العدد 1 المتخّيل، خريف 2012
خُطط
بور سعيد 1957: مركز الحداثة المصريّة
صُوَر بور سعيد المقصوفة جرّاء العدوان، عرّفت مصريين كثراً إلى تلك المدينة. وضمن التوليفة التي صُنعت بإتقان للصدمة المدينيّة التي حلّت، قدّم نظام عبد الناصر نفسه للمصريين على أنّه الباني والمخلّص والتحديثيّ المؤهّل
عن المؤلّف

-          محمّد الشاهد، مرشّح لنيل شهادة الدكتوراه بدراسات الشرق الأوسط في جامعة نيويورك. يتناول بحثه التطورات المدينيّة والعمرانيّة في مصر في أواسط القرن العشرين. مدوِّن في Cairobserver.com.

العدد الحالي
الغابة، خريف 2014
المقالات
المراجعات


أطلب الآن
أرشيف
جميع المقالات
جميع المراجعات
أعداد سابقة
السَّاحة
سرد: كتابات عربيّة وروسيّة معاصرة
المتخّيل
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 

في 28 تشرين الأوّل (أوكتوبر) 1964، نشرت مجلّة "آخر ساعة" المصريّة المعروفة على غلافها صورة توحي بالتفاؤل، تضمّ أربع فتيات مبتسمات يركبن الدراجات الهوائيّة على طريق سهلة وآمنة ومعبّدة بجير الترمك. يظهر في خلفية الصورة مبنى لكابينات بحريّة مؤلّفٌ من طابق واحد. وأضيفت على الغلاف في الأسفل صورة لفتاة تحمل طفلًا واقفة أمام مساحة شاسعة من الأبنية المدمّرة والركام. ويقرأ على الغلاف تعليق كلاميّ يقول "بور سعيد 1956 واليوم 1964"، في إشارة إلى الذكرى السنويّة لأزمة السويس، المتطابقة من حيث الأهميّة لمدينة بور سعيد كما لعموم السياسة المصريّة وعلاقتها بالتخطيط المدينيّ1. وكانت الهجمات الحربيّة للقوات البريطانيّة والفرنسيّة دمّرت مناطق كاملة في المدينة، وخلّفت مئات القتلى وآلاف المشرّدين. ومثّلت عمليات إعادة الإعمار التي تلت في بور سعيد، من 1957 إلى 1958، المحاولة الأولى للنظام العسكري المصريّ الجديد في مجال التخطيط المدينيّ الشامل، وامتحان دقيق له لإثبات قدرته في إعادة إعمار وتحديث المدن المصريّة وتنميتها. كما سجّلت عمليات إعادة إعمار بور سعيد التي جرت بسرعة ونجاح في عام 1957 نقطة تحوّل في حجم مشاريع البناء الحكوميّة، إذ غدت الدولة راعيًا أوّل للعمارة والتخطيط في مصر.

أُسست مدينة بور سعيد في العام 1859 عند الثغر الشمالي لقناة السويس البالغ طولها 160 كيلومترًا، والتي كانت عمليات حفرها آنذاك لا تزال جارية2. وسمّيت المدينة الجديدة تيمّنًا بمحمد سعيد باشا حاكم مصر الذي منح فيرديناند دي ليسيبس امتياز الإشراف على حفر قناة السويس3. ومع ترؤس المخططين المدينيين الفرنسيين عمليات التصميم، فإنّ المخططات التي أُعدّت، عَكَسَت النماذج الفرنسيّة المعاصرة للمدن الجديدة. صُمّم المخطّط على مساحة أرض مثلّثة بين القناة من الشرق، والبحر الأبيض المتوسّط من الشمال، وبحيرة المنزلة من الجنوب4. واعتبرت المدينة التي يُجرى التخطيط لها مدينة مرفأ للإداريين والتجّار الذين كانوا في الغالب فرنسيين وبريطانيين وسويسريين. وعلى مثال ما كان يتّبع في عمليات التطوير المدينيّ الكولونياليّة، لحظ التخطيط منطقة منفصلة في الغرب، ذات كتل أكثر كثافة، تُسكن فيها الشريحة العماليّة الكبيرة المؤلّفة من اليونانيين والمصريين بالدرجة الأولى، وسمّاها الأوروبيون "الحيّ العربي"5.

أوجدت قناة السويس عندما افتتحت، في العام 1869، صلة وصل بين البحر الأحمر والبحر الأبيض المتوسّط، مختصرة زمن السفر بين أوروبا والهند من ستّة أشهر إلى ستّة أسابيع. وتطوّرت بور سعيد نتيجة لذلك كمركز عالميّ للمواصلات والتجارة والتحرّكات العسكريّة6. وساهمت منزلتها أيضًا، كمركز يضم المقرّ الرئيسي لشركة قناة السويس، في زيادة أهميتها. لكن من وجهة نظر باقي المناطق المصريّة، فإن بور سعيد كانت تقوم في موقع ناءٍ وطرفي. ولم ترتكز عمليات اختيار موضعها على المعطيات التقليديّة لتأسيس المدن: إذ إنّها لا تتصل بمصادر مياه الشفة، ولا بمواد البناء، ولا حتّى بمواد الغذاء، فينبغي، لإعمارها واستدامتها، استيراد كلّ شيء من الخارج. وإلى أن تمّ حفر قناة مياه الشفة التي أوصلت مياه النيل إلى المنطقة، كان ينبغي حفظ المياه في خزّانات كبيرة. وفي النهاية حظيت المدينة في العام 1904 بخطّ قطار يصلها بالقاهرة.

ومسألة السيادة فوق القناة منذ أن حُفرت كانت أمرًا معقّدًا، وهي أضفت على وجود مدينة بور سعيد مزيدًا من التعقيد7. ولئن كانت القناة أنشئت بمال مصري وبأيد عاملة مصريّة وحفرت عبر أرض مصر، فإنّ تأثيرها على الاقتصادين الفرنسي والبريطاني جعلا أمر السيطرة عليها هدفًا مرغوبًا لكلا البلدين. والحكومة البريطانيّة التي أقلقها في العام 1881 أمر الانتفاضات المصريّة ضد نظام الحكم، تلقّفت الفرصة المؤاتية وأرسلت جنودًا للتدخّل، فانتزعت السيطرة على قناة السويس في العام 1882 وحافظت على هذا الحال حتّى صعود جمال عبد الناصر إلى السلطة.

من مدينة مقسومة إلى مدينة مقصوفة

خلال الحقبة التي توسّطت الحربين العالميّتين الأولى والثانية، ازداد انقسام المدينة مع ازدياد غنى الشريحة السكانيّة الأجنبيّة المرتبطة بشركة قناة السويس، كما مع ارتفاع أسعار الأراضي. هذا وفي الأثناء شهدت أعداد من هم أكثر فقرًا، الذين جلّهم من المصريين العمال، ارتفاعًا ملحوظًا بعد الحرب العالميّة الأولى حين اجتذبت بور سعيد القادمين من الأرياف، وغدت ملاذًا آمنًا للناجين من الإبادة الأرمنيّة8. لم تتكيّف المدينة على النحو المطلوب مع النمو السكاني، إذ كان الدعم المالي من الدولة محدودًا، واستثمارات شركة القناة محصورة في أملاكها ومرافقها، فتركت الأغلبيّة السكانيّة تبني من دون عون من أحد وبمصادر محدودة. أحد نتائج هذا الأمر تبدّى في منطقة العشوائيّات المعروفة بحيّ "المناخين"، إلى الغرب من "حيّ العرب".

في مقالة لاذعة نشرت في العام 1941 بمجلّة "العمارة"، عبّر المعماري فؤاد فرج عن مخاوفه المتعلّقة بما تؤول إليه التطوّرات في بور سعيد9. اليوم، بعد اثنين وثمانين عامًا من تأسيس المدينة، تعدّ هذه المقالة من أولى المقالات التي تناولت أحوال بور سعيد المدينيّة في الصحافة المصريّة. وجّه فرج المسؤوليّة إلى كيفيّة تعامل شركة قناة السويس مع أحوال الفقر واللامساواة في الأحياء المصريّة من المدينة، وذلك على نقيض ما تفعل في الأحياء الأوروبيّة10. إضافة إلى هذا، انتقد فرج واقع السلطة الواهية لبلديّة بور سعيد على المدينة واقتصار اهتمام شركة القناة الخاصّة بالأحياء المرتبطة بها دون غيرها. ولاحظ فرج: "تبقى بور سعيد بلا مبنًى لبلديّتها (دار المدينة) على الرغم من قيام شركة قناة السويس ببناء صرح أنيق كمقرّ رئيسيّ لمكاتبها. ربّما على الشركة منح الصرح للمدينة فيكون مبنى للبلديّة". دعوة فرج إلى إيجاد مبنى للبلديّة أتت بمثابة خطاب قوميّ يدعو إلى "محافظة المدينة على طابعها المصريّ" ولمعادلة حضور المقرّ الرئيسي لشركة القناة. واقترح فرج إيجاد بناء للبلديّة يضم الأقسام الآتية: مسرح، صالة للاحتفالات، غرف اجتماعات، قاعة استقبال، مكتبة، متحف، مكاتب، مدخل رسميّ، برج ساعة وتمثال للملك فاروق أمام المبنى. وبحسب اقتراح فرج، فإن شركة قناة السويس يمكنها تمويل إنشاء مبنى البلديّة الذي يقوم في موقع مركزيّ في ميدان عبّاس.

ثمّ قام فرج بنقل اهتمامه إلى المستوى المدينيّ، وتناول بالتحديد عشوائيّات المناخين. وبحسب ما أشار فإنه وعلى مدى عشرين عامًا، ظلّت ظروف حياة المصريين الذين يعيشون هناك دون المستوى، ولم تقدم البلديّة على أيّة خطوة فعليّة بغية تحسين الأوضاع. وكان فرج أشار إلى هذا عندما تمّ نقاش المسألة من قبل مجلس الوزراء المصري قبل نحو عقد، في 2 تشرين الثاني (نوفمبر) 1932، حيث أثمر النقاش إقرار خطّة شاملة لإعادة تنظيم مجمل مناطق المدينة. اقترحت الخطّة إنشاء مناطق سكنيّة جديدة لقاطني المناخين11. إذذاك ستقوم البلديّة بإزالة المناخين القديمة وتُعيد تخطيط المنطقة بمساحات إنشاء تغطّي فقط 40 في المئة من مجمل المساحة العامّة. غير أن الخطّة هذه لم تحشد الدعم المالي المناسب. فالقاهرة قدّمت لبور سعيد ما لا يزيد عن 5 آلاف جنيه مصري مخصّصة للمشروع، والخطّة لم تنفّذ أبدًا12. تطلّب الأمر خمسة عشر عامًا أخرى لكيّ تحظى الأحوال المدينيّة في بور سعيد بالاهتمام الوطنيّ من جديد.

الفوز ببور سعيد كأرض مصريّة

فيما لم يوقف المصريّون محاولاتهم غير المثمرة لتخليص بلادهم من الاحتلال البريطاني، شهد صراعهم ذاك تصاعدًا في الفترة الفاصلة بين الحربين العالميتين. وقام النضال ضدّ الاستعمار في قلب المراكز المدينيّة المصريّة المكرّسة مثل الإسكندريّة، وطنطا، والمنصورة، والقاهرة. بعد الإنقلاب العسكري في مصر عام 1952، انسحبت القوات البريطانيّة أخيرًا من القاهرة ومن مدن مصريّة رئيسية أخرى. لكنّ القوات العسكريّة البريطانيّة بقيت إلى جانب إداريي شركة القناة، البريطانيين والفرنسيين، الذين استمرّوا في الإشراف على منطقة قناة السويس. كانت بور سعيد بالنسبة للمصريين واقعة عند التخوم الوطنيّة، ولا يصل من أخبار الحياة المدينيّة فيها إلى باقي المدن الرئيسة في مصر سوى القليل. انتظر الأمر حتّى العام 1956 لتغدو بور سعيد مركز الصراع لاستقلال مصر. في 26 تمّوز (يوليو) 1956، المصادف الذكرى السنويّة الرابعة للانقلاب العسكري، أمّم عبد الناصر شركة قناة السويس واستبدل إدارييها الأجانب بإداريين مصريين.

في الثالث من آب (أغسطس) 1956، تمحور عدد "المصوّر"، المجلّة المصريّة المعروفة التي تصدر من القاهرة، حول قصّة رئيسة تُحيي تأميم قناة السويس. عدد كبير من الصفحات استعرض تاريخ القناة والأحداث التي قادت إلى تأميمها، إضافة إلى الانتقال السلمي لإدارة الشركة إلى الأيدي المصريّة. وتوزّعت بين صفحات العدد إعلانات لشركات ومؤسسات ووكالات مختلفة، من المطاعم إلى مستحضرات العناية بالشعر، تُهنّئ جمال عبد الناصر على خطوته الشجاعة. ومن خلال تغطيتها عودة قناة السويس إلى السيادة المصريّة، قدّمت مجلّة "المصوّر" مدينة بور سعيد لجمهور مصريّ عريض لم يعرف عن هذه المدينة قبل العام 1956 سوى القليل.

إثر خسارتهما السيطرة على القناة، لم تتهاون القوات البريطانيّة والفرنسيّة في استعادتها. وبتشجيع من بريطانيا العظمى أقدمت القوات الإسرائيليّة على اجتياح الأراضي المصريّة، ممهدّة الطريق أمام القوات البريطانية والفرنسيّة لإعادة الدخول من خلال السعيّ للمحافظة على وقف النار. ومنذ نهاية تشرين الأوّل (أوكتوبر) وخلال تشرين الثاني (نوفمبر) 1956، غدت بور سعيد الهدف الأبرز للهجمات العسكريّة التي شنّتها القوات البريطانيّة والفرنسيّة. وكان على أبناء بور سعيد بغياب أيّ وجود للجيش المصري في المنطقة أن يدافعوا عن أنفسهم، ويحملوا السلاح لحماية مدينتهم في وجه القصف المدفعي والهجمات البرّيّة وعمليات التخريب. وكانت أحياء كاملة في المدينة مع نهاية العام 1956، تعرّضت للقصف كما تعرّضت عشوائيات المناخين لحريق أتى عليها13. ومع خروج الرئيس جمال عبد الناصر من أزمة السويس بطلًا، خرجت بور سعيد من تلك الأزمة مدينة مخرّبة تعاني أزمة إسكان حادّة.

لحظة تحوّل في الحداثة المصريّة

وكانت أفكار الإسكان العام والتخطيط المدينيّ في مصر ظهرت على الورق منذ أعوام الأربعينات وجرى نشرها في مجلّات مصريّة مثل "المصوّر" وأخرى متخصّصة مثل "العمارة". وبرغم وجود مشاريع خاصّة وأصغر حجمًا اعتمدت اقتراحات التحديثيين، فإنّ هذه الأفكار لم تحظى باختبار واسع النطاق وبمقاسات مدينيّة. وغدت الأفكار التي نُشرت في مجلّات العمارة ونُفّذت على نحو محدود القواعد التي تتّبع في إعادة إعمار بور سعيد.

في أربعينات القرن المنصرم قام سيد كريم، المهندس المعماري المتخرّج في جامعة فؤاد في القاهرة، بنشر عدد من الرؤى المتعلّقة بمدن مصر المستقبليّة، لكنّ هذه الأفكار ظلّت في شكل نصوص وافتقرت إلى التفاصيل العملانيّة. ونشر كريم في العام 1945 مقالة في "الإثنين والدنيا"، إحدى مجلات مصر الأكثر انتشارًا، بعنوان "لو هُدمت القاهرة". واقترح في المقالة ثمانية تغييرات يمكن أن يعتمدها لو قدّرت له فرصة إعادة إعمار القاهرة من الأوّل لتعبّر عن ذاتها. يأسف كريم لنجاة القاهرة من الحرب العالميّة الثانية: "للأسف فرّت القاهرة من دمار الحرب". وبحسب ما قال، فإنّ دمارًا واسع النطاق كان سيتيح الفرصة لإعادة بناء المدينة اعتمادًا على آخر مفاهيم التخطيط. "نشط المهندسون العالميّون في وضع مشاريع تعمير العواصم التي دمّرتها الحرب.. فلو تيسّر لنا هدم القاهرة وإعادة بنائها.. فأين نبدأ؟ وكيف ننتهي14؟" يقدّم كريم في مقالته بعض الأفكار المتحرّرة لما كان يمكن له أن يفعل: إعادة تصميم ضفاف النهر، تنفيذ برنامج تشجيير في تلال القاهرة، "تطهير" الأحياء غير الصحيّة، استبدال شبكة الترامات بميترو أنفاق، نقل الثكنات العسكريّة والمباني الحكوميّة من المناطق المدينيّة، وتنفيذ برنامج "تجميل المدينة".

لم يكن كريم أشهر وأبرز معماريي مصر إبّان حياته المهنيّة المبكرة. معاصروه الأكثر شهرة، أنطوان سليم نحّاس وعلي لبيب جبر، اعتمدا شكلًا من الحداثة مزجا فيه عناصر من خبرتهما الكلاسيكيّة باتجاهات التصاميم الحديثة. لكن طموحات كريم ظلّت تتعلّق بالتخطيط المدينيّ، على الرغم من ضآلة الفرص الآيلة إلى تحقيق رؤاه الواسعة النطاق.

عمل كريم كمخطّط مدينيّ تحقّقَ أوّلًا خارج مصر. في العام 1947 تمّ تعيينه من قبل الأمم المتّحدة مستشارًا للتخطيط المدينيّ في الشرق الأوسط. عمله تضمّن مخطّطًا لبغداد الجديدة في العام 1947 ثمّ عمل فيما بعد في إعداد خططً لجدّة وضاحية الزهراء في دمشق. اقتصرت مشاريعه في مصر خلال هذا الوقت على الأبنية السكنيّة، حيث اختبر فكرة الفيلا المدينيّة: أبنية هي عبارة عن مجموعة فيلات مكدّسة بدل الشقق. ولأنّه كان عاجزًا عن تطبيق رؤيته التحديثيّة في التخطيط المدينيّ في القاهرة، وبالتحديد اقتراحه إزالة أحياء كاملة واستبدالها بوحدات كتل حديثة في حدائق، قام كريم بنشر هذه الأفكار في عدد من الصيغ واسعة الانتشار.

مع حلول أزمة بور سعيد كان كريم فرض اسمه كمخطّط مدينيّ مؤهّل في الشرق الأوسط، ما ساعده على الأرجح في أن يحظى بمنصب مستشار بما بات يعرف "خطّة إعادة إعمار بور سعيد". وأتاحت عمليات إعادة إعمار بور سعيد لكريم وفريقه تطبيق نموذج تخطيطه في المناطق المدينيّة وأفكاره في الإسكان العام الحديث. غير أن تصميم خطّة الإعمار لا ينسب لكريم وحده أو لأيّ مخطّط فرد آخر، بل "للدولة"، وذلك في خطوة أشارت إلى قطع مع الماضي حين كانت أسماء المعماريين والمخططين المدينيين تتصدّر الإعلانات عن المشاريع التي صمموها.

التواصل مع مشروع إعادة إعمار بور سعيد

نتج عن انقلاب العام 1952 تحوّل الدولة إلى راع رئيسيّ للمشاريع العمرانيّة في البلد، حيث يمكنها بتّ وتلزيم بناء مدن برمّتها. ومثّل دمار بور سعيد أرضيّة اختبار لتحوّل الحداثة العمرانيّة المصريّة من ممارسة تُقتصر على الاستثمار الخاص إلى ممارسة تكفلها الدولة وتركّز فيها على إسكان العمّال والناجين من الحرب. وعلى الرغم من أن بور سعيد كانت تعاني التحلّل البطيء خلال فترة السلم، فإنّ القصف أثار مشاكل كانت موجودة إلى درجة لم يعد ممكنًا معها تجاهلها. واستفاد نظام ناصر من فرصة إعادة إعمار مدينة كاملة كوسيلة لتعزيز خطابه القومي وتقديم دليل حسّي على قدراته التنمويّة والتقدميّة والتحديثيّة. بور سعيد التي كانت يومًا عند أطراف الوعي القومي، أعيد تخيّلها كمدينة نموذج للنظام الجديد.

صور بور سعيد المقصوفة من قبل القوى المعادية عرّفت مصريين كثر على تلك المدينة. وضمن التوليفة التي صُنعت بإتقان لما حلّ من صدمة مدينيّة، قدّم نظام ناصر نفسه للمصريين على أنّه الباني والمخلّص والتحديثيّ المؤهّل. دمار بور سعيد وإعادة إعمارها حظيا بتغطية واسعة في الإعلام المصري. في العام 1957، على سبيل المثال، قام دار الهلال، أحد المنابر الصحافيّة البارزة في مصر، بنشر كتاب من 120 صفحة حمل عنوان "عشرة أيّام مجيدة". الكتاب البيّن وثّق بالنصّ والصور، وعلى نطاق واسع، الأضرار والحال الطارئة التي لحقت في المدينة جرّاء أزمة السويس15. أوّل صورة منشورة لمخطّط "بور سعيد الجديدة" جاءت في مجلّة "المصوّر مع تعليق: "اعترفت مصر – حكومة وشعباً – بالدور الباسل الذي لعبته مدينة بور سعيد في مكافحة وردّ العدوان المثلّث.. وكان تخريب المعتدين للمدينة الباسلة نعمة، فقد تضافرت الجهود في تعميرها16". ولخّصت مقالة المصوّر المخطّط الشامل لبور سعيد، الذي يضمّ: متنزه عام، منطقة مساكن لذوي الدخل المحدود، منطقة سكنيّة جديدة تحمل اسم "حريّة"، مساكن للعمّال، مناطق خدمات، منطقة صناعيّة، مركز إدارة مدنيّة، كازينو، تجهيزات شاطئيّة، منطقة تجاريّة، ومقبرة للذين قتلوا في الحرب.

بور سعيد والتخطيط المصري المركزي

عُرف عبد اللطيف البغدادي، وزير الشؤون البلديّة ابتداءً من نيسان (أبريل) 1954، بـ"وزير بور سعيد" في أواخر العام 1956 بفضل جهوده في تحقيق تعافي المدينة السريع. فهو كان المسؤول عن تبنّي خطّة إعادة الإعمار والإشراف على تنفيذها17. منذ تولّيه منصبه في العام 1954، كانت وزارة البغدادي تعدّ المخططات التوجيهيّة للمدن المصريّة على ضوء توقّعات النمو المصريّة المنتظرة مع حلول العام2000 18. باتت بور سعيد أولويّة بعد 1956. وعمليات إعادة إنمائها لم تُصمّم من قبل سلطات بلديّتها المحليّة ولم تنفّذ بواسطتها، بل جرى الإشراف عليها من العاصمة، القاهرة19. أعمال إعادة الإعمار تخطّت دراسة إسكانيّة سبقت العام 1956 واستهدفت منطقة المناخين. وبالاستناد إلى تعداد سكاني أجري في العامين 1937 و1947، قدّر رسميو الحكومة سكان بور سعيد في العام 1956 بـ175 ألف نسمة وتوقّعوا بلوغه 325 ألف نسمة مع حلول العام 2000. ولمباشرة التحضير لملاقاة هذه التوقّعات، قامت خطّة إعادة الإعمار بزيادة الكثافة المقترحة للمنطقة إلى 200 شخص في الفدّان الواحد وزادت مساحة المنطقة المبنيّة من 650 إلى 875 فدّاناً 20.

وَعَدَت خطّة الإسكان بتأمين 3200 وحدة سكنيّة تبنى في مرحلتين: المرحلة الأولى كانت اكتملت في خريف 1957، وبعدها بستّة أشهر، كانت 1220 وحدة جاهزة للإشغال. النقص في تجهيزات البناء والآلات جعل حملة الحكومة المتسارعة لإعادة الإعمار تبدو أكثر إثارة للإعجاب. كان على العمّال أن يملأوا الفراغ الذي يسببه نقص التجهيزات الحديثة من خلال قوّتهم الجسديّة، رافعين المواد على ظهورهم لتحقيق التصميم التحديثيّ الأكبر في تاريخ مصر حتّى اليوم.

بنايات سكنيّة من أربع طبقات صمّمت ببساطة، بخطوط أفقيّة ناتئة تُحدّد كلّ واحد من الارتفاعات الأربعة. وتضمّنت التصاميم العملانيّة أيضًا التفاصيل المعماريّة المُشبّكة التي للمساكن المصريّة الحديثة، كحديد النوافذ والشرفات. وعلى نحو موحّد تألّفت كلّ واحدة من الشقق من أربع غرف فسيحة وعالية الأسقف (على عكس البيوت النمطيّة والطارئة التي بنيت في أوروبا عقب الحرب العالمية الثانية). وأبقيت إيجارات الشقق مُيسّرة بمعدّل أوّلي يبلغ 3,50 جنيهات مصرية في الشهر21. وصُفّت أبنية الطبقات الأربع أفقيًا تماشيًا مع خطّ الشارع وجُعلت صفوفها متوازية مع بعضها بعضًا يتخلّلها عند كلّ مسافة فضاء يؤلّف ساحة عامّة.

مكوّنات متميّزة أخرى في مشروع التجديد المدينيّ في بور سعيد كانت الأبنية الحكوميّة والمحاكم والملعب الرياضي. كما خطّط لإنشاء فندق وكازينو إلى جانب مركز للتسوّق يعرض المنتجات المحليّة إضافة إلى المنتجات العالميّة في صالة عرض منفصلة، وذلك كي يوحى بأن مشروع الوزارة هو أكثر من مجرّد خطّة طوارئ. هذا وتمّ نشر كابينات قابلة للتحريك على طول الشاطئ تمهيدًا لجعل بور سعيد مقصدًا للإجازات على ساحل البحر المتوسّط. وعرض متحف جديد تمثال فرديناند دو ليسيبس المدمّر راويًا تاريخ المدينة وصراعها ضد الاستعمار. كما ضمّ المتحف أيضًا قطعاً أثريّة إضافة إلى منتجات صناعيّة وزراعيّة من مصر الحديثة. وأخيرًا تمّ إنشاء مرفأً جديدًا ومنطقة للتجارة الحرّة إلى جنوب المدينة. وصمّمت شبكة من الطرق الحديثة لتربط المناطق القديمة والجديدة مؤمِّمنة الصلة بخطوط الطرق المناطقيّة. "هذا سيجعل بور سعيد ميناء مصر الثاني وأكثر مدن مصر حداثة22". إعادة إعمار وإنماء بور سعيد في العام 1957 تخطّى ما تصوّره فؤاد فرج للمدينة في مقالته التي نشرها عام 1941. فبور سعيد كانت قد تحوّلت إلى مدينة مرفّهة بالكامل لسكّانها المصريين.

كمستشار لمشروع إعادة إعمار بور سعيد، كان سيد كريم فاعلًا أيضًا في الإعلان عن تقدّم المشروع في الصحافة المصريّة من خلال كتابته في عدد من المجلّات ومن خلال تقديمه المحاضرات العامّة، إضافة إلى استهلاله ممارسة التخطيط المدينيّ في المنطقة. وفي العام 1957، حين كان مشروع إعادة الإعمار منطلقًا في بور سعيد، التقى كريم بأنور السادات، الضابط رفيع الرتبة في نظام عبد الناصر. بعد اطلاعه على أحد نماذج كريم المعدّة للمدينة الجديدة، دبّر السادات اجتماعًا مع عبد الناصر الذي أعجب بتقديم كريم للمشروع. وناصر الذي كان خارجًا من أزمة السويس بطلًا أمميًّا قارع الاستعمار، وجد صورته مُعزّزة تعزيزًا إضافيًّا بإعادة الإعمار السريع والناجح في بور سعيد. وأتاح إعادة إعمار المدينة للنظام الواثق، كما للمعماري، تبديل المقاييس على نحو كليّ في مشاريع الإسكان المدينيّ. هذا وتسنّى لسياسات النظام المتعلّقة بالثقافة والتعليم والترفيه أن تفصح عن نفسها معماريّاً.

بناء على هذه الثقة الجديدة، أصدر جمال عبد الناصر في العام 1958 قرارًا رئاسيّا يقضي بإنشاء مدينة نصر في القاهرة. ومدينة نصر هذه، "مدينة الثورة"، التي صمّمها سيد كريم، أريد منها أن تكون توسّعًا جديدًا للعاصمة. وجد كريم نفسه معماريًا لمستقبل مصر ومعمارياً للثورة حين بدأ نظام ناصر يضع تصوّراته لمستقبل المدن المصريّة. عَمَلُ كريم على مخطّط مدينة نصر، التي كانت تقع آنذاك عند أطراف القاهرة، توسّع بالأسلوب عينه الذي طبّق في بور سعيد، لكن هذه المرّة بمقياس أكبر: وحدات سكن أكثر بكثير، مجمّع رياضي أولمبي، حرم جامعي، ومقار جديدة لمكاتب حكوميّة ووزارات مختلفة.

الحدّ الفاصل بين المهندس المعماري وجنرال الجيش ازداد ضبابيّة حين قاد جنرالات في بذّاتهم العسكريّة حملة أمام الاتحادات العمّاليّة لترويج سياسات الإسكان في نظام ناصر. واستخدمت الرسوم والنماذج المعماريّة لعرض نجاح الدولة في الجانب البيروقراطي من حملة التمدين. ومع إطلالة العام 1959 كان لمدن مصريّة أخرى خطط خاصّة بها لإنشاء أبنية وتجمّعات سكنيّة. الصدمة المدينيّة التي حلّت ببور سعيد كانت المحفّز المهمّ لانطلاق هذه العمليّة. واستخدم النظام قصّة بور سعيد على مدى عقد بعد العام 1956 لتذكير المصريين بخطر المؤامرات الخارجيّة الداهم ولتدعيم صورته الخاصة كحامٍ وبانٍ للوطن. وفي العام 1966 نشرت وزارة التوجيه القومي (الإعلام والمعلومات) كتابًا بعنوان "بور سعيد: رمز النصر" احتفاءً باستعادة بور سعيد من السيطرة البريطانيّة والفرنسيّة. روى الكتاب قصّة الاعتداء العسكري على المدينة مُقدّمًا بور سعيد الجديدة التي أعيد إعمارها كمثال للإرادة والحداثة وتقرير المصير في مصر. وهكذا فإن ما كان يومًا طرف مصر المستعمر عاد ومثّل جذور الإرث الناصري في التمدين القومي والعمارة.

ابتداءًا من حرب الأيّام الستّة في العام 1967، غدت بور سعيد من جديد هدفًا للتهديد الخارجي. المدينة ستتعرّض في النهاية لهجوم الطائرات والقوى البرّيّة الإسرائيليّة. نُكِبت المدينة مرّة أخرى والكثير ممّا كان قد أعيد إعماره غدا خرابًا. لكن نظام ناصر هذه المرّة وجد نفسه في موقع أضعف وكان عاجزًا عن ردّة فعل سريعة. الجهود اللاحقة خلال عهدي السادات ومبارك لإعادة إعمار بور سعيد أستغرقت أكثر من عقدين لتكتمل. في زمن الشدّة الاقتصاديّة ذاك فإنّ لحظة الحماسة واليوتوبيا التكنوقراطيّة لسياسات الإنماء الناصريّة كانت قد مضت. عودة مصر إلى الحرب قوّضت على نحو نهائيّ حلم التحديث قبل اكتمال تحقّقه.

ترجمة فادي طفيلي

1- تُعرف أزمة السويس للمصريين بالعدوان الثلاثي.

2- مع حفر قناة السويس أنشئت مدينتان جديدتان: بور سعيد في الطرف الشمالي للقناة، والإسماعيليّة في الوسط. أما السويس، مدينة المرفأ التاريخيّة على ساحل البحر الأحمر، فكانت موجودة أصلًا عند الطرف الجنوبي للقناة.

3- فريد هـ. لاوسن، "الاستغلال الأجنبي والصراعات المحلّيّة في مصر أواسط القرن التاسع عشر: إعادة تقييم لتنازلات قناة السويس في 1854 و1856"، مجلّة المركز الأميركي للأبحاث في مصر، المجلّد 24 (1987): ص ص. 61 – 70.

4-Merie-Laure Crosnier Leconte, Raymond Collet, and Amany Fouad, Port Said: Architectures XIXe-XXe siecles (Cairo: Institut Français d'Archéologie Orientale, 5- 2006), 3. 5

5- الفصل بين طبقات التجّار والإداريين الاجتماعيّة، الذين كانوا أوروبيين في الغالب، وبين طبقة العمّال، المصريين بأغلبهم، على ما طبّق في التخطيط المدينيّ، يماشي التخطيط الكولونيالي في سياقات فرنسيّة استعماريّة أخرى.

6- يقال أن تمثال الحرّيّة في نيويورك صُمم في البداية كامرأة مصريّة ترفع "نور مصر" وكان ينبغي نصبه عند مدخل قناة السويس ليستقبل السفن الأوروبيّة في طريق رحلتها إلى آسيا. ونظرًا لشحّ التمويل، وفيما كان البريطانيّون يتخلّصون من السيطرة الفرنسيّة على القناة، أعيد تصميم التمثال المطلوب في شكله الراهن وأهدي إلى الولايات المتّحدة.

7- ملكيّة القناة والتحكّم بها استمرا في اعتبارهما أمرًا معقّدًا. في خضم حالة اضطراب راهنة ومستمرّة في بور سعيد، قام الجيش المصري باحتلال مباني المركز الرئيسي لشركة القناة والمناطق المحيطة بالمدينة. وما زالت المعلومات المتعلّقة بعائدات المرفأ، وبالجهة التي تنتهي إليها، محجوبة عن الرأي العام. وثمّة شبهات شائعة تتعلّق بالقناة تقول إن الجيش المصري فضّل حماية مصالح اللاعبين الدوليين على مصالح المصريين.

8- Grace H Knapp, Grisell M McLaren, and Myrtle O Shane, The Tragedy of Bitlis (1919; repr., London: Sterndale Classics, 2002), 108- 102.j.

9- Foad Faraj, “Suez Canal Zone,” Al-Imara Architectural Journal, Vol. 7-8 (1941): 263-273. For more on Al Imara Architectural Journal see, Mercedes Volait, L’architecture moderne en Egypte et la revue al-imara (1939-1959), (Cairo: CEDEJ, 1988); Mercedes Volait, Architectes et architectures de l’Egypt moderne (1830-1950): Genese et essor d’une expertise locale (Paris: Maisonneuve et Larose, 2005).k ) .

10- بحسب فرج، ارتفعت أعداد السكان في بور سعيد من عشرين ألف نسمة إبّان الحرب العالميّة الأولى، إلى نحو مئة ألف نسمة مع حلول العام 1941. فؤاد فرج، "منطقة قناة السويس"، مجلّة "العمارة" (1941): 263 – 273.

11- المصدر نفسه، 265.

12- افتقرت بلديّة بور سعيد إلى الصلاحيات المناسبة التي تتيح لها جمع الضرائب وممارسة الدور المعتاد الذي تمارسه البلديات وذلك نظرًا للوضع الخاص الذي تتمتّع به شركة قناة السويس. الأمر حال دون تأمين المبالغ المناسبة لتنفيذ المشاريع المدينيّة، واضطُرّ البلديّة إلى الاعتماد على المساعدات من الحكومة الوطنيّة. مبلغ الخمسة آلاف جينيه الذي منحته الحكومة لم يمثّل إلّا جزءًا من المال المطلوب لتنفيذ الخطّة المقرّرة.

13- Baron Edwin Savory Herbert Tangley, Damage and Casualties in Port Said (London: National Government Publication, 1957).k)

14- سيد كريم، "لو هدمت القاهرة"، "الأثنين والدنيا"، رقم 586 (1945): 12 – 13.

15- كانت دار الهلال أكبر دار نشر في مصر حيث أنتجت العديد من الدوريّات الواسعة الانتشار ابتداءً من العقد الأوّل للقرن العشرين. أنظر نسيم عمّار، "عشرة أيام مجيدة" (القاهرة: دار الهلال، 1957).

16- المصوّر، (يوليو 1957)، 27.

17- كان البغدادي أحد "الضباط الأحرار" الذين قادوا الانقلاب. تولّى مناصب عدّة في أعوام الخمسينات من بينها حاكم القاهرة.

18- المصوّر (أوكتوبر 1957)، 27.

19- ركّز النظام السلطة بأيدي جنرالات الجيش الموجودين في القاهرة. الإصلاحات البلديّة في العام 1947 ضمنت سلطة البلديات التي يكون لها مهندسيها المعماريين ومخططيها. هذه الإصلاحات تمّ حجبها في العام 1954 مع مجيء النظام الجديد. إعادة إعمار بور سعيد تمّ التخطيط لها وتنفيذها وإدارتها من مدينة أخرى هي القاهرة. عبد اللطيف البغدادي، التخطيط العمراني في عصر الثورة. "المصوّر"، يوليو 1957، ص. 53 – 56.

20- المفترض أن هذا تراجع في الكثافة في الفدّان إذا ما قورنت بـ "حيّ العرب" الشهير وبالمناخين.

21- بلغ الإيجار تقريبًا خمس إلى سدس معدّل الدخل الشهري للبالغ في العام 1960. عماد الدين رشدي، "بور سعيد في طريق الثورة الصاعد"، "المصوّر"، نوفمبر 1963، 55 – 57.

22- المصدر نفسه، 102.

لطلب العدد الأوّل من البوابة التاسعة يرجى مراسلتنا على order@portal9journal.org ، مع اسم صاحب العلاقة وعنوانه البريدي ورقم هاتفه، وسيقوم أحد أعضاء فريق عملنا بالإجابة والتعاون.
المعلومات المطلوبة
    


شكراً لإرسال طلبكم للبوابة التاسعة