العدد 1 المتخّيل، خريف 2012
مراجعات ونقد
دار الأوبرا السلطانيّة في مسقط
يبدو التنين رمزاً مناسباً لدار الأوبرا في عُمان، لما تكتنفه في مبناها من روعة وغموض في آن معاً.
عن المؤلّف
كاثرين هينيسي، تحمل شهادة الدكتوراه في اللغة الإنكليزيّة مع تخصّص في المسرح الإيرلندي في جامعة نوتردام في الولايات المتّحدة. تعيش في صنعاء منذ العام 2009.
العدد الحالي
الغابة، خريف 2014
المقالات
المراجعات


أطلب الآن
أرشيف
جميع المقالات
جميع المراجعات
أعداد سابقة
السَّاحة
سرد: كتابات عربيّة وروسيّة معاصرة
المتخّيل
1 2 3 

محدِّقاً في السّقوف العالية وخشب السّاج المنمّق ووريقات الذّهب الناتئة، فإنّ زائر دار الأوبرا السلطانيّة في مسقط يُسامح، في زيارته الأولى، إذا ما غفِلت عنه كنوز البهو، الخجولة رغم روعتها. فمع انبهار عينيه لتألّق الدرابزين وصفّ الأعمدة والرّخام المتلألئ، تغيب عنه تلك الآلات الموسيقيّة العتيقة، المصفوفة وراء السلم الرئيسي. من بين هذه الآلات بوقان من السيراميك على شكل تنّين صيني، مطليّان بدقّة فائقة باللون الفيروزي والذهب والياقوت الأزرق، ولهما عنق متعرج وأوجه شعواء. على أن الجائل ذاك، في دار الأوبرا للمرّة الأولى، لا يحظى بأيّ إشارة توحي بما آلت إليه تلك الآلات في أسفارها، أو ما يمكن أن تطلقه من ألحان بين يدي مايسترو.

يبدو التنين رمزاً مناسباً لدار الأوبرا في عُمان، لما تكتنفه في مبناها من روعة وغموض في آن معاً. فمنذ افتتاحها في تشرين الأول من العام 2011، استضافت الدار عدداً كبيراً من العروض المذهلة، وعدداً من الفنانين ذوي الشهرة العالمية، أمثال بلاسيدو دومينغو، رينيه فلامينغ، أندريا بوتشيلي ويويو ما، كما فرقاً عالمية معروفة للباليه والأوركسترا.

دار الأوبرا السلطانيّة، وبغض النظر عمّا يميّزها من حيث التطوّر التقني للتصاميم الهندسية والإنشائيّة، أو من حيث المعايير الجماليّة لمبناها والحفلات التي يستضيفها، أو حتّى الموارد المتاحة لجذب المواهب الإبداعية، تُعتبر صرحاً استثنائياً ونصباً تذكارياً ضخماً، يشهدُ على شغف سلطان عُمان بالموسيقى الكلاسيكية والفنون المسرحية. وحسب ما قال مايكل كيزر، رئيس مركز كينيدي للفنون المسرحية، في حديثٍ تناولها على موقع للإنترنت، فإنّها " إذا ما حظيت بإدارة صحيحة، تتمتع بإمكانيات فائقة قادرة على تبديل النظرة العامة للفنون وكيفية ممارستها في هذه الأمّة بالذات وهذه المنطقة من العالم".

بيد أن مقولة كيزر هذه، تلمّح إلى تساؤلات كامنة وقضايا لم تُحسم بعد، تتعلّق بسبل إدارة دار الأوبرا السلطانية: ماذا تعني "الإدارة الصحيحة" لهكذا صرح فريد من نوعه؟ وما هو الهدف من بنائه، وما هي وظيفته وجوهر هويته كمؤسسة ثقافية؟ وما هي المكانة التي يتوق إليها في المجتمع العُماني وثقافته؟

لعُمان والخليج العربي إرث غنيّ في الغناء وموسيقى الآلات. كما تتميز الثقافة الموسيقية العُمانيّة باستعمال آلات كالمزمار والزمر والقصبة (تشبه الشبابة والكلارينت والفلوت(، بالإضافة إلى العود وتنويعة من الطبول. لكن التقاليد الموسيقيّة هذه لا تمتّ بصلة إلى الأوبرا، التي، على الرغم من جذورها الشعبية، كانت دائماً حكراً على الطبقات المثقفة والفئات العليا، أو الطبقة الوسطى الطامحة دومًا إلى الترقي في الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا، بالدرجة الأولى.

لماذا إذن بناء دار الأوبرا في مسقط؟

اعتبرت دار الأوبرا السلطانية إنجازاً متوّجًا لعهد السلطان قابوس بن سعيد، الذي يُحتفل في الصيف المقبل بالعيد الثاني والأربعين لجلوسه على العرش. صورة السلطان مُعتلية صورة الصرح، والتي نشرتها الشركات العُمانية في الصحف المحلّية مُهنّئة بقيام الدار، ترمز إلى أهمية هذا الإنجاز وتُشير في سياقه إلى نجاحات السلطان قابوس. فالواجهة البراقة لدار الأوبرا تعكس المُثُل العليا في النقاء والشفافية وانعدام الفساد، المثل التي طالما ركّز السلطان قابوس عليها في خطبه، حاثًّا الموظفين الحكوميين على التمسّك بها. كما تشير الهندسة الداخلية للمبنى بما فيها من غنى ظاهر، إلى النظرة الطموحة تجاه العُمانيين التي ما فتئ السلطان يُعبّر عنها في اعتبارهم "قدوة يتبعها الآخرون?… باحتضانهم الأفكار المستنيرة، وانفتاحهم على العلوم والتكنولوجيا، مع تمسّكهم، في الوقت ذاته، بتقاليدهم وتراثهم"1.

مع أن الفضل في بناء دار الأوبرا يعود ?بوضوح إلى السلطان قابوس وانجذابه الشخصي للموسيقى الكلاسيكية، إلا أن ذلك تماشى أيضًا مع أجندة سياسية أكبر تسعى إلى تصوير الشعب العُماني أمام العالم على أنه شعب مثقف ومنفتح ومتمرس في النشاطات الثقافية والفنية الرّاقية. فكان خيار بناء دار الأوبرا في مسقط منسجماً تماماً مع التموضع الاستراتيجي الذي أراده السلطان لعُمان، كوسيط مسالم بين الشرق والغرب.

لا شك في أن احتمالات تفعيل السياحة الثقافية في عُمان كان حافزاً مهمًّا لبناء دار الأوبرا. وتزامن ذلك مع بدء أعمال توسيع مطار مسقط الدولي بهدف زيادة قدرته على استيعاب عددٍ أكبر من المسافرين، ورفعها من 7,5 ملايين مسافر في الوقت الحالي إلى 12 مليون مسافر في العام 2014، مع الأخذ بالاعتبار إمكانية استيعاب 48 مليون مسافر في مراحل لاحقة2. فالدار التي تجتذب دومينغو وبوتشيلي لا بدّ أن تستهوي زُوّار عُمان، خاصّة من الأجانب المتنوّعين الذين يزورون دبي القريبة أو يعيشون فيها. لذلك فإن تأشيرة الدخول إلى عُمان باتت مُتاحة تلقائيًّا لبعض الجنسيات بالتزامن مع زيارة دبي. وكان منطقيًّا مع هذا الدفق السياحي المرتقب، اختيار شركة الهندسة المعمارية"ومبرلي أليسون تونغ & غو" Wimberly Allison Tong & Goo للإشراف على أعمال البناء، إذ إن الأخيرة تسوّق مشاريعها على أنها "تصاميم وجهات"، كما تشمل سيرتها العمليّة عدداً من المنتجعات الأكثر ثراءً في منطقة الخليج العربي، بما فيها "قصر الإمارات" في أبو ظبي، و"وان أند أونلي رويال ميراج" One & Only Royal Mirage في دبي ومنتجع "شانغريلا" برّ الجسّة في مسقط.

يُعتبر قرار الحكومة العُمانية بتنويع النشاط السياحي عبر إنماء البُنى التحتية للسياحة قراراً عاقلاً، على الرغم من أنه يضع دار الأوبرا في وضع حرج بالنسبة إلى برنامجها: أهي تهدف إلى استقطاب السيّاح أم المغتربين أم العُمانيين؟

تلقى السلطان قابوس علومه في بريطانيا وهو صريح بإعلان انفتاحه على الروح الديمقراطية التشاركيّة وحرية الدين والعبادة ودمج العنصر النسائي العُماني في العمل، بالاضافة إلى أفكار أخرى لا يسهل تماشيها مع التقاليد الإباضية المحافظة التي تقوم عليها الثقافة العُمانية. ودار الأوبرا في الحقيقة، ربّما تعني محاولة من قبل السلطان لصياغة الثقافة العُمانية حسب الوجهة التي تستهويه، على الرغم من بعض الاعتراضات. فعلى سبيل المثال، أثار المفتي الشيخ أحمد بن حمد الخليلي في الآونة الأخيرة سجالاً حاداً حين سُئل رأيه عن مدى صوابيّة زيارة الدار، فرأى الخليلي وجوب تحريم المسلم من تلك الزيارة، أو حتّى من امتداح عمارة الصرح ما دام الهدف منه التّرويج للرقص والموسيقى3.

باستثناء ما أثاره هذا السجال الأخير من ريبة في أن يكون قرار السلطان متضاربًا مع مبادئ الإسلام، فقد لوحظ أن العُمانيين عمومًا ثابتون في حماستهم لآراء السلطان قابوس، لما لها من فوائد لبلدهم على المستوى الثقافي. لكن ثمّة إشارات في عالم المدوّنات الإلكترونيّة العُمانية توحي بشكوك أخرى تنتاب البعض حول مدى التأثير الايجابي للدار على المجتمع العمانيّ، من ضمنها مثلًا دعوة مسالمة لمقاطعتها صدرت عن مجموعة من المواطنين الذين رأوا أن الأموال الطائلة وغير المعلنة التي أُغدقت على بناء الصرح كان يمكن إنفاقها في أمكنة أخرى وعلى نحو أفضل4. إلى هذا يبقى السلطان قابوس الرجل الوحيد في الخليج العربي قاطبةً الذي أعرب عن استعداده لاستثمار مبالغ بهذا الحجم تخصّص حصريًّا لإنشاء بنية تحتية لفنون العرض والمسرح. وبالفعل فإن افتتاح دار الأوبرا في مسقط جاء في وقت بدا فيه اقتراح الاستثمار في إنشاء أمكنة للعروض سابقة لا مثيل لها.

وكانت إمارة أبو ظبي أعلنت في العام 2007، عن بدء تشييد مجمع ضخم للفنون المسرحية في جزيرة السعديات، هو ثمرة تعاون بين مؤسسة غوغنهايم وشركة إنماء السياحة والاستثمار في أبو ظبي. المجمّع الذي صممه مكتب زها حديد يشتمل على خمسة أحياز منفصلة للعروض، تضمّ دارًا للأوبرا وقاعة للموسيقى ومسرحًا للدراما5.

مملكة البحرين من جهتها باشرت تشييد المسرح القومي، الذي سوف يُفتتح خلال احتفالات إعلان المنامة عاصمة للثقافة العربيّة في العام 2012. وتشمل التصاميم التي قدمتها شركة AS Architecture Studio قاعة احتفالات بسعة ألف مقعد، وقاعة أصغر حجمًا مخصّصة للمسرح بسعة 150 مقعداً، وصالة عرض6. هذا إضافة إلى دار الأوبرا الآخر الذي صمّمته زها حديد والذي يتّسع لـ 2500 شخص والمقترح كي يكون المبنى الرئيس في مجمّع لاغونز Lagoons العمراني في دبي. وتشتمل مخططات مجمّع الفنون هذا على مبنى للمسرح وغاليري وأكاديميّة للفنون الجميلة وفندق ستّة نجوم7. غير أن الأزمة الاقتصادية اضطُرَّت عدداً من هذه المشاريع إلى تقليص أحجامها أو تأجيل تنفيذها إلى أجل غير مسمى. وتبقى الشكوك قائمة حول توفر المال الكافي لتمويل مركز أبو ظبي للفنون، وكذلك دار الأوبرا في دبي8. إذ ربّما تواجه هذه التصاميم المصير الذي واجهته دار الأوبرا في بغداد، التي كان فرانك لويد رايت أبدع في تصميمها بناءً على رغبة ملك العراق فيصل الثاني، والتي لم تؤتِ ثمارها نظراً لما آلت إليه أحوال بغداد بُعيد خلع الملك عن الحكم في العام 91958.

كما أن دولة قطر قامت ببناء صرح ضخم مخصص لفنون الأداء في مركز المؤتمرات الوطني. وأنجزت هذه الدولة الخليجية في العام 2010 بناء دار للأوبرا ومسرح في مجمع قرية "كتارا" الثقافية، حيث أقيم مهرجان الأفلام القطري، دوحة تريبيكا، في العام 2011. وتوصَف دار الأوبرا "كتارا" بامتلاكها كافة المقوّمات اللازمة لاستضافة الأعمال المسرحية والسينمائيّة وحفلات الفرقة الفيلهارمونيّة القطريّة، لكنها إلى اليوم لم تنظّم أي عمل كبير للأوبرا.

نظرة شاملة تتخطّى الخليج إلى العالم العربي، تفيدنا بأن لدار الأوبرا السلطانية في مسقط اليوم دارين منافستين في المنطقة (وثالثة يُرجّح البدء بأعمال بنائها في العام 2012، في مجمع الملك عبد الله الثاني للثقافة والفنون في عمّان وهي من تصميم زها حديد(. الدار الأولى هي دار الأوبرا المصريّة في القاهرة التي أسسها الخديوي إسماعيل في العام 1869 بمناسبة افتتاح قناة السويس. واستضافت دار القاهرة في العام 1871 العرض العالمي الأول لأوبرا "عايدة" لـ"فيردي"، كما حافظت على وتيرة أنشطتها على مدى قرن كامل قبل أن تأتي عليها النيران في العام 1971. ثمّ أعيد افتتاحها بحلّة معاصرة في العام 1988 لتغدو منذ ذلك الحين جزءًا مكمّلًا لمركز الثقافة القومي في مصر. أما الدار الثانية، دار الأوبرا في دمشق، فقد عاشت كنظيرتها المصريّة تاريخًا ثنائيًّا، إذ اتسمت في مرحلتها التاريخيّة الأولى بطابعٍ فرنسيّ خلال الحقبة الانتدابيّة، ثمّ جرى بعد عقود إلحاقها بدار الأسد للثقافة والفنون التي خطّط لها حافظ الأسد وافتتحها ابنه بشّار في العام 2004. ولكلتا الدارين في القاهرة ودمشق ماضٍ حافل وسمعة قويّة جعلا دار الأوبرا السلطانيّة في مسقط تستلهم نجاحاتهما. الأمر الذي يعبّر عنه قيام الأخيرة باستضافة "المغنّية الرسميّة" لدار الأوبرا في القاهرة رهام عبدالحكيم. كما ضمّنت الدار العُمانيّة برنامج حفلات افتتاحها عرضي "توراندوت" و"بحيرة البجع" اللذين قدّما في دمشق في الأعوام الأخيرة.

وعلى الرغم من الكلام عن إرجاع الفضل إلى النماذج الأولى لبرامج العروض المتّبعة هذه، فإنّ دار الأوبرا السلطانيّة في مسقط تتفوق على نظيرتيها الأقدم في القاهرة ومصر من حيث التطوّر التكنولوجي. ففيها يمكن تعديل الأصوات بدقة فائقة لتلائم أيّ نوع من العروض من خلال لوحات عاكسة للصوت في الأسقف، وقاعات مصصمة لاستيعاب الارتدادات، ولوحات متحرّكة على طول الجدران مصممة لامتصاص الأصوات. كما أنّها دار الأوبرا الأولى التي تعتمد نظام الوسائط المتعدّدة Mode 23، الذي يتيح للمشاهد إمكانية اختيار لغة ترجمة العروض عبر شاشة مثبّتة على خلفية المقعد الذي أمامه. على أن الأمر الأكثر إدهاشًا يكمن في السهولة الشديدة التي يمكن فيها تعديل فضاء العرض ليلائم كافة الأنماط المقدّمة.

بدل تكريس قاعة كاملة للحفلات الموسيقيّة مع حيّز مفصول مخصّص لعروض الأوبرا والمسرح، تُكيِّف دار الأوبرا في مسقط مساحة واحدة لتأمين تقنيّة الأصوات والفضاء المسرحي المطلوب لكلّ عرض من العروض. ويمكن لكلّ جزء من المسرح، أسقفًا كان أم خشبة عرض، أن يُرفع أو يُخفض أو يُعدّل بحسب الحاجة وعلى نحو يتماشى مع هندسة الصوتيّات. فالقاعة المخصصة للحفلات الموسيقية، والتي تضمّ الأورغن، قابلة للإنزلاق 20 مترًا إلى الوراء على سكك حديديّة، فتخلق بهذا مساحة أوسع للمسرح وجناحًا وكواليس تتطلّبها العروض المسرحيّة. حتى إن زوايا المقصورات في القاعة يمكن تعديلها لتتماشى مع متطلّبات توسيع المسرح أو تضييقه.

لكن وعلى الرغم من هذه العناصر التقنيّة بالغة التقدّم، يبقى الانطباع العام تجاه المسرح موسومًا بأناقة عريقة، لا حداثة دخيلة. فالمقاعد الوثيرة مزدانة بكمنجات مخمليّة مذهّبة على خلفيّة حمراء، والأسقف والجدران من خشب الساج المتقن الزخرفة. وتُحجب لوحات التحكّم الصوتيّ خلف شاشات هي عبارة عن مشربيّات خشبيّة منمّقة، طُليت، تلك المعلّقة منها في السقف، على نحو يجعلها غاية في الانسجام مع ما يحيطها من زخرفة. وحتى الشاشات التي تضمّ مخطوطات الليبريتّو صُمّمت كي لا تشوّش التركيز على العرض. فالمسرح دافئ في ألوانه، مُسرف في مواده، ومتناسق في أبعاده.

بعد حضوري عرضين من نمطين مختلفين في دار الأوبرا السلطانيّة في مسقط، تأثّرت بذاك التوازن الشفيف بين الصوتيّات وحميميّة المسرح ودفئه والإنجازات الجماليّة لكلا العملين. في عرض الباليه Giselle الذي قدّم لجمهور من العُمانيين والمغتربين، جُعلت الخشبة في "وضعيّة المسرح": أفراد أوركسترا La Scala جلسوا في المساحة الضئيلة أسفل الخشبة، فيما هبّت أمواج موسيقاهم على الجمهور. أما بالنسبة للحفل التكريمي لأم كلثوم، فقد قُدّم على مسرح في "وضعيّة حفل موسيقيّ"، بخشبة قليلة العمق تتقدّمها المُطربة والفرقة الموسيقيّة. كان الجمهور في هذا الحفل عُمانياً بأغلبيته الساحقة، ولإسعاده افتتحت المطربة رهام عبد الحكيم عرضها بالثناء على روعة دار الأوبرا الجديدة، مُعربةً عن مدى فرحتها بدعوتها للغناء فيها.

رافقت المطربة رهام فرقة سليم سحاب للموسيقى العربية من دار الأوبرا في القاهرة. لاقت أغنيتا الجزء الأول من الحفل، "إنت عمري" و "أروح لمين"، تصفيقاً معتدلًا فيما كانت الديفا القاهريّة تسعى جاهدة للتواصل مع جمهورها. لكنّ الانتعاش ما لبث أن حلّ في أدائها وفي الجمهور مع الجزء الثاني من الحفل، حين غنّت "سيرة الحب" و"الأطلال" اللتين أصابتا، فينا جميعًا، وترًا حسّاسًا.

يتكامل التصميم الخارجي لدار الأوبرا، كما تصاميم فضاءاتها الداخليّة المؤدّية إلى المسرح، مع عظمة قاعة الاحتفالات. وتتألّف مواد البناء في المبنى الرئيس من الرخام وحجر الجير وحجر الكلس المعروف بـ"وردة الصحراء العُمانيّة". أشغال الخشب والشاشات والدرابزين وألواح الأسقف، كلّها عناصر منقوشة بعناية ومطليّة يدويًّا بحسب التقنيات التقليديّة المعروفة بـ"الزواق". ويتباهى الإعلان الرسمي في وصف عمارة دار الأوبرا في مسقط قائلًا إنّ "اللمسات الأخيرة الرائعة في الهندسة الداخليّة للدار – البادية في الجدران والأبواب والنوافذ والأرضيات والأسقف – تمّت صناعتها في عُمان".(بعد الأخذ بالاعتبار كادرات العمالة المهاجرة الموجودة في البلاد، يبقى لنا أن نتخيّل مقدار ما تمّ إنجازه بالفعل على أيدي مواطنين عُمانيين(.

لا يمكن إغفال جمال مبنى دار الأوبرا في مسقط، هذا ويساهم التأكيد على التقنيات التقليديّة والمواد المحلّيّة المصدر التي استخدمت في البناء في تعزيز مشاعر الفخر والحسّ الوطني عند العُمانيين. لكن هل تُساهم هذه الدار في وضع العُمانيين في موضع المتفرّجين والأوصياء على إنجاز ثقافي يُعدّ أجنبيًّا في مثاله؟ أم أنها تسمح لهم باعتماد دور الخبراء، أو الأصح دور المبتكرين والمساهمين في إرساء الثقافة الهجينة؟ البراعة الحرفيّة العُمانية تبدو نابضة بالحياة في فضاءات الدار الخارجية، لكنّ ما قدّم على الخشبة، على الأقل في الموسم الافتتاحي، جاء بأكثريته أجنبيًّا.

هذا ليس نقدًا بالضرورة، مع الأخذ بالاعتبار أن الجزء الأول من الموسم الافتتاحي استحضر إلى عُمان أشهر فنّاني العروض في العالم: بلاسيدو دومينغو قاد أوركسترا أرينا دي فيرونا Arena di Verona لأداء توراندوت Turandot لبوتشيني، ثم أدى فيما بعد حفلاً خاصاً به ("بلاسيدو دومينغو يغني لعُمان"(. كلّ من فليمينغ وبوتشيلي غنّى لجمهور اشترى كلّ بطاقات حفليهما، كما دُعيت فرق الباليه والأوركسترا الأكثر شُهرة في العالم لتقديم العرض الذي تراه أكثر تعبيرًا عن مهاراتها10. وتضمّن برنامج النصف الأوّل لموسم الافتتاح عدداً من العروض الفنية الكلاسيكية الغربية بما فيها "كارمن" و "بحيرة البجع". وكان هناك أيضًا حضور للشرقَين، الأوسط والأقصى: باليه من كوريا الجنوبيّة وحفل للسوبرانو اللبنانيّة ماجدة الرومي وآخر تكريمي للأسطورة أم كلثوم. وعلى الرغم من مرافقة الأوركسترا السمفونيّة السلطانيّة العُمانيّة لدومينغو في حفله، إلّا أن موسم الافتتاح لم يشهد أيّ عرض مخصّص بالكامل لفنان عُماني.

أبرزت رزنامة الجزء الثاني من موسم الافتتاح (من كانون الثاني إلى آذار 2012( إحدى الحفلات العُمانيّة جزئيًّا: "إيقاعات البهجة: الطبول الكلاسيكيّة من عُمان إلى اليابان"، والتي قدّمت موسيقيّين تقليديّين عُمانيين مع نظراء يابانيين – في واحدٍ من أصل 26 حفلًا. حفلات أخرى جاءت من كافة أنحاء العالم، من مقدونيا إلى الأرجنتين، ومنغوليا الداخلية إلى أفريقيا الجنوبية، مع تركيز خاص على روسيا وأوروبا الشرقية ومصر.

العرض الأكثر تمايزًا ضمن رزنامة العام 2012 هو "براكسا"، أو "نساء البرلمان" الذي تنتجه دار الأوبرا المصريّة. إنّه مسرحيّة غنائيّة عربية تستلهم "ليسيستراتا" لأرسطوفان. في هذه الكوميديا الإغريقيّة الكلاسيكيّة تتوصّل المرأة التي تحمل المسرحيّة اسمها إلى إقناع نساء بلاد الإغريق بالامتناع عن ممارسة الجنس مع أزواجهنّ إلى أن يوافق الأخيرون على إنهاء الحرب البيلوبونيزيّة. (فالمرء يتساءل هنا إن كان المفتي سيغامر بإبداء رأيه في صوابيّة حضور هذا الحفل(.

لكن متى يمكننا مشاهدة المزيد من العُمانيين على خشبة دار الأوبرا السلطانيّة في مسقط؟ فالدار على نحو غريب تبدو مفصولة عن فكرة الأوركسترا السمفونيّة التي أوجدها السلطان قابوس في العام 1985، والتي تُباهي بضمّها أعضاء جلّهم من العُمانيين، فلا توظّف القادمين من الخارج إلّا في بعض المناسبات للإفادة من خبراتهم التعليميّة دون الطموح إلى قدراتهم الأدائيّة. وبهذا تختلف أيضًا دار الأوبرا السلطانية في مسقط عن منافستيها في دمشق والقاهرة، اللتين ترميان إلى تدريب الفنانين من مصر وسوريا وإلى الترويج لهم، وذلك كهدفين أساسيين في مهمّتيهما. المثال على هذا يأتي من الإنتاج الذي حُقّق في تمّوز (يوليو( 2011 لنسخة عربيّة من عرض Oliver! في دار الأوبرا في دمشق والذي استعان بأيتام سوريين ليمثّلوا في الفرقة، أو من الموارد التي خُصصت لإنتاج سلسلة من التسجيلات المهداة إلى "الموسيقيين والمغنيين السوريين"11.

على نحو يختلف عن المثالين القاهري والدمشقي، تعمل دار الأوبرا في مسقط بتعاون وطيد مع مركز كينيدي لفنون العرض في واشنطن، كما يشغل المدير التنفيذي الحالي للدار العُمانيّة، بريت إيغن، وعلى نحو موازٍ، منصب مدير معهد DeVos لإدارة الفنون في مركز كينيدي. ويوضح إيغن أنّه ليس لدى دار الأوبرا في مسقط برامج تدريبية رسمية. وفي حين ستتوفّر صفوف الماجستير، إلا أنّ الأولويّة بالنسبة للدار، على ما يقول إيغن، تبقى في "تقديم الفنّانين، لا في تدريبهم، بالضرورة". هذا وينوه إيغن بقدرة الدار على لعب دور"البوابة إلى العالم، التي تجتذب التقاليد العالميّة كي تُساهم في إحياء دار الأوبرا"12.

لكن إذا كانت دار الأوبرا تُحضر العالم إلى عُمان، فمن يوصِل العُمانيين إلى العالم؟ يتعهّد إعلان صدر حديثاً عن مجلس إدارة دار الأوبرا في مسقط بتنظيم برنامجٍ تدريبي للفنّانين العُمانيين على مدى خمسة أعوام، غير أن التفاصيل لم تُعلن بعد13. هذه المواقف المتباينة، المتعلّقة بدور دار الأوبرا العُمانيّة في رعاية الفنانين العُمانيين، تشير إلى استمرار الجدل حول تلك الأهداف في أوساط الدوائر العليا في إدارة الدار.

منصب السيد إيغن المُعلن هو "رئيس مجلس الإدارة المؤقت"؛ وهو سيعود بعد ذلك إلى مركز كينيدي، ما يعني أنّ الشراكة بين المؤسستين ستبقى قائمة. لذا فإن السؤال المهمّ حول المستقبل القريب والمتوسّط لدار الأوبرا في مسقط يبقى متعلّقًا بقدرتها على استقطاب إداريين دائمين وعدد كاف من الموظّفين المؤهّلين.

لم يمر الموسم الافتتاحي من دون أخطاء. إذ شهدت الدار حالة من التقلّبات الإداريّة المفاجئة في العام 2011، منها مغادرة رئيس مجلس الإدارة السابق في شهر آب، الأمر الذي نتج عنه تكليف السيد إيغان، ثم، أخيرًا، مغادرة المديرة العامة إيمان الهنداوي. أفراد كثر من طاقم العمل الحالي هم من الشبّان المُفعمين بالحماسة، لكن هؤلاء يواجهون بين الحين والآخر إرباكات عدّة خلال عملهم. كما كان الموقع الإلكتروني الرسمي للدار تعرّض إلى الكثير من المشاكل التقنيّة نتج منها عدم انتظام في ظهور الصفحات على الشبكة الإلكترونية الأمر الذي أعاق عمليات بيع تذاكر العروض.

هذه مسائل يمكن حلّها. أمّا المسألة الكبرى فتبقى هناك، كامنة في فكرة إنشاء دار أوبرا مسقط وفي مدى ارتباطها بُعمان بحدّ ذاتها. هل هي مركز عُمانيّ عالمي لفنون العرض، أم أنّها، ببساطة، مجرّد مركز عالمي موجود في عُمان؟ حتّى اللحظة تبدو الدار مُغفِلة هذه المسألة، وموجِهة تركيزها على تأمين برنامج عروض يتضمّن مؤدّين كباراً يقدّمون فنونًا رفيعة المستوى. غير أن المسألة تبقى كامنة في قلب المبنى، غارقة في صمت ثقيل، كمثل أبواق التنين السيراميكيّة المسجونة داخل واجهات تعرضها.

ترجمة ألحان عبود وأماني لازار

 -1السلطان قابوس بن سعيد، "خطاب جلالته في افتتاح الولاية الخامسة لمجلس عُمان، 31 تشرين الأوّل) أوكتوبر“(2011 ، وزارة الإعلام، عُمان، الدخول في 17 تشرين الثاني) نوفمبر (2011، .http://www.omanetom/english/hmsq/hmsq11.asp

 –2أنظر "شركة إدارة مطارات عُمان"، "معلومات عن مطار مسقط الدولي الجديد"، الدخول في 30 كانون الثاني) يناير (2012، .http://www.omanairports.com/seeb_newterminal.asp
 –3
دوفاري غوتشي، "مفتي عُمان يُدين دار الأوبرا"،Mideastposts.com: the voices of the Middle East, December 7, 2011, http://mideastposts.com/2011/12/07/omans-grand-mufti-condemns-royal-.opera-house
 –4
راجع مدوّنة دوفاري غوتشي المذكورة أعلاه، وما رافقها من تعليقات.
Archinomy -5
، "مركز فنون العرض في أبو ظبي لزها حديد"، الدخول في 4 كانون الأوّل) ديسمبر (2011
.http://www.archinomy.com/case-studies/295/abu-dhabi-performing-arts-centre-by-zaha-hadid

Architecture Studio -6، "المسرح القومي في البحرين"، الدخول في 4 كانون الأوّل) ديسمبر (2011،
.http://www.architecture-studio.fr/en/projects/bhr1/national_theatre_of_bahrain.html
“–7
دار الأوبرا في دبي لزها حديد"، 6 حزيران) يونيو (2008
.http://www.designboom.com/weblog/cat/9/view/3045/dubai-opera-house-by-zaha-hadid.html
 –8
كريستوفر سيل، "Zaha's Dubai Opera House set to be cancelled," Architect's Journal, April 23, 2009,http://www.architectsjournal.co.uk/news/daily-news/-zahas-dubai-opera-house-set-to-be-cancelled/5200881.article.
 –9
راجع جوزيف م. سيري،
Wright's Baghdad Opera House and Gammage Auditorium: In Search of Regional Modernity," .The Art Bulletin 87, no.2 (June 2005): 265-311, http://www.jstor.org/stable/25067172

 –10راجع مقابلة إيما ويليامز مع ماخار فازييف، مدير فرقة تياترو ألا سكالا للباليه، في "Tragic Romance comes to Oman," theweek, November 16, 2011 http://www.theweek.co.om/disCon.aspx?Cval=5781.
 –11
راجع ناديا مهنّا، "Damascus Opera House on [sic] Limelight," Daily Press News, Opera House, "Releases," accessed January 4, 2012,
http://www.dpnews.com/en/detailspx?articleid=83883;Damascus http://www.damascusopera.com/en/releases-en
.
 –12
بريت إيغان، مقابلة عبر الهاتف أجرتها كاثرين هينيسي، 24 تشرين الثاني) نوفمبر .(2011
 –13
سونيل فاييدا، "Royal Opera House Lowers Ticket Prices," Gulf News, December 27, 2011
http://gulfnews.com/news/gulf/oman/royal-opera-house-lowers-ticket-prices-1.957636
.

 

مبنى دار الأوبرا في مسقط. حقوق الصورة لدار الأوبرا في مسقط.
مبنى دار الأوبرا في مسقط. حقوق الصورة لدار الأوبرا في مسقط.
مبنى دار الأوبرا في مسقط. حقوق الصورة لدار الأوبرا في مسقط.
لطلب العدد الأوّل من البوابة التاسعة يرجى مراسلتنا على order@portal9journal.org ، مع اسم صاحب العلاقة وعنوانه البريدي ورقم هاتفه، وسيقوم أحد أعضاء فريق عملنا بالإجابة والتعاون.
المعلومات المطلوبة
    


شكراً لإرسال طلبكم للبوابة التاسعة