العدد 1 المتخّيل، خريف 2012
محاورة
مقابلة مع قحطان المدفعي
من ذلك الباب الصغير، باب منزل قحطان المدفعي،? يمثّل دخولًا إلى تاريخ بغداد المعاصر، إلى هويّتها،? وروحها وتاريخها القريب
عن المؤلّف
شاكر الأنباري، روائي عراقي يعيش ويعمل في بغداد. أصدر أخيرًا رواية "نجمة البتاوين" (دار المدى، 2010).
العدد الحالي
الغابة، خريف 2014
المقالات
المراجعات


أطلب الآن
أرشيف
جميع المقالات
جميع المراجعات
أعداد سابقة
السَّاحة
سرد: كتابات عربيّة وروسيّة معاصرة
المتخّيل
1 2 3 

ليس من السهل العثور على بيت قحطان المدفعي، الواقع في شارع المغرب، وسط بغداد. الباب الحديد الصغير، يختفي وراء صخرة عملاقة عليها آثار نحت قديم. وخلف الصخرة قنطرة حجرية زرقاء لها بعد صوفي. لكن ليس الباب وحده الذي يصعب العثور عليه، البيت أيضاً، اذ تخفيه عن الأنظار محالٌّ عديدة متناثرة أمامه وعلى جانبيه، مطاعم وصيدليات ودكاكين وعربات صغيرة تقف على الرصيف تبيع كل شيء. يطغى على كل ذلك ضجيج السيارات، ونداءات لصبية يلاحقون الحمام الداجن وهو يطير في سماء بغداد. وهذا ما يعطي انطباعاً أن بيت قحطان المدفعي، أشهر معماريي بغداد، قد فات أوانه. العاصمة تعيش في زمن آخر، وتعيش إيقاعاً يختلف عن ذلك الذي خبره المدفعي منذ الخمسينات وحتى الآن. تغيرت بغداد كثيراً، وكذلك تغير المدفعي بعد أن عبر عتبة الثمانين. الحقيقة التي لا تُخفى هي أن الدخول من ذلك الباب الصغير، باب قحطان المدفعي، يمثّل دخولاً إلى تاريخ بغداد المعاصر، إلى هويتها، وروحها وتاريخها القريب. الحديقة الأمامية تشكّل حاجزاً بين ضجيج الشارع وهدوء البيت بواجهته الزجاج وممراته الضيقة. الرجل الضخم، بملابسه العادية، ترتسم على وجهه دائماً ابتسامة صغيرة. عادة ما تكون أشبه بعتبة دخول إلى المكان. الأبهاء والصالات مزينة بلوحات لرواد الحداثة التشكيلية في العراق، كنزيهة سليم وشاكر حسن آل سعيد وجواد سليم. ويمتلك المدفعي لوحات رسمها هو بنفسه خلال سنواته الماضية وتجاوز عددها الثمانين لوحة، في حين تكتظ المكتبة بمئات الكتب، وبلغات عديدة، منها التركية والإنكليزية والألمانية إضافة إلى العربية.

الرجل الثمانيني الذي ما زال منتصب القامة، ورغم أنه يمشي بهدوء، اعتاد الجلوس على كرسي مكتبه يصمم المشاريع ويبتكر الأشكال المعمارية. مشاريعه المحفوظة في الأرشيف لم ينفذ منها سوى ثلاثين بالمئة من مجموعها، كما أخبرنا، إلا أنّه بقي، وطوال خمسين سنة، عَلَماً من أعلام العمارة الحديثة في العراق والشرق الأوسط. لقد باح لي في نهاية حواري معه، الذي امتد إلى جلسات عدة، بسبب العمر ومحدوديّة معرفتي بعالمه الشاسع والغني، فنياً وحياتياً، أنّه قدّم أرشيفه كله، الذي يحتوي على مخططات ومشاريع وكتب وسلايدات وصور كثيرة إلى قسم الهندسة المعماريّة في جامعة بغداد كي تستفيد منه الأجيال الصاعدة. كما أن القسم ذاته يقوم بتأليف كتاب عنه، وهذا يمنحه حسب ما قال، راحة نفسية كبيرة. لكنه اليوم، وكما أكّد، يشعر وكأن الحياة تضيق من حوله، جرّاء ما يفرضه العمر على الجسد من أعباء. هذه هي الحياة.

بدأت بتصميم "لاند سكيب" البغدادي، والأمر يوحي بعلاقة واسعة مع مدينة بغداد تتطلّب فهماً تاريخيّاً وحضرياً شاملاً وخيالاً واسعاً ومفتوحاً. لماذا اخترت البدء بتصميم المسطّح والفضاء البغداديين؟ ما هي الأفكار التي استلهمتها في تصميم تلك الحدائق؟ ما هي الخيالات؟

وجود الإنسان في الطبيعة هو الذي أوحى لي بهذا التوجه المبدئي، عدا عن وجود قضايا تاريخية تهم أسرتي. لقد ورثت عن والدي حبّي للطبيعة، فهو كان محافظاً، وبحكم وظيفته كان يتنقل في أماكن مختلفة من العراق. كانت طفولتي متنوعة، في بغداد والموصل والرمادي..الخ. ورثت عن والدي أيضاً مكتبة كبيرة تضم عدداً من الكتب باللغة التركية التي كان يجيدها، وهناك كتب كثيرة باللغة الإنكليزية. أنا لا أجيد التركية، لكن الشيء المهم الذي ورثته عن الوالد هو الاهتمام بالتراث الإسلامي، إذ كان بوسعه حفظ أية قصيدة إذا ما قرأها مرتين.

هل أضاف ذلك التراث شيئاً إلى رؤيتك المعمارية؟

أضاف الكثير. فأنا أجد جذور الفكر العربي في اللغة، وهو مرتبط بالدين أيضاً، وعندي أبحاث حول الموضوع. لدي ملف أسميته اللغة الإلهية. لغة السومريين والبابليين كانت أقرب إلى الموضوع الديني منها إلى الموضوع اللغوي. رسمة دار كانت تنفّذ كما لو كانت داراً إلهية. اللغة العربية تحتوي على أصل الفلسفة، فتركيب الجمل وتركيب العائلة متشابهان. واللغة إبنة الإنسان والمجتمع. الأشكال الأساسية لدى أفلاطون هي الكرة والمكعب. وبحسب أفلاطون الكرة لا اتجاه لها. الإسلام ليس فيه كرة، بل هناك حيز متجه، والأمر يمثّل الجواب الإسلامي على افلاطون. الكرة عندنا تتجه إلى مكة. نحن لا نعرف كرة من دون اتجاه. من هنا بدأت فلسفتي في العمارة. دخولك إلى آثار الجامعة المستنصرية على سبيل المثال يعطيك بعداً بصرياً أكثر مما هو روحي. هذه المبادئ عينها اعتمدتها في تصميم جامع بيت بنية المواجه لمبنى محطة سكك الحديد في الكرخ.

تجربة قحطان المدفعي في تصميم الجناح العراقي بمعرض دمشق الدولي العام 1954 تبدو وكأنّها مفصلية في عمارته. أخذ عملك من بعدها يتميّز بهاجس تعبيري يتّكئ على حدّة التأثير والخيال ورهافته. فأجنحة الدول في المعارض الدوليّة تسعى عادة إلى التعبير عن الهويّة وعن مضمونها الإبداعي والثقافي وعن آفاقها وطموحاتها المستقبليّة. نفّذته في أثناء الملكيّة وزيّنته بشعارها، ثم أُخذتَ بعد سقوط الملكيّة خلال المعرض بطائرة خاصة، أنت وجواد سليم لنزع الشعار عن التصميم. هل بت تنتبه أكثر إلى مسألة الرموز المرتبطة بنظام سياسي معيّن؟

أهتمّ بمتن السؤال أكثر من نهايته الصغيرة. أنا ضدّ أي اتجاه سياسي كمبدأ للفلسفة المعمارية. عمل الجناح العراقي العام 1954 في معرض دمشق الدولي كان مثيراً ومؤثراً. التصميم جذوره عميقة، بدأت بالوعي الذاتي إلى الحياة الواسعة حولي في العراق. كنت قد زرت كردستان ورأيت الرقصات الشعبية وتعاون الناس، وكذلك رأيت عالم الأهوار في الجنوب. كل تلك البيئات يربطها أصل واحد، هو الأصل الفنيّ. ثمة مشاهد تدل على تشابه في الطقوس والتقاليد والأخلاقيات، وهذا ما فعلته في تصميم الجناح العراقي لمعرض دمشق الدولي. التصميم كان استيحاءً من جغرافيّة العراق البشرية والطبيعية. كان هناك في ذلك الوقت 14 لواء، اليوم نسميها محافظة، والعراق يمتلك نهرين كبيرين هما دجلة والفرات، ويستظل بالنجوم والسماء. تلك الرموز حوّلتها إلى تصاميم معمارية. الركيزة المعماريّة تمثّلت بعمودين وقسّمت السقف إلى أربعة عشر حيّزاً، وكان هناك سهولة بفهم المتلقي لتلك الايحاءات. الشعار الملكي رسمته بالنيون الأخضر على واجهة الجناح، وحين قامت ثورة 14 تموز أرسلونا أنا وجواد سليم لإزالته. حين وصلنا إلى الجناح قلت لجواد ماذا سنفعل بالشعار؟ ثم خطرت لي فكرة سريعة: أمسكت طابوقة من الأرض وهشّمت ذلك الشعار الزجاجي وسط ذهول ودهشة جواد.

نصب ساحة التحرير الذي صمّمه جواد سليم يمثّل أكثر أعمال ذلك الفنان العراقي رسوخاً في ذاكرة بغداد. ما هو الأثر الذي تعتقد أنّه الأفضل تخليداً لأعمالك المعمارية في بغداد؟

أجد من الأبرز منها والموجود في بغداد مبنى وزارة المالية وجامع بيت بنية في منطقة العلاوي ومدينة الألعاب في الرصافة، التي جسدت في تصميمها فكرة "الاحتضان"، ومبنى نقابة المهندسين الزراعيين وجمعية التشكيليين العراقيين ونصب وحدائق متنزه 14 تموز في الكاظمية ومبانٍ أخرى كثيرة. ومن أبرز التصاميم التي نفذتها، بيت الفنان نوري مصطفى بهجت في المنصور، وبيت الفنان المرحوم فائق حسن في الصليخ وغيرهما. بالطبع هنالك الكثير مما لم يتم تنفيذه لأسباب مختلفة، كمبنى البريد المركزي، وذلك التصميم المتميّز لحدائق الكرخ الذي وضعته تخليداً للشاعر البغدادي المرحوم الملا عبود الكرخي الذي كان صديقاً لوالدي. وقد استوحيت التصميم المذكور من قصيدته "المجرشة" التي صورت معاناة النساء. كان ذلك في مطلع الستينات. لكن أكثر ما يمثّلني ربّما هو تصميم أعمدة حديقة الأوبرا في الحديقة المقابلة للمسرح القومي. أعتزّ كثيراً بهذا التصميم لأنّني نفذت فيه حركة في العمود تعدّ في أساس الحداثة. فَتْل السطح، هذا الأخير الذي تراه من أكثر من زاوية في الوقت عينه، يشبه ما فعله بيكاسو في رسومه التكعيبيّة.

أمّا بالنسبة لشقّ سؤالك المتعلّق بنصب الحرّيّة لجواد سليم فعندي وجهة نظر نقديّة تجاهه. النحت ليس لوحة ذات بعدين بل وحدة متكاملة يحيط بها الحيّز. ما سعى إليه جواد سليم في ذلك النصب هو نقل روح تلك الأيام، بعد ثورة الرابع عشر من تموز بقيادة عبد الكريم قاسم، حيث كانت اللافتات تُحمل في التظاهرات. المعماري هو الذي ساعده في نقل تلك الروحية. لا يجوز للنحت أن يكون ببعدين. تحاورت مع جواد سليم وإحسان شيرزاد حول ذلك. المعماري في نصب الحرية هو رفعت الجادرجي، بينما التنفيذ الكونكريتي لإحسان شيرزاد والتنفيذ ببعدين لمحمد غني حكمت الذي ساعد جواد في التنفيذ. ولأن جدارية جواد تطل على ساحة التحرير فيما ظهرها يطلّ على حديقة الأمّة، كان هناك اقتراح لإبراز ظهر الجداريّة من خلال وضع عمل من السيراميك لمحمود صبري عليه. لكن الأخير سافر فجأة من العراق ولم ير المشروع النور، وظلّ ظهر الجدارية فارغاً إلى الآن. لذلك أنت ترى أن نصب الحرية من الأمام لجواد سليم ومن الخلف كان يفترض ان يكون لمحمود صبري، وهذا برأيي كفر بلغة النحت، إذ لا يصح وضع عملين لفنانين مختلفين على قاعدة واحدة.

ذات مرة قال رفعت الجادرجي وأثناء محاضرة في مؤسسة المدى الثقافيّة، أن بغداد كمدينة لم تصمّم لهذا الكم من السكان ولا تلائمه؟ وبما أنّه لا يمكن طرد نصف سكان بغداد على سبيل الافتراض، فما الحل لإعادة النظر بخارطة بغداد المدينيّة؟

طرد السكان من منازلهم لحل مشكلة الاكتظاظ في بغداد حل غير واقعي، ولا إنساني. لكن بالإقناع يمكن إغراؤهم على الانتشار. الزيادة السكانية يمكن حلها تدريجياً بتأسيس مراكز صناعية سكنية وحِرَفية حول بغداد، في الصويرة والفلوجة واليوسفية وغيرها من المناطق المحيطة بالعاصمة. وتكون الأفضلية للعمل والسكن في تلك المراكز للقادمين أصلاً من تلك المناطق. قدمتُ اقتراحاً مثل ذاك للحكومة وأعتقد أنهم سيأخذون به. لقد وضعت مخططات لحل الواقع البيئي والسكاني لجميع مناطق العراق. تلك المخططات موجودة في أرشيفي. هناك خط يبدأ من الجنوب في غرب الخارطة العراقية ويصعد إلى الشمال، وهو خط من الوديان التي يمكن ربط بعضها ببعضها الآخر لتصبح المنطقة منخفضاً لتجميع المياه. بذلك نحصل على نهر ثالث في العراق، وستكون هناك محطات لتوليد الطاقة تعتمد على اشعة الشمس، سميتها مولدات شمسمائية. الفكرة هدفها ربط النشاط السكاني بالتضاريس. نحن ننمو لكن دون استغلال للطبيعة. الاتجاه الحديث في العالم اليوم ينحو إلى ربط التخطيط بالتضاريس الطبيعية وهذا ينطبق على بغداد العاصمة. ينبغي علينا في العراق تأسيس محميّات طبيعية للحيوانات، وتشجير الفضاءات، وحماية النباتات البرية. بغداد اليوم بلا هوية، وذلك بارز في معمارها وشوارعها ومناطق سكنها. هي في الحقيقة على الصعيد الاجتماعي بلا هويّة أيضاً، للأمر علاقة بظاهرة ترييف العاصمة، بعدم وجود تخطيط، وبعشوائية السلطات السياسية في تعاملها مع مدينة عملاقة مثل بغداد.

تجربتك "الإسكانيّة" في الخمسينيات، حيث قمت بإيحاء وتأثير من المعماري اليوناني الخبير في الإسكان والتخطيط دوكسيادس بإجراء مسوحات ميدانيّة للتجمعات الحضريّة والريفيّة في العراق، ماذا كانت نتيجتها؟ كيف أثّرت هذه الدراسات، التي تتناول البيئات الجغرافيّة والاجتماعيّة، على فكرك وخيالك العمراني وعلى تطبيقاتك المعماريّة؟ كيف تعمل المخيّلة في ظل هذه الشروط الكثيرة لفهم المكان والفضاءات والبيئات الحضريّة؟

هناك في الخزانة كتب دوكسيادس جميعها، وهو الخبير الذي أُوْلِي مهمة عملاقة تتمثّل في حل مشكلة الإسكان في العراق. فكرة السكن كانت قد أُثيرت من قبل السفارة البريطانية في العراق ثم انتقلت شيئاً فشيئاً إلى الأمم المتحدة، وكان هناك باحث في الأمم المتحدة برتبة إستشاري كلّف بحل تلك المشكلة، إلاّ أنه رفض بحجة تحوله إلى السياسة. عندها تحوّل التكليف إلى دوكسيادس. جاء دوكسيادس إلى العراق ودُعيت للقائه في السفارة البريطانية عن طريق حفل كوكتيل اقامته السفارة. بعد التعارف والحديث طلب مني العمل معه في المشروع فرفضت. قلت له إنني ذاهب لدراسة الدكتوراه في مدرسة الباوهاوس الألمانية، أي أدرس فن العمارة حسب نظرية الباوهاوس الفلسفية. قال لي لا اسمح لك، ستبقى معي لإنجاز مشروع الإسكان في العراق، وزودني بسيارة مليئة بالكتب ومصادر عن فن العمارة. وكان كلّما عاد إلى العراق من أوروبا يجلب لي الكتب والمجلات. الهدف كما هو معروف، كان إيجاد حلول لأزمة السكن في العراق عبر تصميم وحدات سكنية في أغلب المحافظات العراقية كالموصل وبغداد والبصرة والرمادي، وهذا ما حصل. كان مشروعاً ضخماً يتناول الإسكان العام في كل العراق، شمالاً وجنوباً، شرقاً وغرباً، وعملت مع دوكسيادس في اليونان والعراق. في أثينا بقيت أعمل في مكتبه طوال ستة اشهر، وكنت أقضي في كل قسم من الاقسام ثلاثة او أربعة أيام كي أتعلّم خفايا المكاتب المعمارية. وهناك تعرفت على زوحتي اليونانية. بالمناسبة هي لم ترغب بالمجيء إلى العراق بعد نهاية الثمانينيات، كونها لم تحتمل حياة العراقيين. هي الآن تعيش في اليونان. ما استفدته من خلال عملي في مكتب دوكسياديس هو انه أعطاني الحرية لاختيار المشروع الذي يناسبني، ومن ذلك أيضاً السماح لي بالتجريب في فن العمارة. لقد أسند لدوكسيادس حقل الإسكان في العراق كله، الإسكان الحضري أي تخطيط المدن، والإسكان الريفي. وكان أن قسّمنا العراق إلى أربعة مواقع إسكانية، وبدأنا دراسة أحوال السكان في الريف وطبيعة المناخ والدخل الفردي لكي نصمّم وحدات سكنية تناسب ذوي الدخل المحدود. درسنا الأهوار، والصحارى، ودرسنا النجف والبصرة والقرى الريفية حتى الحدود الإيرانية. خلال عملي مع دوكسيادس ألممت بالعمارة على نحو تطبيقي، ومن أطرف ما اكتشفناه خلال دراستنا للأهوار وجود بيت من القصب والبردى يتألّف من طابقين، وهذا من النوادر. أنجزت أربعة مجلدات من هذه الدراسة ما زالت موجودة في أرشيفي. نعم كانت المخيلة حاضرة من خلال هذه المشاريع. فعن طريق المخيّلة كنّا نصل إلى الإمكانيات التي يتيحها الواقع لنا، وما يمكن تطويره من ذلك الواقع. استطعنا فرض المخيّلة على التصاميم وعلى الواقع وإمكانياته، لكن ضمن حدود القدرة التي كانت متاحة للإنسان العراقي آنذاك على امتلاك بيت. فكل تصاميمنا كانت لذوي الدخول البسيطة. واستلهاماً من مكتب دوكسيادس افتتحت مكتبي المعماري الخاص في بغداد، أسميته دار العمارة، وهو هنا في جناح من بيتي. لقد بعته قبل فترة بعد أن ضاقت بي مواردي المالية. وقد تحوّل اليوم إلى دكاكين تبيع الكهربائيات والحاجات المنزلية. أمّا مشروع دوكسيادس ومآله، فبعد ثورة الرابع عشر من تموز أمر الزعيم عبد الكريم قاسم بالاستيلاء على مكاتب دوكسيادس في بغداد بحجة انه استعماري، وله علاقة بمؤسسة فورد الأميركية، وقد شُكلت لجنة من الجيش للقيام بالمهمّة.

في جيل ضمّ فناناً تشكيلياً كبيراً ومؤثّراً كجواد سليم وشاعراً كبيراً كالسياب وعالم اجتماع مرموقاً كعلي الوردي ومعمارياً كقحطان المدفعي وغيره، هل تفاعلت هذه الخلفيات المذكورة لأفراد الجيل المذكور؟ كيف؟ وماذا نتج منها؟ أم أن التفاعل كان ناقصاً؟ ماذا كان ينقصه؟ وأين انتهت هذه النخبة؟

انها نخبة إنسانية نابعة من الناس، استطاعت أن تجد النقاط الرئيسة التي بدأت بها الحداثة. هؤلاء النخبة كانوا يحومون حول النقطة ذاتها، ألا وهي الحركة. أول ما ذهبت إلى إنكلترا سألتهم هل لديكم حركة شعر فاعلة؟ كنت مغموراً بالشعر، في البكالوريا كنت أحفظ أشعاراً لخمسة وستين شاعراً. في لندن اكتشفت أن هناك فلاسفة وشعراء ونظريات، وتعلقت بالشاعر ت. أس إليوت. الأحداث الكبيرة كانت تدور حول النقطة ذاتها كما أسلفت. النازية، الفاشية، الشيوعية، كلّها من مبتكرات حركة الحداثة. صورة الشباب النازي كانت مبهرة باستعراضاتهم وانضباطهم وتوحدهم. موضوع الحداثة كان قريباً منا، وكنّا نتمثله بما يعمله الشباب الناشئ. شعراء الحداثة العراقيون كلّهم أصدقائي من بلند الحيدري إلى بدر شاكر السياب، ولديّ معهم ذكريات كثيرة. بدر... بدر... كان يزورني مع آخرين مثل الرسام نوري الراوي، فأوصلهم بسيّارتي الصغيرة إلى بيوتهم، وكان بدر يجلس في حضن نوري الراوي لضآلة جسمه.. أتذكر عندما كنت في إنكلترا أثناء دراستي هناك حملت معي إلى بغداد خلال إحدى الزيارات عام 1954 أو 1955 أسطوانات من الشعر الإنكليزي للشاعرة إيدث سيتويل (Sitwell). إحدى القصائد في هذه الإسطوانات كتبتها الشاعرة العام 1940 أثناء تعرّض مدينة لندن للقصف خلال الحرب وعنوانها "ما زال يهطل المطر" (ستيل فولز ذا راين). كلمة "مطر" استخدمتها الشاعرة كناية عن القنابل التي كانت تتساقط على لندن مثل المطر. بدر كان متعلّقاً بالشاعرة المذكورة، وهو أخذ منّي القصائد المسجّلة. وكان في الأثناء يكتب قصيدته الشهيرة "أنشودة المطر". أعتقد أنّه ترجم قصيدة سيتويل، أو أنّه كتب قصيدته تعقيباً على قصيدتها واستلهاماً منها. لذلك نقرأ في قصيدته "مطر... مطر / ويهطل المطر".

جواد سليم وفائق حسن كانا أيضاً صديقين قديمين وعزيزين على قلبي، وتربطني بهما روابط فنية كثيرة. أنا صمّمت لفائق حسن بيته الذي ما زال موجوداً. جواد سليم عمل معي في عدة مشاريع، وعندي ذكريات جميلة معهما. لكن في تلك الاثناء انتقلت أسرتي من محلّة الفضل إلى محلة الكرادة الراقية، الأمر الذي أدّى إلى تحوّل حضاري كبير من حياة في الحوش إلى السكن في بيت محاط بحدائق واسعة. وقد انعكس ذلك على علاقاتنا الاجتماعيّة. إذّاك بتنا نعيش حياة من نوع آخر. إنّها حياة البيت المسمّى فيلاّ. أمّا بالنسبة لشق سؤالك المتعلق بنهاية هذه النخبة الحداثويّة، فأعتقد أن التفكيك والانفراط، والانهدام هي من خصائص الحداثة، ليس في العراق وحده بل في كل البلدان. حتى مدرسة الباوهوس سرعان ما انتهت وانحلّت بعد تغيّر الظروف ودوران عجلة التطور. الحضارة هي دائماً هكذا.

في مقابلات سابقة كنت تحنّ إلى فكرة الحوش في البيت العراقي الذي كان منتشراً لا في بغداد وحسب بل في المدن العراقية كلها. اليوم زالت فكرة الحوش من البيوت العراقية. أصبح البيت العراقي لا يختلف عن أي بيت في العالم. هل للأمر علاقة بفكرة العولمة، وطغيان الذائقة الغربية الصناعية على كل تفاصيل الحياة بما في ذلك العيش المنزلي؟

الحضارات مثل الهواء، لا تعرف من أين يأتي ومن أين يخرج ومن أي باب يمر. لا تعرف إن كان جاءك من الشمال أم من الجنوب، من الشرق أم من الغرب. الفيلاّ جزء من الحداثة، الحداثة التي حاولنا تطبيقها والتفاعل معها. قسم منّا تقبّلها وقسم لم يتقبّلها، وفكرة الفيلا التي أصبحت بديلاً من الحوش الشرقي جاءت من فكرة البرجوازية الغربية، بيت في الوسط محاط بحدائق، وهي ألغت فكرة الحوش، وهذا شيء محزن. الحوش صلب الدار العراقية، وهو الفضاء الذي يرى منه الفرد وجه الله نهاراً وليلاً.

ألا يمكن دمج فكرة الفيلا بالحوش لخلق تصميم جديد على الذائقة الشرقية مثلاً؟

أكاديمياً لا بدّ من الدخول في دراسة الجغرافيا والمناخ، فهناك حزام صحراوي يلفّ الكرة الأرضية كلّها. كل البقاع على هذا الحزام تمتلك ظروفاً متشابهة تقريباً، والتصاميم المعمارية عادة ما تأخذ بالاعتبار تلك الخصوصية. نحن عادة نقوم بتقسيم الحيّز إلى أقسام، القسم المُغلق، القسم نصف المغلق، والقسم نصف المفتوح. الأمر له علاقة بالنوافذ والشمس والظل وطبيعة الجو، المعطيات التي فرضت فكرة الحوش. لكن علينا أن ننتبه هنا ونعرف عن أيّ حوش نتكلّم. فهناك الحوش الياباني واليوناني والعراقي والروماني والخ. الفيلا في المقابل هي حيّز مُغلق، وهي تلائم البلدان الباردة. في صددها نحن نتكلم عن حيزين مختلفين، ولهذا فإن فكرة خلق وزرع الفيلا في بلداننا تمثّل خطأ تاريخياً لعدم ملاءمتها الظروف المحيطة.

هل تعرّض مكان أو مبنى صمّمته أنت في العراق للخراب خلال الحرب أو نتيجة التفجيرات؟ كيف يرى المعماري مبناه مخرّباً؟ كيف يجول في أطلاله؟ وما هي الأفكار التي يستدعيها هذا الأمر؟

نعم تعرضت وزارة المالية التي صممتها إلى عمل تخريبي، انفجرت سيارة مفخخة في بابها، وكان إحساسي كأيّ عراقي لا يمكنه التعبير عن ألمه ذاك. الألم كان أعمق من اللغة وأعمق من التعبير. إنني أشبّه نفسي بأب خلاّق، وتلك العمارة جزء من روحي. ذهبت لرؤية المبنى فلم يدعني الشرطي أصل إلى المكان. قلت للشرطي هذه بنايتي، فلم يصدق. قلت له اذهب إلى المدير المسؤول هنا وقل له إن قحطان المدفعي يريد تفقّد البناية، فجاء المدير بكل احترام ودعاني للدخول وأوصى الشرطي بتلبية كل طلب أحتاج إليه.

مبنى وزارة المالية هذا يشعرني وكأنك أردت من خلاله ضرب مركزية البناء. هناك كتلتان تتصلان بممرات، فهل خطرت لك فكرة ضرب مركزية العمارة أثناء التصميم؟

بين التصميم وقرار الحكومة بالبناء هناك خمس سنوات، أوشكت خلالها على الهجرة من البلد. يتكون المبنى من برجين مزدوجين، يتصلان ببعضهما البعض عبر جسور خرسانية معلّقة على ارتفاعات مختلفة. العمارة تتألف من 14 طابقاً. ما فعلته في هذا التصميم لمبنى الماليّة هو أنني شققت الزقورة السومرية إلى نصفين، كما لو قمت بذلك بواسطة سكين حادة.

تقول في إحدى مقابلاتك إن ما هو مؤثر في الكون هو الشدّ وليس الجذب، وهذا طبعاً له علاقة ربما بنظرية الانفجار العظيم "البيغ بانغ". ما هي انعكاسات هذا التصور على فن العمارة؟

هذا ما نفذته بمتحف التاريخ الطبيعي وكذلك ببناية معهد الاتصالات. منذ وقت طويل شغلت بالنظرية النسبية، وهذه النظرية ترفض السطح الساكن، فالكون كله متحرك، عند أيّة لحظة أو مكان وفي كل شيء. الحركة أساس الكون، والحركة هي الشدّ. بين كل جسمين مسافة، وهذه المسافة تولد الجذب والشد. إن النظرية النسبية أثّرت على العالم وعلى العمارة، وبذلك كانت بداية العمارة الحديثة. ويمثل المعمار لوكربوزيه ومدرسة الباوهاوس الحدث الأهم في التأثير على مسار العمارة. فكنيسة رونشامب كانت المرجع الرئيسي لاستلهامات عمارة ما بعد الحداثة. فحسب نظرية أينشتاين إن العالم مكوّن من شكل سرجي منحنٍ، وعليه فان المثلث المرسوم على سطح هذا الشكل لا تكون زواياه 180 درجة إذا جمعت تبعاً للهندسة الإقليدية. هذه النظرة المختلفة للكون التي قدمها أينشتاين تمثّل الرؤية التي كان لها الأثر الكبير في تغير النظرة الكلية من قبل المجتمع والعالم إلى الكون ورفض ما كان سائداً قبله. أثر هذا على تطبيقات العمارة تمثّل برفض الزوايا القائمة والسطوح المتعامدة. سطح كنيسة رونشامب شكّل مقدّمة لمرحلة أشمل. إنّها الحداثة التي بدأها أينشتاين.

لطلب العدد الأوّل من البوابة التاسعة يرجى مراسلتنا على order@portal9journal.org ، مع اسم صاحب العلاقة وعنوانه البريدي ورقم هاتفه، وسيقوم أحد أعضاء فريق عملنا بالإجابة والتعاون.
المعلومات المطلوبة
    


شكراً لإرسال طلبكم للبوابة التاسعة