العدد 1 المتخّيل، خريف 2012
خُطط
صورة الداخل: الثراء المستجد في مدن ’’نمور الأناضول‘‘
مثّلت مدن "نمور الأناضول" من وجهة النظر الاقتصاديّة قصّة نجاح لتركيا. لكن معاينتها بمنظار التخطيط المدينيّ يشير إلى أنّ النجاح ذاك ربّما لا يدوم.
عن المؤلّف

-          تاهير إرمان، أستاذة مساعدة في قسم الدراسات المدينيّة بدائرة العلوم السياسيّة في جامعة بيلكنت، أنقرة، تركيا.

العدد الحالي
الغابة، خريف 2014
المقالات
المراجعات


أطلب الآن
أرشيف
جميع المقالات
جميع المراجعات
أعداد سابقة
السَّاحة
سرد: كتابات عربيّة وروسيّة معاصرة
المتخّيل
1 2 3 4 5 6 

حقّقت كوكبة من المدن التركيّة في إقليم الأناضول حضورًا وطنيًّا تركيًّا وعالميّا متميّزًا باعتبارها ظاهرة في مجال الاقتصاد. ذِكرُ كلّ مدينة من هذه المدن الداخليّة على حدة (دينزيلي، قيصري، قونيا، غازي عنتاب، ملاطية، وتشورم) لا يعطي صورة كاملة عن وقائعها. لكنّ لقب "نمور الأناضول" الذي يُطلق عليها مجتمعة كفيل باستحضار روابط مباشرة بينها وبين الصعود التركي في الاقتصاد العالمي1. منذ أعوام الثمانينات أثبتت مدن الأناضول تعملقها في تصدير الصناعات. وشهد عقد السنوات الأخير تحوّلها نموذجًا للسياسات الليبراليّة التركيّة التي أشبعت نقاشًا . ووظيفة مدن "النمور"، التي لم تأتِ ثمرة تخطيط ضمن استراتيجيّة وطنيّة مدروسة، لا تُقتصر في تأليفها على شبكة من المدن الداخليّة المكتفية ذاتيًّا، بل هي على الأرجح مراكز يتمحور الداخل حولها وتتشارك في تظهير صورة موجّهة إلى الخارج تُبرز سعيها للانخراط في شبكات التجارة العالمية خارج تركيا، تلك الشبكات الممتدّة غربًا ونحو الشرق الأوسط وآسيا وأفريقيا. كما تتشارك نمور الأناضول روحًا صناعيّة حيويّة صادرة من كونها مركزًا لأكثر من نصف الشركات الألف الأكبر في تركيا2. هذا الثراء الجديد يحمل كل واحدة منها على مواجهة تحدّيات التطور المدينيّ المتطابقة. النجاح التجاري مثّل مصدر زهوها المحلّي وسببًا للثناء العالمي عليها. لكنّ النجاح قاد كلّ مدينة منها، ومن منظور تطوّراتها الماديّة، إلى اعتماد النماذج المتّبعة والأكثر شيوعًا في سياق التطوّر المديني والتي يسهل ردّها إلى نمط النمو الرأسمالي. وبغض النظر عن السجال الدائر في صوابيّة سياسات التمدين هذه أو سوئها، فإنّ المدن "النمور" تواجه عواقب ربّما تتهدّد في النهاية الحال المالي المستدام الذي جهدت في تحقيقه.

 

نمور التجارة الحرّة

بدأت حكاية "نمور الأناضول" في أعوام الثمانينات من القرن العشرين مع سياسات التحرير الأولى التي انتهجها حزب الوطن الأم (ANAP) الحاكم آنذاك في تركيا. نجاح تلك المدن استُمِدّ من التصنيع، الذي نتج بالدرجة الأولى من تحوّل حاضرات تركيا الكبرى (اسطنبول، أنقرة، وأزمير) إلى اقتصاد ما بعد الصناعة. وجاءت السياسات الوطنية المُتّبعة واتفاقات التجارة الدوليّة لتمهدّ الطريق أيضًا أمام نمو صناعات هذه المدن. كما حثّ التوجّه الذي انتهجته تركيا ضمن "مشروع جنوب شرق الأناضول" (Guneydogu Anadolu Projesi, GAP) في مأسسة عدد من مشاريع تنمية قطاعَي الماء والطاقة، ما أدى إلى دعم التنمية والزراعة في المنطقة3. إلى هذا، ساهمت السياسات التركيّة الآيلة إلى بناء الثقة شرقًا وغربًا في العمل لمصلحة مدن "النمور": انهيار الكتلة السوفياتيّة في أعوام التسعينات، مثلًا، قاد إلى روابط جديدة مع بلدان وسط آسيا4، وأدّى توقيع تركيا على اتفاقيّة القوانين الاتحاديّة مع الاتحاد الأوروبي في العام 1995 إلى خفض التعرفات الجمركيّة في التبادل التجاري5.

قبل عقود النمو الأخيرة، لم تكن مدن "نمور الأناضول" مدنًا رازحة في الفقر. كانت أحوالها مقبولة مع اقترابها من تحقيق الكفاية الذاتيّة. تقليد صناعة السجّاد العائد إلى القرن الخامس عشر، شكّل، على سبيل المثال، القاعدة التاريخيّة لما تشهده دينزيلي هذه الأيّام من انتاج مكثّف لصناعة النسيجيّات. واستفادت غازي عنتاب من موقعها التاريخي بين الأناضول والحدود السوريّة للحفاظ على العلاقات التجاريّة القديمة مع الشرق الأوسط. سكّان قيصري بدورهم، وأمام عجز مدينتهم عن الاعتماد الكامل على الزراعة وعلى استخراج الثروات الطبيعيّة، يمّموا شطر التجارة وراكموا في عملهم فيها سمعة حسنة رسّخها وقوّاها حرصهم على صلابة بنية النسيج العائلي6. وتعرف هذه المدن عمومًا من خلال روابط الأعمال ذات النفوذ الكبير، المعروفة بـ SIAD (روابط الصناعيين ورجال الأعمال Associations of Industrialists and Businessmen)، وهي الروابط التي زاد نفوذ بعضها من خلال دعمه لحزب العدالة والتنمية (AKP)، الصاعد إلى السلطة في العام 2002 7.

بهذا، مثّلت نوازع الاجتهاد المحليّة و"القدرات المتراكمة" مساندة معنوية لسياسات التجارة الدوليّة ومشاريع البنى التحتيّة التي اعتمدتها الحكومة الوطنيّة8. وشكّل بعض المدن مقرًّا لمصانع كبيرة تملكها الدولة (مصانع سومربانك Sumerbank للأنسجة في دينزيلي وملاطية ومصنع السكّر في قيصري، وهي مصانع أقفلت أبوابها). أمّا بعضها الآخر، مثل تشورم، فلم يحظَ سوى بمقدار قليل من هذه المصانع الرسميّة. ويرى عدد من الباحثين أن الاعتماد على المصانع الحكوميّة أدّى خلال المراحل الأولى من سياسات التحرير، إلى تعويق السكان المحليين عن تطوير قطاع خاص قويّ. المثال على هذا يتوضّح في سيفاس، حيث يتمركز العديد من الاستثمارات الحكوميّة. وقد حلّت الأزمات الاقتصاديّة في المدينة، فيما تشورم القريبة، التي تستثمر فيها الحكومة بمقدار أقل، شهدت ازدهارًا9. وكانت مدن "نمور الأناضول"، خاصة تلك الأكثر ارتباطًا سياسيًّا بحزب العدالة والتنمية، باشرت تعافيها السريع مع صعود هذا الحزب إلى السلطة العام 2002 إثر الاضطراب الاقتصادي العالمي في العام 2001. واكتسبت قيصري على الأرجح امتيازًا أكبر في كونها مدينة الرئيس التركي، وهي افتتحت أخيرًا صرحًا تربويًّا يحمل اسمه، جامعة عبدالله غول.

تُعدّ الاستثمارات الصغيرة والمتوسّطة (SME) في مدن الأناضول الرابح الأكبر من سياسات التحرير الاقتصادية التركيّة. ومن وجهة نظر أخرى، فإن الازدهار الذي حققته هذه المدن الصغيرة جاء في أعقاب أنشطة واستثمارات تملكها وتديرها أطراف محلّية تبقى استثمارات الدولة في ظلّها محدودة10. وجسّدت قطاعات صناعة النسيج التي تجتذب سوق عمل كبيراً، مظهر النهوض الصناعي في عدد من هذه المدن. إذ تمكّنت صناعة النسيج، نتيجة لسياسات الانفتاح المتزايد التي انتهجها الاقتصاد الوطني تجاه الأسواق الدوليّة، من بلوغ قواعد زبائن أوسع بعد أن كان تركيزها موجّهًا إلى الأسواق المحلّيّة. وحظيت أسماء بعض الشركات بسمعة إقليميّة حسنة، مثل شركة مفروشات "إستقبال" المُتمركزة في قيصري، والتي تُباع منتجاتها في ثمانية وسبعين بلداً. إلى هذا، تُحقّق المنتجات المصنّعة في الأناضول انتشارًا مموّهًا في مئات الدول عبر العالم، وتدخل في ماركات وسلع عالميّة شهيرة. مصانع النسيج في قيصري مثلًا، تُنتج خيوط القطن المستخدمة في صناعة مقاعد سيارات المرسيدس.

في داخل تركيا كما في خارجها، يطنّب المديح لنجاحات الاستثمار الصغيرة والمتوسّطة (SME) في الأناضول، لتمكّنها من إرساء بيئة اقتصاديّة مريحة في المنطقة، تُديرها وتملكها أطراف محلّيّة فلا تكلّف الدولة سوى القليل من الأعباء. وبهذا غدا رجل الأعمال المحلّي رمزًا للنجاح في الأناضول، يُحتفى به كامرئ "صنع نفسه بنفسه". والأمر يشير إلى تمكّن الكثيرين من تحقيق أنفسهم على هذا النحو. يأتي المثال واضحًا من قونيا، التي يبلغ عدد سكانها مليون نسمة تقريبًا، إذ تستضيف المدينة نحو 32 ألف استثمار صغير ومتوسّط، تساهم في تأمين 99 في المئة من ناتج المدينة المحلّي11. وتُصنّف غازي عنتاب وقيصري ودينزيلي ضمن لائحة المدن التركيّة التي تضمّ العدد الأعظم من الاستثمارات الصغيرة والمتوسّطة، حتّى لو قورنت تلك المدن الصغيرة بالحاضرات التركيّة الأكبر12. وفي تشورم، الملتحقة الأحدث بفريق "المدن النمور"، ارتفع عدد المصانع المملوكة محلّيًا من خمسة وخمسين في 2002 إلى خمسة وثمانين في 2011 13. وترافق نمو القطاع الصناعي في تشورم مع تصاعد نسبة الدول المستوردة، هذه الأخيرة التي ارتفع عددها من دولتين لا أكثر قبل عشرة أعوام، إلى ستّة وثمانين دولة في 2011، ما أدّى إلى ارتفاع عائدات التصدير بنسبة 2000 في المئة.

تسبب التسارع الصناعي بتصاعد مظاهر التمدين، حيث وصلت من أنحاء تركيا أعدادٌ كبيرة من الباحثين عن فرص العمل، فيما كانت "المدن النمور" تتكيّف مع تنامي ثرائها العام. وتطلّب الأمر من القيادات المحليّة الاستجابة للتوقعات المحتملة وللتحولات الديموغرافيّة في المدن. وتزامنت سياسات التحرير الاقتصاديّة التي اعتمدتها الحكومة التركية مع تبنّي سياسة اللامركزيّة في الإدارة، ما شجّع مسؤولي المدن المحليين على أن يقرروا بأنفسهم ردود الفعل المناسبة على تحوّلات المشهد الاقتصادي خلال العقد الأخير.

على مقدار تمايز كلّ مدينة من مدن "نمور الأناضول" عن الأخرى، سُجّلت محاولات تسعى من خلالها مجتمعة إلى إظهار تمايزها عمّا يفترضه النسق الاقتصادي الرأسماليّ. وسعت الدراسات والكتابات التي نشرتها الصحافة الدوليّة في معرض إظهار كفاءة الإسلام في منافسة الرأسماليّة، إلى التركيز على الشخصيّة الدينيّة لهذه المدن14. قيصري وقونيا قد تشكّلان النموذج الأمثل للتعبير عمّا أطلق عليه البعض مصطلح "الكالفينيّة الإسلاميّة". فالمدينتان، اللتان لا يبلغ عدد سكانهما مليوني نسمة، وحّدتا مصادرهما كي تروّجان لنسق الشركات المساهمة التي تتخطّى حدودهما. وحققت هاتان المدينتان، بفضل القيم الدينيّة، لا على الرغم منها، مكاسب مشهودة، حيث أدّى التكافل الأهلي الداخلي القائم على الثقة المتبادلة إلى تمهيد الطريق نحو النجاح الاقتصادي. تمثّل اليوم "الزيارات المنزليّة" في قيصري ظاهرة شائعة في أوساط النخب الصناعيّة والعائلات السياسيّة، فيتبادل أفراد تلك النخب الزيارات على إيقاع منتظم، مكوّنين بذلك بيئة اجتماعيّة خالية من الصراعات السياسيّة والنزاعات بين الصناعيين15.

إلى هذا، لا تعتبر جميع "نمور الأناضول" مدناً محافظة أو حتّى إسلاميّة في مظهرها. غازي عنتاب مثلًا، وفي تجربتها التاريخيّة، ليست متديّنة، وهي في المعنى الثقافي ليست محافظة. إلى جانب شهرتها الصناعيّة تشتهر المدينة أيضًا بحياتها الليليّة وبوفرة حاناتها ومقاهيها وتُباهي بامتلاك أكبر متنزه ترفيهي في الشرق الأوسط. وتفترق تشورم عن هذه الفكرة التعميميّة أيضًا، حيث يتقاسم وسطها أبناء الطائفتين العلويّة والسنيّة الذين احتفظوا بمواقعهم المحدّدة في المدينة16. الجزء العَلَوي من المدينة الذي يضمّ الحانات والمقاهي يُعدّ أقلّ تطوّرًا من ناحية البنى التحتيّة والخدمات البلديّة بالمقارنة مع الجزء السنّي الأكثر محافظة. على أن الحديث عن الدين هنا في تشورم يستحضر النزاع أكثر ممّا يستحضر التكافل.

 

الصورة والمتخيّل

في حين يسهل تعيين الفوارق بين مدن "النمور"، يبقى عامل مهم تتشاركه في ما بينها فيقودها إلى تشابهات أكبر: الطبقة الوسطى الناهضة التي يُعتبر موقعها المالي والاجتماعي الجديد ثمرة مباشرة للاستثمارات الاقتصاديّة. وأدّى الثراء الناشئ إلى زيادة الاستهلاك على سلع عالميّة معروفة، حيث تسعى الطبقة الوسطى الجديدة إلى التماهي مع المجتمع العالمي. الأمر استدعى صياغة جديدة لمدن الطبقة الناشئة هذه، كي تتضمّن مظاهر العيش الجديدة وامتيازاتها وتوحي بها. وباتت مظاهر التنمية في هذه المدن، المتضمّنة بنى تحتيّة متطوّرة للعيش المرفّه، مكوّنًا متميّزًا في هذا الفضاء الاستهلاكي الجديد.

أدّت الأنشطة الاستهلاكيّة للطبقة الوسطى إلى إطلاق طفرة في قطاع البناء بمدن "النمور"، وساهمت السلطات البلديّة المحلّية في دعم حركة الاستهلاك. ومع صعود حزب العدالة والتنمية إلى الحكم تمكّن قطاع البناء من استئناف حضور واسع النطاق في إطار السعي إلى "تحديث" مدن الأناضول. ولم تعنِ زيادة الخصخصة في هذا السياق انتقاصًا من دور الدولة، إذ خصّت "دائرة التنمية الإسكانيّة التركيّة" (TOKI) هذه الحركة بدعم متميّز. وبالإضافة إلى الدور الأساسي الذي لعبته الدائرة المذكورة في تقديم المنح وتأمين السكن العام للتعاونيات والأفراد، فإنّها اليوم تسعى لزيادة دورها كي تلعب دور المطوِّر في سوق الإسكان. وعلى الرغم من تصاعد اللامركزيّة في اتخاذ القرارات السياسيّة خلال عقود السنوات الأخيرة، حافظت هذه الوكالة الوطنيّة (TOKI) على سلطتها وإنتاجيتها. فهي حقّقت بين العامين 2003 و2011 بناء أكثر من خمسمئة ألف وحدة سكنيّة في أنحاء تركيا، مُستفيدة من قدرتها القانونيّة على استملاك الأراضي العامة من دون أكلاف17. وتعمل الإدارات البلديّة اليوم، بفضل سلطاتها المتزايدة على مدنها، ومن خلال بروتوكولات موقّعة بتعاون وطيد مع "دائرة التنمية الإسكانيّة التركية" TOKI، على تدعيم هذه السلطة الوطنيّة واتخاذ القرارات المتعلّقة بأنماط التنمية ومواقعها. نجاحات هذا التعاون تجلّت على نحو خاص في مساعدة الإدارات البلديّة المحليّة على تنظيف المناطق "الهامشيّة" في المدن، الظاهرة التي ستناقش أكثر في ما يأتي.

اتسمت الحقبة السابقة في تركيا بسياسة تخطيط مدينيّة مركزيّة غالبًا ما جرى تطبيقها على نحو شامل. أمّا اليوم فإنّ التخطيط المحلّي في مدن النمور غدا، في أحسن الأحوال، تخطيطًا تدريجيًا. وأدّى التعاون مع "دائرة التنمية الإسكانيّة التركيّة" TOKI إلى مساعدة الإدارات المحليّة في المدن على تنفيذ مشاريع التحويل المدينيّة (Urban Transformation Projects UTPs) المخوّلة رسميًّا في التدخّل في "المناطق المتردّية" بغية "تحديثها" و"تنميتها"18. وأثمرت هذه المبادرات مجمعات سكنيّة وتجاريّة كبيرة الحجم. وتساهم مشاريع البنى التحتيّة التوسّعيّة، كالأوتوسترادات متعدّدة الخطوط والمتنزّهات الشاسعة، في دَعم الصورة المتخيّلة "الحديثة" المُعدّة لكلّ مدينة من مدن "النمور". يتّخذ التخطيط في العادة شكل مبادرة تقوم بها السلطات البلدية تجاه منطقة تعاني سوء التنمية، فتخصّها بمشروع تحويل مدينيّ حيث تتمّ إزاحة السكان المحليين وتهدم بيوتهم التي أخليت وتشاد الأبنية "الحديثة" في مكانها. ما ينتج عن هذا هو واقع تحكّمٍ بالصورة أكثر منه تخطيطًا. دينزيلي تجسّد نموذجًا لنمر أناضولي يشهد تحوّلًا سريعًا وغير مخطّط وغريب. مناطقها الوسطيّة غدت كثيفة بالسكّان، فيما حظي مشروع تطوير فيها يملكه القطاع الخاص بترخيص السلطات المحليّة لإنشاء مجمعات أبنية سكنيّة مرتفعة تشيدها إحدى الشركات المعروفة بـ"شركات الرجل الواحد". فترتفع تلك الأبنية الجديدة إلى جانب بعضها بعضًا على نحو غير متّسق ومن دون الانتباه لبيئة المدينة المستدامة19. بهذا النوع من مشاريع التحويل المدينيّة التي تطبّقها البلديات بالتعاون مع "دائرة التنمية الإسكانيّة التركية" TOKI يتمّ استبدال أنماط التنمية ذات الأبعاد الإنسانيّة بمشاريع أكبر تستخدم التكنولوجيا المتطوّرة لإقامة أبنية أعلى، حيث توفّر الأخيرة المساحات للمتنزّهات والخدمات الأخرى. لكنّ يبدو أن الانتباه كان قليلًا إلى مسألة انسجام هذه المشاريع المتنوّعة مع بعضها البعض.

مدعومة بالصلاحيّات التي تكفلها لها الدولة وبالعون الذي تقدّمه "دائرة التمنية الإسكانية TOKI، تنظر الإدارات البلديّة إلى هذه المشاريع الإنمائيّة باعتبارها مصادر دخل سريعة تستمدّ من الضرائب وعقود إيجار الأراضي المدفوعة من قبل الشركات التي تقوم بتنفيذ وإدارة المشاريع الجديدة. وبدافع الربح السريع أيضًا يتضمّن التخطيط المدينيّ البلدي في أغلب الأوقات عمليات تنظيف للأراضي ومظاهر استنساب تتعلّق باختيار الجهات التي تُلزّم إليها الأعمال. وفي خضمّ هذه الطفرة الإنشائيّة تتعرّض البيوت التقليديّة والنسيج المدينيّ القائم إلى التدمير السريع. فتختفي عن الوجود، بفعل عمل الجرافات، القيمة العمرانية التقليديّة التي طالما ميّزت "مدن النمور". أمّا الأملاك العائدة للدولة، كالمصانع والملاعب الرياضيّة وأبنية سكن العمال التي كانت قد أقفلت وهجرت، فغدت، ما إن أطلت الخصخصة برأسها، مواقع مشاريع الإنماء في الحقبة الجديدة ورموزًا تتوّج النجاح الاقتصادي.

نشوء مولات التسوّق يُعتبر ظاهرة رئيسة في سياق إعادة تشكيل هذه المدن. ويمكن رصد التوجّه العام الذي تنحاه منطقة الأناضول من خلال حدث شديد الإيحاء يتمثّل بقيام بلدية قيصري بهدم ستاديوم أتاتورك، ذلك المبنى الرمز الذي افتتح في 1964 ومثّل مشروعًا وطنيًا يعتدّ به. في مكان الستاديوم أقيم مشروع متعدّد الأغراض، يضمّ مولاً للتسوّق وفندقًا ومكاتب وأبراجًا سكنيّة، نفّذته شركة "مالتي تركيا" Multi Turkiye، الشريك المحلّي لشركة التطوير العقاري الهولنديّة "مالتي كوربوريشن" Multi Corporation 20. وكما المثال في قيصري تساهم مشاريع التطوير هذه، التي يأتي كلّ واحد منها شاملًا بحدّ ذاته، في تزويد مدن الأناضول بنماذج عمرانيّة أشبه بالحصون تضمّ مول تسوّقٍ وفندقاً خمسة نجوم وأبراج مكاتب وشققاً سكنيّة فاخرة21. ويحقّق مجمّع "سومر بارك" Sumer Park في دينزيلي، من خلال محاولاته التجديديّة المدينيّة، خطوة إلى الأمام تتمثّل بإضافته حيّزًا للعناية الطبيّة المتقدّمة إلى أقسام خدماته التجاريّة22. كما ثمّة إضافات أخرى تُنزلُ بصيغة المول التقليديّة تتضمن متنزّهات للتسلية وحلقات للتزلّج على الجليد وملاعب. وتعود المصادر المؤثّرة لهذه الأفكار، المتعلّقة بأسلوب الحياة المرفّهة، إلى الشرق الأوسط أكثر ممّا تعود إلى الغرب: مجمّع سيتي ستارز في القاهرة الذي يطابق في تقديماته المشروع القائم في قيصري، ربّما يكون النموذج الراهن الأكثر تأثيرًا في مشاريع التطوير المماثلة في المنطقة.

تُعدّ مولات التسوّق في الأناضول، المولات التي توصف بأنّها "مراكز عيش وتسوّق"، استجابة مكانيّة واجتماعية للوفرة التي أتاحتها سياسات التحرير الاقتصاديّة التركيّة. وهي تكشف بوضوح ما يجري من عمليات خصخصة للأمكنة في هذه المدن. قضاء الوقت في فضاءات المول المعقّمة من دون أي أثار للفقر أو الهجر يمثّل اليوم ما يختبره الأغنياء الجدد في علاقاتهم مع المكان. وتشكّل المولات أيضًا الفضاءات التي تتقابل فيها القيم المحلّية والعالمية. عروض الأزياء التي تُقام فيها والتي تشهد إقبالًا كبيرًا، غالبًا ما تشكّل مجالًا ترفيهيّا يحتمل مشاركة عارضات أزياء محجّبات. وتضمّ المولات ضمن أقسامها أحواض سباحة قد يُفصل فيها بين الجنسين، إضافة إلى غرف لأداء الصلاة. في الوقت ذاته قامت مولات التسوّق أخيرًا بالانتباه لأعياد مثل عيدي الحب ورأس السنة، ولمناسبات احتفالية تستجلب مزيدًا من المستهلكين. فبدل الإفطار في البيوت على الطريقة التقليديّة في شهر رمضان مثلًا، صار كثيرون من السكان يتوجّهون إلى مطاعم المولات للمشاركة في ولائم كبيرة تتضمّن أمسيات موسيقى كلاسيكيّة تركية تعزف حيّة.

مسألة القدرة على استدامة هذه الطفرة العمرانية على المدى الطويل تبقى موضوعًا يستدرج السجال. مولات التسوّق لا تعبّر عن نجاح الطبقة الوسطى وحسب، بل تشكّل أيضًا صورة لنجاح المدن بحدّ ذاتها. ومع استمرار تقدّم مولات التسوّق في كلّ واحدة من هذه المدن يغدو سؤال الاستدامة الاقتصاديّة مطروحًا باستمرار وعلى نطاق واسع. بات يعرف عن دينزيلي على سبيل المثال أن فيها مقداراً من مولات التسوّق يفوق قدرتها على استدامته ماليًا23. وفي النهاية ربّما تثبت هذه المشاريع التطويريّة أنّها مجرّد معانٍ قصيرة الأمد للثراء الذي حققته البلديات وقطاعات البناء المحلّيّة.

بموازاة تزايد المولات شهدت الضواحي وحياتها ازدهارًا. مشاريع الإسكان الجديدة في الضواحي غالبًا ما تكون مجمّعات مسوّرة تحرس على مدار اليوم بواسطة أجهزة مراقبة متطوّرة يؤمّنها السكان وروابطهم التي تُشرف على المناطق السكنيّة الناشئة. كما تتمتّع هذه المشاريع ببنى تحتيّة وخدمات متقدّمة ومخصصة لها (مثل جمع النفايات، وصيانة المجال العام، ووحدات مولدات الكهرباء، وخزّانات المياه)، هذا إضافة إلى مرافق التفاعل الاجتماعي، كمراكز التسوّق، وملاعب الأطفال، وأمكنة الرياضة والعناية بالصحة وتجهيزاتها، والتي تساهم كلّها في خفض اعتماد السكان على المدينة وخدماتها البلديّة. من الطرق الأنيقة إلى التقنيات المنزليّة "الذكيّة"24، فإن الإنماء والتطوير الخاص يتيح للسكان شراء البنية التحتيّة والإفادة منها كحقّ حصري. أحد المطوّرين لواحد من هذه المشاريع يستخدم شعارًا ترويجيًّا مناسبًا يقول "نحن ننشئ أنماط حياة جديدة"25. وما يقدّم هو أسلوب حياة مُصان ضدّ العناصر غير المرغوبة في الحياة المدينيّة، من الناحيتين الاجتماعيّة (كالفقراء والقادمين للعمل) والماديّة (كالازدحام والتلوّث).

 

التراث واتجاه "التحديث"

يروّج مسؤولو المدينة في قيصري، على ما يفعل أقرانهم في الغرب، لما يعتبرونه سياسة "اقتصادية ثقافيّة"، وهم لا يتوجّهون بترويجهم ذاك إلى الطبقة الوسطى فقط، بل أيضاً إلى السيّاح والمستثمرين المتوقّعين26. وعلى الرغم من الميل العام لهدم القديم، اتجهت مدن عدّة من مدن النمور إلى الحفاظ على المواقع التاريخيّة، كالقلاع القديمة، وترميمها كي تغدو مواقع استهلاك تراثية وأنشطة ترفيه تتماشى مع قيم الطبقة الوسطى الصاعدة. وغالبًا ما تُرجمت صناعة الصورة في قيصري ترويجًا للقيم الإسلامية المحافظة، لتؤكّد أن المجتمع المستقيم والواثق ينبغي أن يجذب المستثمرين. على أن عمدة قيصري لا يقلّل أبدًا من أهمية التطوير المدينيّ كنقطة جذب، وتأتي فكرته واضحة عمّا يذيع شهرة المدينة: إنها مولات التسوّق27. المهرجانات الدوليّة السنوية غدت أيضًا طريقة متّبعة للاستعراض الاقتصادي الثقافي: مهرجان الفستق الدولي في غازي عنتاب، مهرجان البسترما الدولي (الخالية من لحم الخنزير) في قيصري، والمهرجان الحتّي الدولي في تشورم، ومهرجان المشمش الدولي في ملاطية، ومهرجان قونيا الدولي للموسيقى الصوفيّة.

وأظهر رؤساء بلديات مدن الأناضول اهتمامًا خاصًا بالمتاحف والمشاريع الثقافية كجزء من جهودهم الهادفة إلى زيادة القدرة التسويقيّة لمدنهم. وتلعب المعاهد الثقافية دورًا يفوق دورها كمجرّد مرافق عامّة، باعتبارها صورة تشكّل جزءًا من مظهر المدينة التسويقي. في غازي عنتاب مثلًا تمّ إنشاء متحف زويغما، الذي يُعد أكبر متحف للفسيفساء في العالم، في مكان مصنع مهجور تملكه الدولة هُدم بعد تحوّله إلى ملجأ لمتعاطي المخدرات والمشرّدين. ويضمّ المتحف الذي افتتح في العام 2005 مجموعة الفسيفساء التي تملكها المدينة، فيعرضها في بناء حديث الطراز صممه مهندس معماري ذائع الصيت في تركيا. وكانت غازي عنتاب قبل سنوات من إطلاق المتحف، افتتحت ما تباهي بها على أنّها حديقة الحيوانات الأكبر في الشرق الأوسط والرابعة من حيث المساحة في أوروبا. وفي سياق جهوده في خلق صورة لمدينته قائمة على التاريخ والثقافة، يتّخذ رئيس بلدية غازي عنتاب مدينة بيلباو الإسبانيّة مثالًا يُحتذى، وهي المدينة التي بُني فيها متحف غوغينهايم ليعبّر عمّا تملكه من إرث ثقافي28. وفي العام 2003 افتتحت مدينة قيصري متحف قادير هاس، المُصمّم كي يستعرض المدينة من خلال التقنيات المتطوّرة في مبناه الضخم المؤلّف من ستّ طبقات29. المشروع الأخير نفّذته بلدية المدينة بتمويل من قادير هاس، أحد أكبر رجال الأعمال في قيصري. في تشورم في العام ذاته، وهي المدينة التي تُعرف بأنّها عاصمة الحتيين القديمة، جرى ترميم مبنى مستشفى متقاعد يعود إلى القرن التاسع عشر وتحويله إلى متحف جديد يتناول تاريخ المدينة30. ظاهرة إعادة استغلال المباني التاريخيّة كمتاحف ربّما تعكس اهتمام مسؤولي تشورم في المحافظة على التراث، إلّا أنّها أيضًا تعبّر عن محدوديّة الميزانيات الماليّة المخصّصة لهكذا مشاريع، الأمر الذي حال دون تمويل إنشاء مبنًى حديث مرموق يوازي متحف زويغما في غازي عنتاب.

 

إزاحة محرّكات النمور

أكثر التدخّلات المدينيّة عنفًا ربّما تتجسّد في المحو التام لمناطق أُدينت بسبب عناصرها "غير المرغوبة"، وتحديدًا الأحياء التي يقطنها العمّال القادمون من الخارج. تطلّب التوسّع الاقتصادي لمدن النمور أيدي عاملة مهاجرة شُجّع على قدومها من أرياف الأناضول ومن مدن أخرى في أنحاء تركيا لا تشهد ازدهارًا. وأبدى القادمون، الساعون خلف الوظائف، تقبّلًا للعمل والسكن في ظروف غير مريحة لقاء تقاضي رواتب متواضعة من عملهم، بالدرجة الأولى، في مصانع النسيج المتحرّرة من الضوابط. تُعدّ غازي عنتاب مركز التصنيع في جنوب شرق تركيا، وتُساهم أعداد القادمين للعمل فيها في جعل نسبة سكّانها المولودين خارجها أكثر من ثلث إجمالي قاطنيها، ما يعزّز الزعم بأنّها النمر الأناضولي الذي يضم أكبر تجمّع للعشوائيات31. في دينزيلي، وفي السياق عينه، تبلغ نسبة السكّان المولودين خارجها نحو 20 في المئة من إجمالي سكّانها. وجاء أكثر القادمين للعمل في دينزيلي عمومًا من البلدات المحيطة بها. وكانت نسبة سكّان هذه المدينة بالمقارنة مع سكّان الإقليم الأكبر الذي يضمها ارتفعت، بين العامين 1980 و2007، من 22,4 في المئة إلى 35,6 في المئة32. ويعمل معظم ذوي الدخول المنخفضة في دينزيلي في مصانع النسيج التي تضمّها، ويقطن بعضهم في طوابق تحت الأرض في أسفل الأبنية السكنيّة33. وليس ثمّة ما يشير إلى استعداد مُسبق أظهرته مدن النمور لاستقبال الدفق الهائل من العمّال القادمين، أو حتّى للتجاوب مع ما يطرحه قدومهم من تحديات.

وشهدت أعداد العمال القادمين، منخفضي الأجور، تصاعدًا متواصلًا من دون أن تسعى مشاريع الإسكان في مدن النمور إلى مواكبة ذلك التصاعد السكنيّ والنمو الصناعي الحاصل. عمال كثر انتهوا وعائلاتهم قاطنين في العشوائيات، أو gecekondus باللغة التركيّة. وتنشأ العشوائيات في العادة قرب المصانع، حيث يتمكّن العمال من تقليص أكلاف العيش. ويعتبر السكن في العشوائيات ظاهرة مستجدّة في مدن النمور إثر التوسّع الاقتصادي الذي حقّقته. على أن مظاهر السكن في أحياء مماثلة كانت شائعة أيضًا في حاضرات تركيا منذ أواخر الخمسينات – الحقبة التي شهدت دخول هذا البلد في الاقتصاد الرأسمالي العالمي من خلال المكننة الزراعيّة. فحين دعّمت المدن اقتصاديّاتها عبر التصنيع، اندفعت الأيدي العاملة نحوها سعيًا خلف النماء وفرص العمل. وأظهرت الدولة في زمن التنمية القوميّة اهتمامًا أكبر في تنمية الصناعة من خلال تأمين المساكن للقادمين الجدد والفقراء. لكن وعلى الرغم من السياسات الرسميّة الشعبويّة، طالما انتهى العمال القادمون في عشوائيات يبنونها بأنفسهم. وانتهجت السياسات النيوليبراليّة المتّبعة في جميع أنحاء تركيا حملات تهدف إلى تجديد التنمية عبر إزالة العشوائيات، المواقع التي مثّلت خزّانات تضخّ النمو الاقتصادي في تلك الحقبة. ويتمركز ما تبقّى من هذه العشوائيات اليوم في أوساط المدن التي ارتفعت قيمتها العقاريّة. وبُرّرت عمليات إزالة العشوائيات في أن الأخيرة لا تخدم جهود المدن في تبوّؤ الموقع المطلوب في مشهد الاقتصاد العالمي الذي تلعب فيه الصورة دورًا مهمًّا. واستفاد قادة مدن "نمور الأناضول" المحليون، حين شرعوا في مواجهة العشوائيات، من خبرة العقود السابقة في هذا المجال في تركيا. وأشار عمدة مدينة دينزيلي بوضوح ومن دون مواربة إلى الأسلوب المتّبع في حملة التنظيف: "تجميل المدن اليوم لا يعتمدّ على بنائها بل على هدمها"34.

تمّ إخلاء المناطق التي يسكنها العمال، فيما جرى "تنظيف" المناطق المتردّية من العناصر "المُلوِّثة"، التي اعتبرها رئيس الوزراء، رجب طيّب أردوغان، "أورامًا تحاصر مدننا "35. وأُسندت إلى "دائرة التنمية الإسكانيّة التركيّة"، TOKI، بالتعاون مع الإدارات البلدية، مهمّة "تحرير المدن من العشوائيّات"، حسب تعبير أحد مدراء هذه الوكالة36. على الأثر حل مكان العشوائيّات في مدن النمور مناطق "حديثة" جهزت ببنى تحتيّة مناسبة ومرافق خدمات اجتماعيّة، كالمدارس والمراكز الثقافيّة والملاعب الرياضيّة والمتنزهات. وبدا تسويق التدخّلات المدينيّة إذ ذاك موجّهًا لعائلات أكثر يسرًا، لا للسكان الأصليين في تلك المناطق. مقابل هذا قدّم للعمال المهاجرين مساكن بديلة في مشاريع "دائرة التنمية الإسكانيّة التركية"، TOKI، وهي في الغالب مساكن بعيدة عن مراكز عملهم رتّبت عليهم مزيدًا من الأعباء. إذ عنى قبول العيش في واحد من هذه المشاريع الإسكانيّة الالتزام بترتيبات قرض سكني على مدى اثني عشر إلى خمسة عشر عامًا، الشرط الذي لا يتوافق مع الحياة غير المستقرّة المفروضة على العمّال القادمين من أمكنة بعيدة لمحاولة الاستفادة من الاقتصاد الجديد.

على الرغم من اعتبار "مشاريع التحويل المدينيّ" Urban Transformation Projects عوامل داعمة لقطاعات البناء المحلّيّة وللصناديق البلديّة، فإن انعكاسها على مظاهر السكن المدينيّ يبدو كبيرًا، هذا إضافة إلى جدّيّة عواقبها السلبيّة المحتملة على الاقتصاد. ويواجه العمّال القادمون، الذين يُحركون عجلة المصانع في مدن النمور، مزيدًا من الضياع. في غازي عنتاب مثلًا، انطلق مشروع "تحويل مدينيّ" في منطقة ساهين باي في العام 2010، حين قُرّر إزالة نحو 4,640 وحدة سكنيّة عشوائيّة لاستبدالها بمشروع من الأبراج السكنيّة تضمّ 15 ألف شقّة لموسري المدينة37. وامتُدح هذا المشروع في الصحافة المحليّة إذ اعتبر نهاية "للتمدين المشوه المفتقر إلى التخطيط" (شربيك كينتليشمي) وفرصة لخلق مناطق سكن حديثة38. وبمناسبة مشروع "تحويل مدينيّ" أخير في تشورم دان عمدة المدينة ظاهرة تردّي "مناطق السكن التي تضفي على الحاضرات المدينيّة أجواء الريف"39. ولم يكن مفاجئًا اعتبار العمدة أن الأبراج السكنيّة ومراكز التسوّق هي ما تحتاج إليه مدينته. وتحت إعلان السعي إلى التمايز، يُجرى بناء كلّ مدينة من مدن النمور ليكون تمييزها عن الأخرى متعذّرًا. فمن خلال إزالة علامات الفقر ومحوها، يؤثّر قادة هذه المدن سلبًا على واقع مدنهم السكّاني الذي لا يستهان بمساهمته في نمو الاقتصاد. وفي عملية ابتكارهم صورة لمدنهم يعتبرونها ناجحة وحديثة، نحوا نحو قرارات تنمويّة يحتمل أن تهدّد صميم الحركة الاقتصاديّة المدينيّة التي درّت الأرباح.

 

خلاصة

في الوقت الذي استندت فيه النظرة الإيجابيّة العالميّة إلى النمو الاقتصادي في مدن "نمور الأناضول" على مبادرات الاستثمار الخاصّة المحليّة، فإن ذلك تمّ على حساب هذه المدن. إذ أن الأخيرة شهدت، أكثر من أيّ وقت مضى، حركة انفصال اقتصادي واجتماعي متزايدة. ومع بروز الطبقة الوسطى الجديدة وبتأثير من صور الاستهلاك المعولمة لشراء أنماط الحياة "المتخيّلة"، المُصمّمة على شكل مجمّعات سكنيّة حصريّة ومولات مرفّهة، ومع قيام الإدارت البلديّة بتسويق الصور التي تشير إلى ما ينبغي على المدينة الحديثة أن تضمّه، بغية الاستفادة من الطبقة الوسطى، يخسر فقراء المدينة بيوتهم وأحياءهم وتخسر المدينة ميزة استمرار عطاءاتهم لها. فالنجاح المدوّي الذي حققته "المدن النمور" ربّما لا يعني أكثر من مكاسب آنيّة لقلّة من الناس على حساب تقاليد لا تزول في الاستثمار، أو حتّى في التخطيط المدينيّ.

ترجمة فادي طفيلي

1- تسمية "نمور الأناضول" تستحضر الاقتصادات التي نمت بسرعة في جنوب شرق آسيا، بالتحديد في هونغ كونغ وتايوان وكوريا الجنوبيّة، المعروفة "بالنمور الآسيويّة". يضمّ إقليم الأناضول المناطق التركية شرق البوسفور التي تُمثّل أقصى تمدّد آسيوي نحو الغرب. مدن "نمور الأناضول" مثّلت لكثيرين، في تركيا وخارجها، نموذجًا ممكنًا للاقتصاد التركي.

2- بيلين تورغوت، "نمور الأناضول: مناطق أثبتت الوفرة،" فاينينشال تايمز، 20 تشرين الثاني، 2006، ?http://www.ft.com/intl/cms/s/1/db1d9cee-7650-11db-8284-0000779e2340.htm1#axzz1pTiTZaLm.

3- محمد تومانباي، "إمكانية تركيا المائيّة ومشروع جنوب شرق الأناضول،" في التوازنات المائيّة في شرق المتوسّط، تحرير ديفيد ب. بروكس وأوزاي محمّد ?(أوتاوا: مركز أبحاث التنمية الدوليّة، 2000)،?http://www.crdi.org/en/ev-33231-201-1-DO_TOPIC.html.

4- فاهري سولاك، "Türkiye-Orta Asya Cumhuriyetleri D?? Ticaret Il?ikilerinin Geli?imi" (تطوّر علاقات التجارة الخارجيّة بين تركيا وجمهوريات وسط آسيا)، جامعة مرمرة، مجلّة I.I.B.F18، العدد 2 (2003): 69-96، http://iibf.marmara.edu.tr/dosya/fakulte/iibfdergi_2003/2003_5.pdf.

5- البعثة الأوروبيّة لاتحاد أنظمة العمولة والضرائب، "تركيا: اتحادات الأنظمة والتدابير التفاضليّة"، الدخول في 15 آذار،2012،http://ec.europa.eu/taxation_customs/customs/customs_duties/rules_origin/customs_unions/article_414_en.htm.

6- فؤاد كيمان وبيرين كويونشو لوراسداغي، Kentler: Anadolu’nun Dönü?ümü, Türkiye’nin Gelece?i (المدن: تحوّلات الأناضول، مستقبل تركيا) ?(اسطنبول: دوغان كتاب، 2010).

7- Sanayici ve I? Adamlar? Dernekleri، (روابط الصناعيين ورجال الأعمال)، أو SIADs، وهي نتاج سياسات التحرير الاقتصاديّة التركية منذ أعوام الثمانينات. عدد هذه الروابط بدأ بالارتفاع في التسعينات واستمر بالارتفاع على مدى العقد الأوّل من الألفية الجديدة، حيث قامت كلّ مدينة بتأسيس رابطتها (أمثلة: KONSIAD في قونيا، وCOSIAD في تشورم، وDESIAD في دينزيلي، وGASIAD في غازي عنتاب، وKAYSIAD في قيصري). رجال الأعمال والصناعيون الأكثر نفوذًا في الاقتصادات المحليّة لا يتسجّلون كأعضاء في هذه الروابط بمدنهم. راجع عبدالرحيم غوليتش، "النمو الاقتصادي الناجح في تركيا"، WirtschaftsForum Nah-und Mittelost 5 (أيلول – تشرين الأوّل (أوكتوبر) 2004): 12.

8- عايدة إرايدين، Yeni Sanayi Odaklar?: Yerel Kalk?nman?n Yeniden Kavramsalla?t?r?lmas، (نقاط الارتكاز الصناعيّة الجديدة: إعادة صياغة النمو المحلّي) (أنقرة: ODTÜ Mimarl?k Fakültesi، 2002)، 73، على ما استشهد بها ميتن أوزاسلان، "السعي لتطوير الأحياز ونهوض المناطق الصناعيّة الجديدة في تركيا ما بعد حقبة الثمانينات" (ورقة قدّمت في مؤتمر رابطة العلوم المحليّة في أوروبا، آب، 2006)، 19، , http://www-sre.wu-wien.ac.at/ersa/ersaconfs/ersa06/papers/834.?pdf.

9- مراد تشوغيزين، "الاستثمارات التي تملكها الدولة والمبادرات الاستثماريّة والتنمية المحليّة: نموذج من تركيا"، (تقرير، أوراق أبحاث شخصيّة في أرشيف ميونيخ الاقتصادي 27676، 24 كانون الثاني، 2011)، http://mpra.ub.uni-muenchen.de/27676.

10- المصدر السابق ?–11 SME تعرّف في العادة من قبل المعاهد الوطنية والدوليّة على أنّها توظّف ما لا يزيد عن 200 إلى 250 شخصاً. راجع "الاستثمارات الصغيرة والمتوسّطة في تركيا"، (تقرير، منظمة العمليات الاقتصادية والتنمية، قضايا وسياسات، 2004)، http://www.oecd.org/dataoecd/5/11/31932173.pdf.

12- زيرين أوزبك، "KOBI’lerin Türk Ekonomisine Etkileri” (أثر الاستثمارات الصغيرة والمتوسّطة على الاقتصاد التركي)،?Uluslararas? Ekonomik Sorunlar Dergisi 31 (2008): 49-57,?http://www.mfa.gov.tr/data/Kutuphane/yayinlar/EkonomikSorunlarDergisi/sayi31/Zerrinozbek.pdf.

13- بولينت غونال، "De?i?en ve geli?en kentler”، (المدن النامية والمتحوّلة)، Habertürk (Istanbul), January 12, 2012.

14- لاستعراض نموذجين، راجع بيلين، "نمور الأناضول": "الكالفينيّون المسامون: التحوّلات والمحافظة في وسط الأناضول"، (تقرير، مبادرة الاستقرار الأوروبي، 19 أيلول (سبتمبر)، 2005)، http://www.esiweb.org/pdf/esi_document_id_69.pdf.

15- Keyman and Lorasda??, Kentler

16- التمايزات الدينيّة أدّت إلى عيش العلوييون في مناطق مفصولة عن مناطق عيش الأكثريّة السنّيّة. وأدّت الهجمات القاتلة التي تعرّض لها العلويين في تشورم في العام 1980 إلى قيام الأخيرين بعزل أنفسهم عن المواطنين السنّة. والمثير للاهتمام أن الاستثمارات الأجنبيّة المباشرة قوبلت بالريبة من كلي الطرفين، إذ اعتبر أن المصالح الأجنبيّة ربّما تستبطن أجنداتها لتجديد الصراع الديني في المدينة.

17- أوزليم أونسال وتونا كويوتشو، "مواجهة النظام المدينيّ النيوليبرالي: التجديد والمقاومة في باشي بويوك وتارلابشي"، في "وجهة اسطنبول: العاصمة الثقافيّة لأوروبا؟، تحرير دينيز غوكتورك وليفينت سويسال، وإيبيك توريلّي (لندن، روتليدج، 2010)، 51 – 70.

18- دوردان أبدال، "Kondudan Moderne Gecis" (الانتقال من الكوندو إلى الحداثة)، TOKI Haber (المجلّة التركية لتطوير السكن والإدارة)، 20 تموز (يوليو)، 2011http://www.tokihaber.com.tr/haber/kondudan%20moderne%20ge%c3%A7i%c5%9F

19- عايشة أونشو، "سياسات سوق العقارات المدينيّة في تركيا: 1950 – 1980"، "المجلّة الدوليّة للأبحاث المدينيّة والمناطقيّة 12، العدد 1 (1988): 38 – 63.

20- الشركة المتعدّدة، "Multi Turkiye Groundbreaks Forum Keyseri,” June 16, 2009 http://www.multi.eu/index.php?option=com_content&view=article&id=193&catid=81&layout=press.

21- متنزه قيصري، "Kayseri Park Hakkinda"، (عن متنزّه قيصري)، الدخول في 15 آذار (مارس) 2012، http://www.kayseripark.com.tr/default.asp?part=hakkimizda.

22- مدينة ناطحات السحاب، "Denizli Sümerpark Complex U/C," European Forums (blog), February 16, 2011,?http://www.skyscrapercity.com/showthread.php?t=1323753

–23 بينار سافاش يافوزشيري، "Kentsel Mekanda De?i?im: Denizli” (التحوّل في الفضاء المدينيّ: دينزيلي)، (أطروحة دكتوراه، جامعة باموكيل، دينزيلي، 2011).

24- مساكن كيناش، "الصفحة الرئيسيّة"، الدخول في 15 آذار 2012، http://www.kinas.com.tr/tr/residence

25- أوغور إنشآت، Tamamlanan Projeler (المشاريع الكاملة) الدخول في 15 آذار 2012 ، http://www.ugurinsaat.com.tr/?s=tamamlananprojeler.

26- آش أمين ونيغيل ثريفت، "الاقتصاد – الثقافي والمدن"، "التقدّم في الجغرافيا البشريّة" 31، رقم 2 (2007): 143 – 161.

Keyman and Lorasda??, Kentler –27

28- "Baklavayla nereye kadar biz Bilbao’yu örnek ald?k” (إلى أيّ حد يمكن الذهاب مع البقلاوة: اتخذنا بيلباو مثالًا لنا)، ?Habertürk (Istanbul)، 11 كانون الثاني (يناير) 2012،?http://ekonomi.haberturk.com/emlak-mortgage/haber/705126-baklavayla-nereye-kadar-biz-bilbaoyu-ornek-aldik.k

29- متحف مدينة قيصري، "الصفحة الرئيسيّة"، الدخول في 15 آذار (مارس) 2012، http://www.kayseri-kentmuzesi.gov.tr/online.htm.

30- "متحف تشورم"، ,(Aktüel 23 (November/December 2007 ?www.serfed.com/content_files/dergi/23/10_aktuel.pdf.

31- سيريف غينيس وأمين باكي أداس، Gaziantep Kent Nüfusunun Demografik Ve Sosyo-Ekonomic Yapisi: Saha Ara?tirmasindan Notlar (البنى السكانيّة المدينيّة والاجتماعيّة الاقتصاديّة في غازي عنتاب: ملاحظات من دراسة ميدانيّة)، مجلّة العلوم الاجتماعيّة في جامعة غازي عنتاب 10، رقم 1 (2011): 321- 293،?http://www1.gantep.edu.tr/~sbd/index.php/sbd/article/view/207.

32- حسن قره، "تلافي احتلال البيوت وعقارات الإسكان الاجتماعي في دينزيلي"، نشرة الجغرافيا الشرقية في جامعة أوتشاك 15، العدد 23 (2010): 103-118.

33- يتقاضى معظم العمال المهاجرين أجورًا تقلّ عن الحدّ الأدنى للرواتب. يتقاضى بعضهم أجرًا يوميًا ولا يحصل على عقد عمل.

34- Yavuzçehre, Kentsel, 293.

35- أوزليم أونسال وتونا كويوتشو، "مواجهة النظام المدينيّ النيوليبرالي: التجديد والمقاومة في باشي بويوك وتارلابشي"، في "وجهة اسطنبول: العاصمة الثقافيّة لأوروبا؟، تحرير دينيز غوكتورك وليفينت سويسال، وإيبيك توريلّي (لندن، روتليدج، 2010)، 54.

36- "Gecekondulari temizlemek lazim" ("بحاجة لعشوائيات نظيفة")، Mynet Haber (Istanbul)، 11 شباط (فبراير) 2006، http://haber.mynet.com/gecekondulari-temizlemek-lazim-217604-finans.

37- ?ahinbey'de toplu konut sevinci, (بهجة الإسكان العام في شاهين باي)،Gaziantep27 Gazetesi،11 شباط (فبراير) 2011، http://www.gaziantep27.net/root.vol?title=sahinbey-39de-toplu-konut-sevinci&exec=page&nid=87096.

38- Sahinbey' de kentsel donusum calismasi (التحوّل المدينيّ في شاهين باي)، Olay Medya، 22 كانون الثاني 2012، http://www.olaymedya.com/root. vol?title=sahinbey-39de-kentsel-donusum-calismasi&exec=page&nid=347713

39- «TOKI›den Corm› a buyuk kentsel donusum» (تحوّل مدينيّ كبير الحجم من TOKI إلى تشورم)، كانال د. إملاك (اسطنبول)، 6 شباط 2011، http://emlak.kanald.com.tr/haber/kentsel_donusum/TOKIden_Corumda_buyuk_donusum/7780.aspx
لطلب العدد الأوّل من البوابة التاسعة يرجى مراسلتنا على order@portal9journal.org ، مع اسم صاحب العلاقة وعنوانه البريدي ورقم هاتفه، وسيقوم أحد أعضاء فريق عملنا بالإجابة والتعاون.
المعلومات المطلوبة
    


شكراً لإرسال طلبكم للبوابة التاسعة