العدد 1 المتخّيل، خريف 2012
مراجعات ونقد
بلا عنوان (بينالي اسطنبول الثاني عشر)
في السنوات القليلة الماضية ضربت موجة عداء بالغة سوقَ نشر المطبوعات، هذا الذي كان على الدوام سوقًا محفوفًا بالمخاطر. فإلى تراجع الطباعة وتبعثر أسواقها، واجهت هذه الصناعة تحدّيات متزايدة تمثّلت باحتكار التوزيع والمنافسة المتعاظمة من أصحاب المنشورات الحرّة والقراصنة وفي ازدياد تكاليف الانتشار الواسع، كما في الضبابيّة المزمنة المتعلّقة باستخدام التقنيات الجديدة.
عن المؤلّف
سام ثورن، محرّر في مجلّة فريز frieze. يعيش في لندن، بريطانيا.
العدد الحالي
الغابة، خريف 2014
المقالات
المراجعات


أطلب الآن
أرشيف
جميع المقالات
جميع المراجعات
أعداد سابقة
السَّاحة
سرد: كتابات عربيّة وروسيّة معاصرة
المتخّيل
1 2 3 4 5 6 

جوديت باري فنانة أميركيّة تستخدم الميديا (وسائل الإعلام) لتناول المجتمع ولتقديمه وإعادة تقديمه – بأفراده وأحواله وبُناه. في عملها "الأوّل والثالث" (1987) عالجت موضوع الهجرة والعلاقات بين الأعراق على نحو نقدي، وفكّكت الهيمنة الرأسماليّة والثقافيّة في عدّة أعمال فيديو كمثل "المتسوّق العرضي" (1981)، كما عالجت في عملها الأخير "حكايا القاهرة" (2011) القضايا السجاليّة التي تنشغل بها دراسات الترجمة.

إثر تخرّجها بشهادة في الهندسة المعماريّة، وما نتج عن ذلك من علاقة خاصّة بالفن والتكنولوجيا، عملت باري على بلورة هويّتها كفنّانة وكاتبة في نيويورك في وقت كانت فيه سجالات ما بعد الحداثة قد أطلّت برأسها. وقد عملت كمساعدة في محترف قديس وشفيع فنون الفيديو نام جوون بايك وطوّرت عمّلها إلى جانب فنانين معاصرين لها أمثال سيندي شيرمان وجيني هولزر وهانس هاكي وكريستوف ووديتشكو. عمل باري، غير المعروف على نحو كاف في الشرق الأوسط مقارنة بأعمال أقرانها من الفنانين الأميركيين، طفى أخيراً على سطح الوعي العام والفضل يعود لـ"حكايا القاهرة"، الذي عرض للمرّة الأولى في بينالي الشارقة 2011.

يتمحور المشروع حول حكايا شخصيّة قُدمت سماعياً وبصريّاً من قبل بطلاتها وهنّ مجموعة من نساء القاهرة، ثمّ جرى تسجيل هذه الحكايا ومنتجتها وأداؤها من خلال ممثّلين. المشروع يُعدّ تكملة لسلسلة أعمال حققتها جوديت باري حملت عنوان "لم تتمّ المصالحة" وكان أوّلها "الأوّل والثالث" الذي عرض في عام 1987 ضمن بينالي ويتني. العمل الأخير استخدم صيغة "كما حُكي لفلان" القصصيّة كي يستعرض أفكاراً تتناول الحلم الأميركيٍ بالنسبة لمهاجرين حلّو حديثاً في الولايات المتّحدة، وذلك في وقت ندر فيه حضور صوت الأقليات العرقيّة في متحف ويتني للفن الأميركي. في عام 1991 وأمام ركاب النقل المشترك اللندنيين، المنتظرين عربات الميترو في محطّة هامرسميث، عُرض الفصل الثاني من "لم تتمّ المصالحة". وهنا، في هذا المكان، من خلال نوافذ أحد أكشاك منصّة الميترو، روت مجموعة كبيرة من الرؤوس التي بلا أجسادها، عبر صيغة "كما حُكي لفلان"، قصص الاقتلاع والفصل العنصري. وقد حيكت على نحو حاذق الموضوعات المترابطة التي تجمع هذه الأعمال – سرديات التواريخ المحجوبة وغير المرويّة وأخبارها – في قلب النسيج المكوّن لآخر قطعة حققتها باري.

حكايا القاهرة التي تشكّل أيضاً جزءاً من "لم تتمّ المصالحة"، بدأت على نحو غير رسمي في عام 2001 وبلغت خلاصتها في ربيع العام 2011. في تجهيزها الأوّلي الذي قدّم في الشارقة قدّمت هذه الحكايا على شكل رؤوس متحدّثة تتداخل على شاشات كبيرة في أمكنة عامّة. السياق الذي تموضع فيه باري عملها، على ما تؤكّد، يرتبط برغبة في إنتاج معنى أو بنائه. فهي مشغولة بالعلاقة بين المتلقي والعمل حيث يمكن للأوّل بناء تلك العلاقة من خلال تفاعله مع ما يشاهد. هذه الموضوعة يمكن تعقّبها على مدى تجربة الفنانة، كما هو الحال في تجهيزها الذي نفّذته عام 1985 بعنوان "في ظلال مدينة فامب ر ي". في العمل المذكور تستخدم باري شاشة تعرض من الجهتين كي تخلق عملاً بصريّاً متشظّياً للفضاءين المدينيّ والضواحوي. عبر إقحام مقطوعة صوتيّة مفكّكة مع فواصل أفلام تلا تني تُعاد وعروض شرائح للموضوعات التي اختارتها باري، تبيّن الفنانة أن كلّ موضوع تمّت موضعته على نحو تلقائي كوسيط فاعل وكغرض أمام المشاهد الكلّي الاستهلاك.

هذا التفصيل الدقيق يبدو واضحاً في كلّ تجهيز من تجهيزات الفنّانة. كما أن باري تعتاد على إعادة تشكيل تجهيزاتها بحسب الموقع الذي يستضيفها. ففي العرض الأوروبيّ الأوّل لحكايا القاهرة في غاليري كارين ساكس بمدينة ميونيخ، قدّمت الحكايا الخاصّة للشخصيّات على شاشات تلفزة أتش دي حيث دمجت في هذه الأخيرة على نسق عمودي ووفاقاً لنظام الإعادة المستمر. سُردت كل واحدة من الحكايا على لسان ممثّلة وقدّم معظمها بمزيج من اللهجة القاهريّة للغتين العربيّة والإنكليزيّة، وذلك إلى جانب صورة بورتريه تطابق الحجم الطبيعي للمؤدّية. الدمج بين الصور الثابتة والمتحرّكة أثار أسئلة ذات صلة حول سياسات صنع الصورة المعاصرة. فكلّ واحدة من حكايا الأفراد المقدّمة كانت تنتهي بخفوت تدريجيّ في "لا مكان" كهفيّ مظلم. والأمر عزّز في الجمهور إحساس الارتباك تجاه الزمن. تبدأ كلّ حكاية بمشهد ظلام لنحو ثلاثين ثانية، ثمّ تتشكّل ببطء كي تغدو صورة، وجهاً، قبل إلقاء كل واحدة من المرويّات. وتبدأ كلّ واحدة من صور الفيديو الثابتة بالتداخل على نحو ضبابي وانسيابي متزامنة مع الصورة الفوتوغرافيّة المجاورة لها. فيصل المشاهد إلى الاعتقاد بأن نمطيّ التصوير المقدّمين هما ثابتان في الفضاء والزمن، إلى أن تبدأ إحدى النساء بالتحدّث إلى المشاهد.

خيار الاستعانة بممثّلين في عملها هذا لم يكن بالنسبة لباري مجرّد خيار براغماتي. بل أنّه وسيلة تستخدمها لتبيان سياسات صناعة الصورة الراهنة. متى تعمل "الصورة" على تقديم "حقيقة مطلقة"؟ هل ينبغي من صورة "صادقة" أن تكون برّاقة و"استعراضيّة"، أم ينبغي حصر وظيفتها في إطار تحدّده حرفة التوثيق؟ في حكايا القاهرة جمعت باري أكثر من مئتي قصّة، وقامت بمنتجتها ووضع سيناريواتها بمعاونة فريق من المترجمين والممثلين المحترفين الذين يجيدون اللغة العربيّة. والعمليّة قادت الفنّانة إلى دمج التقنيات التي تتطلّبها المادة الخياليّة الروائيّة بتقنيّات المادّة التوثيقيّة، متبنّية طريقة التعليق على الطبيعة الوسيطة لما يقدّم من قضايا الشرق الأوسط المعاصرة. وباري، بالأسلوب عينه، لا تسمح لهذه الرغبة في أن تبقى "صادقة" فتعرّي المشروع من مزاياه الأكثر مسرحيّة. هي تدرك بالتأكيد أنّ الإظهار الأمثل للحياة اليوميّة المضاعفة يأتي من خلال الأداء ذي البنية الدراميّة، وهذا واضح من خلال المونتاج الذي أجري على المونولوغات المركّبة والمتزامنة لكلّ من الشخصيات. والأسلوب هذا ليس غريباً على نحو كلّي. فالفنان البولوني – الكندي المعروف كريستوف ووديتشكو كان قد صمّم أسلوباً مبتكراً يعتمد على تحويل المرويات الصادرة من الوعي الاجتماعي الحرفي إلى تجارب ملحميّة أنتجت كمادة سمعيّة بصريّة.

إلى هذا تبقى القيمة المذهلة لحكايا القاهرة كامنة في الكيفيّة التي تمكّنت الفنانة عبرها من تجميع كمّاً متباعداً من المرويات وتحويله إلى تجربة حكائيّة متعدّدة اللغات وتتميّز بالتماسك والحميميّة. في واحد من المقاطع الأكثر حزناً، فإنّ المترجمة التي تُدعى منى، المولودة في باريس والتي تعيش في مكان ما من القاهرة، تنوح أمام أعيننا مستعيدة واقعة هجرها من قبل زوجها وأبنائها على حدّ سواء. مع اقتراب مونولغها من نهايته تبدأ بالإنهيار، "ابنتي التي تقول أنني اسلفتها ثقتي وهي لمّا تزل في عمر صغير، تقول أيضاً أنّ ليس لها أمّاً، رغم أنني صديقتها الأقرب". دموعها تبدأ على نحو تدريجيّ بالفوران لونيّاً قبل تبدّدها رويداً في لوحة باري المعتمة. وفي هذه اللحظات تتبدّا عزلتها المطلقة على نحو جليّ، "لست مترجمة جيّدة بالنسبة لابني أيضاً على ما أعتقد"، تقول لنا. "هو يعيش معي في البيت لكنّه كوالده، لا يكلّمني".

في القصّة الأخيرة من... حكايا القاهرة، تخبرنا ندين، الشابّة الحامل، عن الانتفاضة في ميدان التحرير في القاهرة في الأيام الأولى من الثورة المصريّة عام 2011. تبدو متحمّسة، تتخيّل لابنها الذي لم يولد بعد مستقبلاً تحرّر من أيدي الطغاة. تخبرنا "عندما أجول في الميدان أسمع بعض الأحاديث، وأسمع صوت رجل يدعى عبدالله، أسمعه يقول: أحلامي تذهب أبعد ممّا قد تراه عيناي". حكايتها تنتهي على نحو تنبّؤي عندما تروي ندين "الأمر مضحك لأنّ لا أحد يريد الاستسلام ولو للحظة واحدة قد تكون فكرة المواجهة فيها بلغت حدّ الاشباع. ونعم، قد نكون مرهقين، لكن عندما يأتي الصباح فإننا سنتنشّق الحرّيّة".

تشير باري أن هذه الحكايا طفت فوق صفحة وعيها في عام 2001 عندما كانت تمثّل الولايات المتّحدة في بينالي القاهرة. خلال زيارتها اكتشفت الفنانة أن العديد من النساء قد يبحن لها بقصصهنّ الشخصيّة – ربّما لأنّها، على ما تقول، "أجنبيّة" فيمكن لهنّ الحديث معي بحرّيّة أكبر ممّا قد يفعلنه مع شخص أقرب منهنّ ثقافيّاً". وعندما طلب منها فيما بعد سكوت بايلي في غاليري الجامعة الأميركيّة في القاهرة أن تعمل على تحقيق مشروع، عادت باري إلى تلك القصص المبكرة وشرعت في بناء مادة أرشيفيّة تشمل طبقات متعدّدة في الحياة القاهريّة. من خلال العرض الذي يقدّمه هذا الأرشيف وعبر تنوّع شخصيّاته فإنّه يفصح عن المرأة العاملة المصريّة كمعيلة قادرة لعائلتها. في جهة الطيف المعاكسة، نجد الطبقة النخبويّة العليا معزولة بين هويّتين، الهويّة المحلّيّة وهويّة الشتات.

مشروع باري هذا واجه صعوبات زمنيّة عدّة، إحداها كان بداية اجتياح العراق عام 2003، وقد وجدت الفنانة نفسها تُجلى عن القاهرة من قبل القوات الأميركيّة. كنتيجة لذلك كان على عمليّة التصوير التي شرعت بها أن تنتقل إلى نيويورك من خلال المنشق الأوّل الذي قاد إلى الثورة المصريّة عام 2011.

عندما تلامس الفنون البصريّة القضايا المعاصرة من هذا القرب الشديد، فإن احتمالاً متأصّلاً يطرح إذّاك عنوانه مدى تخصّصها (أو لا تخصّصها). رُبّ شكّاك قد يسأل: عدسة من تُشهدنا على هذا العالم؟ لكنّ... حكايا القاهرة تتجاوز هموم باري الفنّيّة. من جهة فإن حركة باري الأكثر جرأة كانت في خلق التركيب الذي من خلاله تُعرض هذه الصور وترتّب، تاركة إيّاها تنوجد في هذا العالم فيمكنها إذّاك أن تتلاعب في حسّ التفسير الداخلي لدى كلّ مشاهد... حكايا القاهرة تستكشف نزعة الذاتيّة في التاريخ – بناؤها وعرضها والنحو الذي تتّصل معه طبقاتها المتعدّدة بزمن ومكان محدّدين. كلّ حكاية قائمة بذاتها هي مركّب للغز أكبر: من خلال تعدّديّة تقديمها هذه الحكايا لا تمنح صوتاً للنساء القاهريات وحسب بل للأفراد الذين يتمسّكون بهويّتهم ويصارعون من أجلها في كلّ مكان من العالم.

... حكايا القاهرة هو أكثر من مجرّد قطعة من عمل المسرح التوثيقي والكلامي، رغم ما قد يزعم من مجاز مشترك يتمثّل بفعل القص. بل انه اختبار قائم على بحث يضع خارطة للهرميّة الإيديولوجيّة والسياسيّة التي تُحيط بحيوات النساء في الشرق الأوسط، على النحوين المباشر وغير المباشر. إنّه مسعى لبناء السرد وتكوينه من الشذرات، قصّة سيّالة ذات شكل متبدّل تُروى أمام الأبواب ومن خلفها على حدّ سواء. بلغة الشارع ولهجته – بأصوات باعة الأرصفة، أصحاب محال الشاي، والجوّالين بين الأمكنة، هؤلاء الذين يكوّنون باجتماعهم النسيج الاجتماعي للقاهرة – فإن حكايا القاهرة تستعرض مدى قدرة الحكايا التي نتداولها فيما بيننا على مساعدتنا في تعريف ما هو شخصي وما هو موضوعي في التاريخ. "إذ أن القصص التي يرويها بعضنا لبعضنا الآخر"، تقول باري، "تنعكس علينا بدقّة أكبر مما تنعكس على حقائق عيشنا".

ترجمة فادي طفيلي

دورا مورير، سبعة التواءات، 1979، 23x23 .سم، حفر على الفضّة. حقوق الصورة لغاليري فينتيج، بودابست
دورا مورير، سبعة التواءات، 1979، 23x23 .سم، حفر على الفضّة. حقوق الصورة لغاليري فينتيج، بودابست
دورا مورير، سبعة التواءات، 1979، 23x23 .سم، حفر على الفضّة. حقوق الصورة لغاليري فينتيج، بودابست
cialis.com coupon read coupons cialis
دورا مورير، سبعة التواءات، 1979، 23x23 .سم، حفر على الفضّة. حقوق الصورة لغاليري فينتيج، بودابست
دورا مورير، سبعة التواءات، 1979، 23x23 .سم، حفر على الفضّة. حقوق الصورة لغاليري فينتيج، بودابست
دورا مورير، سبعة التواءات، 1979، 23x23 .سم، حفر على الفضّة. حقوق الصورة لغاليري فينتيج، بودابست
لطلب العدد الأوّل من البوابة التاسعة يرجى مراسلتنا على order@portal9journal.org ، مع اسم صاحب العلاقة وعنوانه البريدي ورقم هاتفه، وسيقوم أحد أعضاء فريق عملنا بالإجابة والتعاون.
المعلومات المطلوبة
    


شكراً لإرسال طلبكم للبوابة التاسعة