العدد 1 المتخّيل، خريف 2012
خُطط
أوردوس: مدينة صينيّة على المسار السريع
يبدو ان هذه المنطقة مخصصة لاستقبال الصحافيين الذين تذهلهم فيدينون ما يظهر من خوائها مفرط الاعتداد بالذات1
1 2 3 4 

"نظرنا في الثمانينات إلى مقاطعة شنجن كنموذج للتطوير المدينيّ، وفي التسعينات نظرنا كذلك إلى شنغهاي. ونأمل، عندما يبحث الناس في الأعوام العشرين المقبلة عن نموذج جديد، أن ينظروا إلى أوردوس"2.

واحدة من أسرع البيئات المدينيّة تطوراً في الصين هي بلدية أوردوس الواقعة في منغوليا الداخلية ذات الحكم الذاتي. أوردوس التي تأسست قبل عشر سنوات وحسب، أصبحت نموذجاً للتنمية الاقتصادية والمدنية المحاط بجدال واسع. ويسعى إلى التقدم بقفزات صغيرة نحو المراحل المتقدمة من التحديث. وعلى الرغم من ارتباط النمو أساساً بالصناعات المنجمية، فإن حديث مسؤولي البلدية يصور استراتجيات تنمية أوردوس على المدى الطويل كنموذج يحتذى به، وليس فقط بمصطلحات النمو الاقتصادي. ويزعم قادة أوردوس احتضانهم التنمية بمفردات التربية الأفضل والوقاية الصحية والرفاه الاجتماعي والمزيد من المؤسسات المتلهفة للعمل في الثقافة والتجديد والحفاظ على البيئة. وعلى الرغم من الأقوال هذه، صنّفت الصحافة العالمية أوردوس كبرهان على الفقاعة العقارية في الصين، وعلى خروج ثقافة البناء عن السيطرة.

وبالاستناد إلى بحث في علم الإناسة (Anthropology) وفي العمارة، أجري في المدينة أثناء رحلات عدة إليها بين العامين 2008 و2011، اختار المؤلفان فهم أوردوس عبر منظور سيطرة ثقافة السيارة. وقد يلقي تعبير أوردوس المحلي عن ثقافة السيارة الضوء على اتجاهات أكثر عمومية تبرز في مدن الصين المبنية حديثاً، وتحديداً بما هي نتيجة فائض الاستثمارات وليست كمدن مخصصة للسكن. وليس الهدف من المقال هذا صوغ نظرية عامة عن ثقافة السيارة في الصين، بل بالأحرى الاعتراف بها كعنصر رئيس لقي اهتماماً ضئيلاً في مساعي كشف ديناميات الصين المدنية. واستنتج المؤلفان أن السيارة تتكامل مع الكيفية التي بُنيت البيئة المدنية وجرى عيشها وتخيلها في أوردوس.

 

ولادة مدينة طفرة اقتصادية

 ضُمّت مجموعة مستوطنات أكثرها ريفي تسمى "رابطة يكي – جو"، وتكوّن واحدة من أفقر مناطق منغوليا الداخلية، في العام 2001، لتشكل مدينة على مستوى المحافظة. وأطلق اسم أوردوس على المدينة الجديدة. وعلى ما يشير عالم الإناسة الاجتماعية يوردين أي. بولاغ فإن التغير جلب تبعات عدة:يُفترض أن "أوردوس" هو إحياء للإسم القبلي الأكثر أصالة الذي يستخدمه المغول المحليون، وهو اسم متصل بمقامات جنكيز خان، وحل مكانه اسم يكي – جو وهو اسم إداري فرضته سلالة منغ ويعني "الدير الكبير". وبتحويلها إلى بلدية... تبدو أوردوس كمغولية أصيلة وكمدينة عصرية في آن3.

ويوضح بولاغ أن "العصري" في الحالة هذه يشير إلى إعادة تنظيم المنطقة على نحو يعكس "التناغم الإداري" للحكم الصيني4. ووسم أماكن معينة بأنها "مدن" كان جزءاً من الوسائل التي اعتمدتها الصين للتسريع في عملية التمدين والتحديث على امتداد أراضيها. وبحسب رؤية بولاغ، فالتمدين ليس نتيجة بل "هدف" لسياسات الصين الاقتصادية. وتبدو أوردوس ملائمة للنموذج هذا، حيث إن تسميتها مدينة توَافق مع زيادة رهيبة في الثروة المحلية التي جلبت معها الأبراج والبنى التحتية لتملأ ما أطلق عليه اسم مدينة. وخلال عشر سنوات، انتقل المقيمون في أوردوس من استخدام بنية تحتية هزيلة إلى اختبار طرق وتطور بمعايير مقبولة دولياً. وفي العقد المنصرم، كان نمو أوردوس الاقتصادي والمناطق المحيطة بها مدهشاً، السبب الأهم وراء ذلك هو وجود احتياطي هائل من الوقود الأحفوري الذي جذب ألواناً شتى من الاستثمارات. وتحتوي أوردوس على 149.6 مليار طن من احتياطات الفحم المؤكدة، ما يعادل نصف الاحتياطات المؤكدة في منغوليا الداخلية وقرابة سدس احتياطات الصين5. وفي الأعوام العشرة الماضية، زادت أوردوس انتاج الفحم من 25 مليون طن إلى 433 مليون طن6، في قفزة صناعية توازت مع ارتفاع الإنتاج المحلي من 1.9 مليار دولار في العام 2000 إلى 40.6 مليار دولار في 2010، بمعدل زيادة سنوي يبلغ 33.3 في المئة7. وغذت الصناعات المنجمية خطط التوسع المدني السريع، ما أسفر عن مضاربات عقارية متأرجحة رفعت معدل نمو أوردوس الاقتصادي فوق أفضل معدلات النمو المعروفة للمناطق المدنية على طول ساحل الصين الشرقي الثري. ويأتي أكثر من نصف عائدات البلدية من الضرائب والرسوم المفروضة على شركات استخراج الفحم وحدها. والمظهر الأبرز للتراكم هذا كان في الخطط الطموحة للتعمير والسيناريوات العقارية التي تبنتها الاستثمارات الخاصة. وبعدما كانوا مصدراً لليد العاملة الرخيصة في الخارج، يعتبر سكان أوردوس اليوم من بين الأغنى في الصين. ويأتي مهاجرون من الخارج إلى أوردوس بحثا عن العمل. وتوجد أوردوس اليوم في ظل صيغة "مدينة واحدة، ثلاث مناطق". هي منطقتا دونغشنغ وآجن و"منطقة كانغباشي الجديدة" التي تؤدي وظيفة مقر الحكومة المحلية. وصرح امين الحزب الشيوعي المحلي في المدينة أن الهدف من "منطقة كانغباشي الجديدة" هو "بناء أسلوب عيش متحضر"8. وتقع المنطقة على بعد 27 كيلومترا في اتجاه الجنوب الغربي من منطقة دنغشنغ المبنية سابقاً، وقبل أقل من عشر سنوات كان أكثرها أرضاً صحراوية مع بعض المراكز السكنية المتناثرة. وقد باتت الخطط جاهزة لتستقبل المنطقة 300 ألف من السكان9. وتعكس الأحياء ذات الفيلات الأوروبية الطراز والحدائق الخاصة طموح مطوري كانغباشي وظروف عمل وعيش "مثالية"، وإن كانت لمجموعة من السكان الأعلى دخلاً. وراء الفيلات تقع الأبراج السكنية والجادات العريضة وساحة ضخمة الأبعاد باتت تميز المنطقة. وفوق ذلك كله، حدد قادة أوردوس كأولوية لهم توفير حلول دائمة للطاقة متعهدين بجعل كانغباشي "مدينة خضراء". واحتوى تخطيط كانغباشي وتصميمها على السمات الطاغية في التخطيط المدني في الصين: مزيج من التفكير الشاسع والناظم للاستغلال العمراني للأرض، واستراتيجيات التخطيط الشِعري المزعوم.

ويلجأ المخطط العام إلى نموذج من الحلقات ذات المركز المشترك، بتأثير "داكسيس بلانرز إند كونسولتانتس (D'Axis Planners and Consultants) (برعاية شركة "سي بي جي كونسولتانتس" (CPG Consultants)).

ويُشَبَّه مركز المدينة بشمس تشرق من مرجة وترسل أشعتها إلى الخارج. ويصل المحور المركزي البالغ طوله 2.6 كيلومترين وعرضه مئتي متر، منطقة الحكومة بمساحة للترفيه ثم بمنطقة مالية. وتبدأ ساحة جنكيز خان الواسعة المفتوحة المحور من أبراج الحكومة. وعلى امتداد المحور تقع اربعة مبان ثقافية كبيرة – مكتبة ومتحف ومركز للثقافة والفن ومسرح لثقافة الأقلية – ويبقى أكثرها فارغاً ومن دون برمجة لنشاطاته.

وبعدما حفزتهم عائدات الوقود الأحفوري في المنطقة، روج مسؤولو الحكومة المحلية ومطورو العقارات لمدينة جديدة تنمو، من دون أن يولوا كبير اهتمام لمن قد يعيش هناك. وما زال مراقبون كثر ينتقدون تبعات ضخامة رأس المال المستثمر والبناء وقلة الإشغال. والمنطقة يقطنها اليوم عموماً عمال مهاجرون يبنون الأبراج الواقعة وراء المحور والموظفون المشرفون على جداول التطوير. وعلى الرغم من الاستثمارات المالية في عقارات أوردوس، ما زال حضور المصالح التجارية المخصصة لدعم ما يفترض أن يكون الوجود المدني للسكان، في حده الأدنى. وركزت الصحف الصينية على العلاقة الاقتصادية الحاملة للأخطار بين بناء أوردوس وبين أهلها. واحد من أحدث التطورات كان تأسيس صناديق الاستثمارات الخاصة في أوردوس، المنطقة التي كانت معروفة باستثمارات أكثر تحفظا10. لكن وبحسب ما تظهر الملاحظات في أوردوس، فقد غطى السوق الخاص للقروض قصيرة الأجل مرتفعة الفائدة على الكثير من فرص الاستثمار الرسمية. وتطفو القروض هذه بين شبكات محلية بمعدلات فائدة شهرية تراوح بين ثلاثة وخمسة في المئة. ويقدر السكان المحليون أن أكثرية كبيرة من القاطنين في أوردوس يشاركون في هياكل الإقراض غير القانوني هذه، وأن القسم الاكبر من النقد ينتهي به المطاف في العقارات12-11.

وتركزت التغطية الدولية لأوردوس على تطوير "منطقة كانغباشي الجديدة"، ليس لأن طفرة معجزة مدنية تحققت فيها على غرار شنغهاي أو شنجن. بل إن المراسلين الصحافيين جاءوا إلى المدينة ساعين إلى تقديم كانغباشي كنموذج سلبي، إن لم يكن كتحذير، من مخاطر التمدين السريع في الصين. لكن بدا أن المنطقة هذه قٌيد لها استقبال صحافيين أدهشتهم المدينة وادانوا خواءها العظامي الظاهر13. "وصور "محطمو كانغباشي" على ما يمكن أن يُدعى النقاد، طموح أوردوس على أنه طموح مشوه، مبخسين "منطقة كانغباشي الجديدة" ومقدمينها على أنها مدينة الصين الخالية النموذجية14. وحاولوا الرد على اللغز المدني بصور حية من أوردوس، المدينة التي تحتوي على "تماثيل ضخمة منغولية جديدة، وقصور خاوية وأصداف إسمنتية عملاقة"، في حين تقف الرافعات جامدة فوق ناطحات سحاب غير منتهية بينما يفر العمال المهاجرون"15. وكتب آليكس ستاينبرغر من موقع "غوغل سايتسيينغ" (Google Sightseeing): "تنهض [أوردوس] من الصحراء لتعلن مجد الانجازات البشرية. ومبانيها العالية الرائعة ومشاريعها الحكومية الضخمة تمتد مطوقة كل الجهات بطرق واضحة وسلسة وصفوف لا نهاية لها من مصابيح الشوارع الحديثة. ?بيد أن ثمة مشكلة واحدة... إنها غير قابلة للسكن ?عملياً "16. وبأبراجها السكنية الجديدة التي مولها مؤمنون بمستقبل أوردوس، أصبحت شوارع المدينة الجديدة الفارغة ومشاريع تطوير المساكن الخالية أهدافاً يسهل تصويرها لنهاية فقاعة العقارات الصينية. وعلى الرغم من أن تطوير كنغباشي اكتسب سمعة سيئة كعبرة لقصة عن التمويل المدني الشامل، أضاف الاقتصادي تنغ لو من مؤسسة "بنك أوف أميركا ميريل لنش" لمسة تفاؤل على أحجية العقارات بتوجيهه التحية إلى الواجهة شبه الخالية من الشاغلين [كمشهد] "ينبغي على المستثمرين العقاريين الجدد رؤيته"17. وأشار إلى "أننا عثرنا على مدينة جديدة تماماً لكنها فارغة، بيد أن المراسلين يتمكنون بسهولة من تشويه المشهد العام، ويبالغون في المشكلات ويفرطون في تعميم الاستنتاجات. في الواقع، أوردوس فريدة تمام الفرادة – ومضلل جداً افتراض أن ما حصل في أوردوس يمكن أن يحدث في مناطق أخرى من الصين"18. وبينما كانت أزمة 2008 المالية العالمية تنتشر، كشفت زيارة إلى أوردوس عن شوارع خالية فقط بين [ورش] البناء الجاري في هذه المنطقة المهجورة. ويحاجّ مساندو أوردوس أن المدينة ما زالت قيد البناء، وأن الناس سيشغلون في نهاية المطاف المساكن والمكاتب الجديدة. وسواء مثّلت كنغباشي أو لم تمثل أو انبغى لها أن تمثل حال العقارات في الصين، فالخواء هو الواقع في كنغباشي، طالما أن بضع مئات من الآلاف من السكان المحتملين قد انتقلوا من دونغشنغ القديمة إلى "منطقة كنغباشي الجديدة19.

 

السيارات والمدينة

لفهم القوة المُشَكِّلة لأوردوس، على المرء أن ينظر أيضاً إلى ما يتخطى الأبراج الفارغة المبنية بالقروض و[بأموال] المضاربات، وأن يفكر في دور السيارة، بما تعنيه من صناعة ومن رمز لحالة الفرد. والاعتماد على السيارة، حتى لو لم يكن هوساً اجتماعياً واسع النطاق، يحدد كيف بنيت أوردوس وكيف عاش الناس فيها وكيف تخيلوها. وتستند هذه الدراسة إلى ملاحظات ومقابلات مع سكان أوردوس خلال زيارات عدة بين 2008 و2011، وتهتم [الدراسة] بتوسع أوردوس العمراني من وجهة النظر المميزة للسائقين فيها.

 ولم تترك وسيلة نقل أخرى، في حيز زمني قصير كهذا، ذاك الأثر العميق على المدينة المعاصرة على غرار ما فعلت السيارة. والسيارة، كأداة متحركة، هي مبدد فعال لفهمنا للزمان والمكان. نلومها ونباركها. نسرع باحثين عن المكان ثم نجد أنفسنا وقفنا جامدين. والسيارات أساسية في التطور ومعدل السرعة وشكل المدن. ونحدد سمات المدينة تبعاً لحركة السير فيها، وإحصاءات السير (تدخل إلى السير في بكين ألف سيارة جديدة يومياً) ومعدل سرعة السير (في جاكرتا، تبلغ السرعة نحو ستة كيلومترات في الساعة). وقد بدلت الآلة المتحركة الطريقة التي "نصنع" المدن بها. فوجودها والبنية التحتية التي يتطلبها، يفضيان إلى التمدد الافقي (أو التوسع) لمدننا. وكانت صناعة السيارات بذاتها محركاً للتطوير المدني. وتعتمد ديترويت (حيث مقر شركات "جنرال موتورز" و"كرايزلر" و"فورد") وولفسبورغ ("فولكسفاغن") على السيارات – ليس فقط من ناحيتي التنمية الاقتصادية وفرص العمل، بل ايضاً في الكيفية التي نمتا فيها وتشكلتا من قبل صناعة السيارات. وتأخرت الصين نسبياً في الحضور في مجال الحيازة الكثيفة للسيارات وإعادة التشكيل اللاحقة للحيز المدينيّ. والمدن الصينية غير المصممة في الأصل للسيارات باتت معروفة الآن بازدحامها اليومي. ويمكن العثور على السيارات الجديدة الموجهة للمدن، أكثر فأكثر في الصين. مثال على ذلك مدينة انتينغ غير البعيدة عن شنغهاي التي سميت "مدينة المحرك" (Motor City) بسبب صلاتها بصناعة الآليات وخصوصاً "فولكسفاغن" و"جنرال موتورز". وميزت أنتينغ ذاتها بمنطقة اقتصادية خاصة للسيارات لمنشآت التصنيع والتجميع وبمركز لتجارة السيارات وبمركز للأبحاث التقنية. وتقدم منطقة كانغباشي في أوردوس ذاتها تقديمااًمشابها حيث توجد صناعات عدة مرتبطة بالسيارات وتلقى الصناعات هذه ترحيبا مسامرا. وتزعم "حلقة أوردوس الدولية" المتخذة شكل حيوان يعدو، أنها "المشروع الجوهري" في خطة "بناء ثقافة سياحة سيارات"20. وثمة خطط لإقامة حديقة ترفيهية للسيارات لتمتين علاقة أوردوس المتميز مع صناعة السيارات22-21.

وأوردوس مدينة متناثرة على امتداد شاسع؛ وتدعو جادتها العريضة السكان إلى اقتناء سيارات بل تحضهم حضاً. ولبى السكان الدعوة سريعاً. ووفقاً لمكتب إحصاءات أوردوس، لم يكن في منطقة أوردوس عام 2000 طرقات عامة عالية السرعة23؛ في العام 2009 بات هناك 658 كيلومترا من الطرقات عالية السرعة. وتشير الإحصاءات التي جمعتها الشرطة المحلية إلى وجود أكثر من نصف مليون سيارة مسجلة لسكان يبلغ عددهم 1.6 مليون إنسان، أو أكثر من 300 سيارة لكل ألف شخص24.

وبالاستناد إلى حساب بسيط (لكنه غير مرجح)، يكون هناك عربة لكل أسرة من ثلاثة أشخاص. في الواقع، فالأسرة التي يمكنها الحصول على سيارة يرجح أن تملك أكثر من سيارة واحدة. وتوضح الإحصاءات على المستوى الوطني أن هناك 118 سيارة ركاب لكل ألف مواطن صيني25. تتميز أوردوس إذاً بأرقام إحصائية تفصل المدينة عن باقي البلاد.

 وكان التحول قاسياً على أوردوس من الحصان الحقيقي إلى الحصان كوحدة قياس. قلة من السكان امتلكوا خبرة كافية في قيادة السيارات، بل بالتنقل فيها. كان حزام الأمان نادر الاستخدام. ويملك بعض السائقين قطعة بلاستيكية صغيرة يقحمونها في مشبك حزام المقعد لوقف إنذار السلامة من دون أن يربطوا الحزام. وتتجاوز أخطار القيادة السريعة الجالسين داخل السيارات. وأثناء رحلة للكاتب من كانغباشي في عربة "تويوتا لاند كروزر"، وجد نفسه في ازدحام غير متوقع للسير. وللازدحامات المرورية في طرقات كانغباشي المفتوحة عادةً سبب واحد في الغالب. ومرت ساعة من دون حصول تقدم قبل ان تعود الحركة. وفي محاذاة الطريق كانت بقايا دراجة مبعثرة في دائرة قطرها عشرون متراً من الطريق السريع متعدد المسارات. وكان الدم منتشراً على الطريق. وبينما تتسم القيادة وسط شاحنات الفحم الضخمة في كانغباشي بالخطر، فإن المرور على جوانب الطرقات المغفلة، التي يستخدمها المارة من ذوي الدخل المنخفض مشياً على الاقدام أو سيراً على الدراجات، قد يكون مميتاً.

 

أنت ما تقود

لا يمكن الفرار من حمى السيارات في أوردوس. ليس لأن العربات تهيمن على المشهد اليومي والخطاب العام فحسب، بل إنها أيضاً تدفع تطور الصناعات المحلية وتؤثر على مشاريع الأعمال وتوفر الرضا الشخصي. ويمكن للمرء الامتناع عن الحكم على كتاب معروف من غلافه، لكن في أوردوس، يقدر المرء عقد الأعمال بالاستناد إلى [نوعية] سيارات الشركاء في الصفقة. والسيارة تتسم، بترسيخها فكرتي الفرصة والقوة، بسمات إنسانية. وتطورت عملية اكتساب الصفات الإنسانية هذه إلى التي ظهرت معها "ثقافة السيارة"، والتي اصبحت بدورها طريقة لتحليل القرارات البشرية، من المستوى الشخصي إلى ذلك المدني. بل يمكن قراءة المدينة من خلال السيارة.

 وحمى السيارات في أوردوس معدية أيضاً، على ما بدا من مقابلة مع مبشرة مسيحية. وتنحدر هذه من مدينة بايان نور التي تتمتع بمستوى المقاطعة في منغوليا الداخلية، وكانت مشككة في البدء بالهوس المحلي بالسيارات. وكانت تعتبره مؤشراً فظاً إلى الثروة المفاجئة المترافقة مع النقص في المخيلة. وبعدما عاشت وعملت وقتا في أوردوس، التقطت عدوى الدُرجة وتجهد اليوم للحصول على ما يكفي من المال لشراء سيارة دفع رباعي. وتعترف بتغير وجهة نظرها لكنها تشدد على أن إدراكها أن سيارة فخمة هي أكثر من مجرد علامة تجارية. إنها [ميل إلى] النوعية. وتقول إنه كلما علمتَ أكثر عن السيارات عبر الاحتكاك والتفاعل اليوميين، كلما تعذر تجنب جاذبيتها. وبمدخول شهري يعادل ستة آلاف رنميبي (العملة الصينية الرسمية ويساوي هذا المبلغ 600 دولار)، فإن شراء سيارة "تويوتا لاند كروزر برادو في أكس" بثمن 560 ألف رنميبي (84 ألف دولار)، هو انخراط في علاقة طويلة الأمد.

ويعلن ما يقود الرجل أو المرأة موقعه، ما يتجاوز دور السيارة كمجرد وسيلة نقل. وهي أكثر من إضافة أو زائدة، إنها بديل تجميلي. ويوضح رجل الأعمال المحلي السيد كيو العامل في الاقتصاد "الرمادي" [شبه القانوني] واسع الانتشار للقروض قصيرة الأمد مرتفعة الفائدة: "عليك كرجل أعمال أن تنظر إلى ما يقوده الناس". سيارات "اللاند روفر" هي للتباهي. يكون من يقودها عادة غير جدي كفاية، وأحياناً يكون حصل عليها من مال الأب (fuerdai). وإذا وصل أحدهم إلى اجتماع مستقلاً سيارة نقل قديمة أو عربة أجرة "تاكسي"، انسَ أمره. ستعرف أنه من الوزن الخفيف. إذا جاء على متن "لاند روفر" أو "بورشه"، يعني ذلك ان في وسعه الاستثمار. هذه هي اللعبة"26.

ويستخدم عالم الإناسة ألفريد جيل مصطلح "أرواحية العربة" "vehicular animism" لتحديد دور السيارة في مجتمع أوردوس. ويفكر في البائع المتنقل، ذي المظهر الأنيق دائماً. وتكافئ سيارته بذلته: محايدة ومعتنى بها وتنضح بالثقة وقابلية الاعتماد على الذات. ويكتب جيل: "تماماً مثل بائع يقابل زبوناً محتملاً بجسده (أسنانه الممتازة وشعره المصفف جيداً، المؤشران الجسديان على الكفاءة في الأعمال)، يقابل كذلك المشتري بسيارته ("فورد – مونديو" مسجلة حديثاً وسوداء)، كجزء آخر منفصل عن جسده وقابل للتفتيش والتأييد"27.

من ناحية ثانية، يمكن للسيارات أيضاً أن توفر الغفلة في المدينة. ومن الشائع في أوردوس التجول بسيارة مشتراة حديثا من دون لوحات تعريف او تأمين. وأوضح موظف حكومي محلي اثناء الطواف في مركز "منطقة كنغاباشي الجديدة" بسيارته الجديدة من طراز "تويوتا لاند كروزر" أسلوب التفكير هذا. ويريد بعض سائقي السيارات من دون لوحات إخفاء أماكنهم عن زوجاتهم أو أزواجهم. آخرون يقودون بلا لوحات للتهرب من ضبط مخالفة السرعة. وبما أن لوحات رخصة القيادة الصادرة في بكين لا يمكن تغريمها في مقاطعة أوردوس، فإن شراء سيارة من بكين يمثل خياراً آخر.

وتقدم المصارف لسكان أوردوس قروضاً ميسرة لشراء العربات، فيما تبدو المدينة تشجع ملكية السيارات وتوفر سبباً واحداً على الأقل لعدم إنشاء مسؤولي أوردوس "مدينة خضراء". وفي مختلف مستويات المشهد المدينيّ لأوردوس، تهيمن صور السيارات على الإعلانات في مختلف وسائل الإعلام، من المصاعد إلى اللوحات الإعلانية على جوانب الطرق السريعة الضخمة. ويلاحظ أنطوني ميللر في مجموعة كتابات جديدة عن ثقافة السيارات، كيف تسامت السيارات الآن على وظيفتها: "لا تكمن بشرية السيارة في ما يقدر الناس على فعله عبرها فحسب... بل في الدرجة التي باتت فيها جزءاً متكاملاً مع البيئة الثقافية التي نرى فيها أنفسنا كبشر"28. وتعثر وجهة نظر ميللر على موطئ قدم في المجلة الإعلانية المحلية التي تأسست في أوردوس "نيو فاشن". ويقسم مقال إعلاني حياة الإنسان إلى مراحل كل منها يتألف من خمسة أعوام ويرتبط بعربة. ففي العشرين من العمر تكون سيارة صغيرة ملائمة للبئية. وفي الخامسة العشرين أتت عربة نقل صغيرة أصيلة "صنعت في الصين"، أو ما يعرف "بصندوق الخبز". وعندما تصل إلى الثلاثين، ستصبح سيارة عائلية موثوقة ("فولكسفاغن")؛ وفي الخامسة والثلاثين سيكون لديك مهنة ناجحة وستصل إلى سيارة "أودي آر 8" وهكذا دواليك. ويمكن النظر إلى ذلك على أنه مقال ينطوي على مزاح، لكن بطريقة وبسبب هوس أوردوس بالسيارات، تتجاوز النبوءة المزاح.

وقد يحاجّ مناصرو "منطقة كنغباشي الجديدة" في أوردوس أن الاكتظاظ والتهالك، سيدفعان السكان خارج منطقة دونغشنغ القديمة إلى الأبراج الخالية في المنطقة الجديدة وإلى طرقاتها العريضة. ويعتبرون أن الإشغال مسألة وقت. وبغض النظر عن الاسقاطات الديموغرافية، فإن ظهور المنطقة الجديدة لم يتأسس فقط على آليات التخطيط بل أيضاً على الأحلام المالية للإقراض عالي المخاطر وعلى المضاربة. ويمكن لمنطقة أوردوس الجديدة والخاوية أن تكون البرهان على أن مكاناً ما قد يُبنى للربح وليس للناس. وتوجد أوردوس التي قُدّر لها أن تشارك في فقاعة الإسكان في الصين، كخليط متناقض بين بلدة الأشباح والبلدة المزدهرة، المبنية على استخراج الفحم. ومع أن الاهتمام الكبير تركز على مباني أوردوس الفارغة، ربما تكون السيارة هي المهيأة أكثر لتحديد مستقبل أوردوس.

ويقدم فهم كيف يتفاعل السكان الواصلون حديثًا مع المدينة المتجددة رؤية أفضل للكيفية التي تعمل أوردوس مما يفعله المشهد العام الفارغ. وخطة كانبغاشي المدينيّة المتمفصلة حول الشوارع العريضة والمواقف الكثيرة، تضمن بقاء حركة السيارات جزءاً من الحياة اليومية. لذا، وعلى عكس كل ما يخالف ما أوحى به نائب رئيس بلدية أوردوس عام 2008 (أنظر الاقتباس في المقدمة)، في وسع أوردوس أن تكون بيسر "مدينة نموذجية جديدة" للصين. وعلى غرار ما تحمل السيارة الناس إلى هذه المدينة الجديدة في منغوليا الداخلية، فإنها تشجعهم على تقدير الخواء وعلى توقعه. وينقل اختبار [مشاهدة] بناء أوردوس بسرعة السيارة الرسالة عن كيف يبدو الفراغ المبني خارج السيطرة.

المسألة ليست في أن تصبح منطقة أوردوس الجديدة مكتظة، بل بالأحرى في أنها ستصر على البقاء فارغة وضخمة. وفي وسع "منطقة كنغباشي الجديدة" ان تكون مشهداً عاماً للمباني الخاوية التي تختبر من داخل سيارة "لاند كروزر". وكل شقة تُشترى حديثاً، لا تشكل خطوة نحو إتمام مشروع أوردوس، بل تساهم في رسم مستقبل المدينة غير المنجز وفائض التمويل.

ترجمة حسام عيتاني

1- انظر على سبيل المثال، بيتر هتشنز "بُنيت المدينة هذه لمليون إنسان – لكن أحداً لا يسكن هنا: اندفاع حاضرة منغولية إلى القرن الحادي والعشرين وسط عاصفة من الفولاذ والإسمنت المسلح"، صحيفة "ديلي ميل" (لندن)، 29 أيار (مايو) 2011،

?http://www.dailymail.co.uk/news/article-1391868/This-city-built-million-people--lives-here.html.

2- نائب رئيس بلدية أوردوس، باو تشونغمنغ، في كانون الثاني (يناير) 2008، بحسب ما نقل عنه برت دو مينوك في "بابل أصحاب المليارات" في مجلة "مارك" 15 (آب (أغسطس)/ أيلول (سبتمبر): 126 / 126. :Bert de      ( Muynck, "Babel for billionaires,” MARK Magazine 15 (August/September 2008

3- يواردين بولاغ، "من رابطة يكي-جو الى بلدية أوردوس: الاستعمار الاستيطاني والتمدين البديل في منغوليا الداخلية"، مجلة "بروفنسال تشاينا" (تشرين الاول (أكتوبر) 2002): 208

4- بولاغ، " رابطة يكي – جو"، 199.

5- فانغ رونغ وديفيد جي. فيكتور، "سياسة تسييل الفحم الحجري في الصين: شرح سياسة الانقلاب منذ 2006"، / ?." Energy Policy” 39 (2011): 8, http://ilar.ucsd.edu/assets/001/503026.pdf.

6- ماكس دي. وودورث، "السمة المدينية في بلدة الطفرة الاقتصادية الحدودية، منطقة منغوليا الداخلية ذاتية الحكم"،?Cross-Currents E-Journal 1 (December 2011): 6, http://cross-currents.berkeley.edu/sites/default/files/e-journal/articles/woodworth.pdf.

7- رونغ وفيكتور، "Frontier Boomtown," 8

8- مايكل فورسيث، "التحول الى الأخضر في الصين، كل حالة بمفردها"،?New York Times, November 17, 2009, http://www.nytimes.com/2009/11/18/world/asia/18iht-letter.html

9- "المدينة الصينية الخاوية تبدي "جنوناً" مستمراً في [قيمة] الملكيات" Bloomberg News, June 23, 2010,? http://www.bloomberg.com/news/2010-06-23/china-s-desert-ghost-city-shows-property-madness-as-buyers-pay-in-cash.html.

10- لي كسيانغ، "ما بعد طفرة أوردوس" China Daily (Beijing), June 10, 2011،

11-مايكل اولفستيرنه، Livet i Kinas tomme byer,” KINABLADET (Søborg, Denmark), March, 2012 ? –12ماكس وودورث، "Ghosts in the Shell Game: Gaolidai and City Building in Ordos." Paper presented at "Placing East Asia: ?A Graduate Student Conference on Urbanism and the Production of Space." UC Berkeley, California, March 3, 2012.

13- راجع على سبيل المثال، بيتر هيتشنز، "هذه مدينة بنيت لمليون إنسان- لكن ما من أحد يسكن هنا: اندفاع مدن منغولية ?الى القرن الحادي والعشرين في عاصفة من الإسمنت والفولاذ"، Daily Mail (London), May 29, 2011?http://www.dailymail.co.uk/news/article-1391868/This-city-built-million-people--lives-here.html

14- للتغطيات الصحافية للتطورات الصينية المشابهة لأوردوس، انظر "مدن الصين الخالية: صور مدهشة ملتقطة من الاقمار الصناعية ورمت إلى إيواء الملايين وهي تقبع الآن مهجورة"، Mail Online, December 18, 2010? http://www.dailymail.co.uk/news/article-1339536/Ghost-towns-China-Satellite-images-cities-lying-completely-deserted.html#ixzz1oWyopYOM.

15- لوسي هورنبي ولانغي تشاينغ، "علامات مقلقة على فقاعة الملكية العقارية في أوردوس الصينية"، Reuters, December 2, 201? http://in.reuters.com/article/2011/12/02/china-property-bubble-idINDEE7B10EL20111202

16- اليكس ستاينبرغر، "أوردوس: المدينة الصينية الفارغة"، Google Sightseeing (blog), September 7, 2010?http://googlesightseeing.com/2010/09/ordos-chinas-vacant-city

17- مليسا تشان، "من بلدة الفقاعة إلى مدينة الأشباح"، Asia (blog), Al Jazeera, September 9, 2011,? http://blogs.aljazeera.net/asia/2011/09/09/ordos-boom-town-ghost-town.

18- أندرو باتسون، "زيارة جديدة الى مدينة الصين الخاوية"، China Real Time Report (blog), Wall Street Journal, May 12, 2010?http://blogs.wsj.com/chinarealtime/2010/05/12/revisiting-chinas-empty-city-of-ordos

19- بحلول تشرين الأول (اكتوبر) 2010، أحصت الحكومة 28 ألف مقيم. أنظر ديفيد بربوزا، "مدينة صينية بمبان كثيرة وسكان قلائل"، New York Times, October 19, 2010 ?http://www.nytimes.com/2010/10/20/business/global/20ghost.html?pagewanted=all.

20- موقع "حلقة أوردوس الدولية" وجرى الاطلاع عليه في 28 شباط (فبراير)2012. . http://www.oic2010.cn/English/1_About_OIC.aspx.

21- لي زياوشو "جنون رياضة المحركات" Global Times (Beijing), June 11, 2011? http://www.globaltimes.cn/DesktopModules/DnnForge%20-%20NewsArticles/Print.aspx?tabid=99&tabmoduleid=94&articleId=661032&moduleId=405&PortalID=0

22- هناك سبب خاص لترجيح اختيار شركات السيارات أوردوس كمقرّ تتمركز فيه: بتمايز عن مناطق صينيّة أخرى يعتبر الفحم الحجري في أوردوس فحمًا عالي الجودة بسبب مستويات الكبريت المنخفضة فيه (0,35 – 0,5 في المئة)، كما أنّه يحتوي على مقدار قليل من الرماد (6 – 8 في المئة)، ونقطة اختلاط رمادي منخفضة، وأيضًا قيمته المتوسّطة من السعرات الحراريّة العالية (قيمة السعرات المنخفضة: 5800-6299 kcal.( هذا يجعل الفحم الحجري في أوردوس مناسبًا لمجالات واسعة من الاستخدامات مثل توليد الكهرباء، وهندسة المعادن، وصناعة السيارات، وغيرها من الأمور التي تتطلّب طاقة كبيرة". أنظر:?Chreod Ltd., "Ordos Urban Region Development Strategy – A Report to The Municipal People's Government of Ordos," March 30, 2005.

23- الإحصاءات وفرها مكتب أوردوس للإحصاءات في معرض حول تطوير أوردوس منذ تبني "استراتيجية التطوير الغربية الكبرى" (2000) في متحف البرونز في أوردوس، 2011.

24- "مكتب أوردوس البلدي للأمن العام وإدارة السير"- "التقرير السنوي 2010" 31 كانون الأول (ديسمبر)2010، ?http://www.ordosgajj.gov.cn/news_details.aspx?ID=71.

25-البنك الدولي- "كشاف المعلومات: التنمية المدنية"، جرى الدخول إليها في 8 آذار (مارس) 2012.?http://data.worldbank.org/topic/urban-development

26- مقابلة مع المؤلف.

27- Alfred Gell, Art and Agency: An Anthropological Theory (Oxford: Oxford University Press, 1998), 18

28- Daniel Miller, "Driven Societies,” in Car Cultures, ed. Daniel Miller (Oxford: Berg, 2001), 18

لطلب العدد الأوّل من البوابة التاسعة يرجى مراسلتنا على order@portal9journal.org ، مع اسم صاحب العلاقة وعنوانه البريدي ورقم هاتفه، وسيقوم أحد أعضاء فريق عملنا بالإجابة والتعاون.
المعلومات المطلوبة
    


شكراً لإرسال طلبكم للبوابة التاسعة