز الشركة الصينية بالمشروع. والمخطط الشامل لرامسيال، حالياً، غير مذيّل بتوقيع صاحب الرؤية. أنظر آتر قرنق آرياث، "الوزير ينفي توقيع عقد مع شركة الإنشاءات العابرة للصين"، المواطن (جوبا)، 2 تشرين الثاني (نوفمبر) 2011،? http://www.thecitizen.info/politics/minister-dismisses-contract-award-to-pan-china-construction

24- جوزيف أودوها، "كلفة بناء رامسيال 10 مليارات دولار، بحسب وزير الإسكان كومبا"، ذا بايونير (جوبا، جنوب السودان)، 26 أيلول (سبتمبر) حتى 2 تشرين الأول (أكتوبر) 2011.

25- "جنوب السودان يعلن موازنة 2,3 ملياري دولار للعام 2011"، سودان تريبيون، 15 تشرين الثاني (نوفمبر) 2010،?http://www.sudantribune.com/South-Sudan-s-announces-budget-of,36947

26- نهيال بول، "نحتاج إلى خدمات لا إلى نقل العاصمة"، المواطن، 28 أيلول (سبتمبر) 2011،? http://www.thecitizen.info/opinion/we-need-services-not-capital-relocation

27- كويوك أبول كويوك، "معضلة جوبا"، سودان تريبيون، 12 نيسان (أبريل) 2009،?http://www.sudantribune.com/The-Trouble-with-Juba,30856

28-  أبراهام، "جنوب السودان"

29-  ناعومي ميتيغو، "جوبا، ضحية مؤامرة مزدوجة"، جوبا بوست، 26 تشرين الأول (أكتوبر) 2011، 6.

30- مارتن أجهاك، "موقع عاصمة جنوب السودان الجديدة ليس أرضاً مشاع"، سودان تريبيون، 7 أيلول (سبتمبر) 2011،?http://www.sudantribune.com/Location-of-new-South-Sudan,40063.

31- "رسالة شتات آلياب – دينكا".


لطلب العدد الأوّل من البوابة التاسعة يرجى مراسلتنا على order@portal9journal.org ، مع اسم صاحب العلاقة وعنوانه البريدي ورقم هاتفه، وسيقوم أحد أعضاء فريق عملنا بالإجابة والتعاون.
المعلومات المطلوبة
    


شكراً لإرسال طلبكم للبوابة التاسعة