العدد 1 المتخّيل، خريف 2012
مراجعات ونقد
مسرح بيروت لحنان الحاج علي
لقارئ كتاب "تياتر بيروت" لحنان الحاج علي، الصادر عن دار "أمار"، أن يلاحظ أن فضاء المسرح الكائن في عين المريسة كان أكثر من مرآة لتحولات مدينة بيروت التي عرفت أطواراً عدة وفضاءات كثيرة متناقضة ومتضادة أحياناً. المسرح الذي دشّن ما عُرف بالمسارح الدائمة في الستينات من القرن الماضي وتميَّز بكونه أول مكان يصمم خصيصاً للعروض المسرحية في لبنان، شهد على مدى أربعة عقود مخاض أهم التجارب التي منحت المسرح اللبناني المعاصر معظم ملامحه وخصائصه.
عن المؤلّف
محمّد الحجيري، كاتب وصحافي لبناني. صدر له "منامات هيفا" (دار النهضة، بيروت، 2009)، وسيصدر له قريبًا "الرقص الشرقي والسياسة" ورواية "سأم بيروت".
مقالات ذات صلة
صنعاء ساحة مفتوحة
مؤسسة التوثيق والبحث في الموسيقى العربيّة
العدد الحالي
الغابة، خريف 2014
المقالات
المراجعات


أطلب الآن
أرشيف
جميع المقالات
جميع المراجعات
أعداد سابقة
السَّاحة
سرد: كتابات عربيّة وروسيّة معاصرة
المتخّيل
1 2 3 

لقارئ كتاب "تياتر بيروت" لحنان الحاج علي، الصادر عن دار "أمار"، أن يلاحظ أن فضاء المسرح الكائن في عين المريسة كان أكثر من مرآة لتحولات مدينة بيروت التي عرفت أطواراً عدة وفضاءات كثيرة متناقضة ومتضادة أحياناً. المسرح الذي دشّن ما عُرف بالمسارح الدائمة في الستينات من القرن الماضي وتميَّز بكونه أول مكان يصمم خصيصاً للعروض المسرحية في لبنان، شهد على مدى أربعة عقود مخاض أهم التجارب التي منحت المسرح اللبناني المعاصر معظم ملامحه وخصائصه.

يتقصى "تياتر بيروت" أطوار المسرح وملامح مدينة هي بيروت، في "أوان زهوها بدور الجسر بين ثقافات مختلفة الموارد والمصادر وبدور المختبر لتجديد الأنواع الثقافية العربية وبدور الواحة لحريات المبدعين العرب، ثم في أوان محنتها المدمّرة الوثيقة الوشائج بهذا كله ثم في أوان قيامتها المتعثّرة التي لا يندر أن تبدو متعذّرة لشدّة ما تستثيره من عنف ظاهر ومضمر وما ينصب في وجهها أو تنصبه في وجه نفسها من عقبات" (أحمد بيضون، مقدّمة الكتاب).

احتضن مسرح بيروت منذ إنشائه سنة 1965 تجارب عبّرت عن الحيز المشهدي العام، وتأرجح مساره بين كونه مسرحاً كلاسيكياً للعرض والإنتاج المسرحي، وبين كونه حاضنة لأعمال مسرحية جذرية ومشاريع ثقافية جعلته على علاقة حية مع الحراك الثقافي الذي يعتمل في مدينة بيروت: تتفاعل التجارب داخله، تخرج منه أو تدخل إلى رحابه بعلاقة جدلية تفاعلية أو تصادمية، تحمل هموماً أو تطرح تساؤلات تصبّ في المسرح كمكان، أو تتعداه إلى أنواع فنية وأماكن أخرى.

أساس المكان الذي يوجد فيه مسرح بيروت هو مرآب في مبنى يملكه ورثة أرسلان سنو، وقد تحول إلى سينما للحي (سينما هيلتون) ثم إلى نادٍ للسينما في مطلع الستينات. عندما شُرع في تحويله إلى أول مسرح دائم، لم يجتمع المالكون والفنانون على الرغبة والحماسة فحسب، بل تعدوهما الى الحرص على بناء فضاء مسرحي يتمتع بمواصفات هندسية تلبي حاجات العاملين في الحقل المسرحي. كانت علاقة مسرح بيروت وجمهوره بمحيطه علاقة متوجسة في البداية، كل على مسافة من الآخر، المسرح له حدوده والشارع له حدوده. كان المسرح في البداية موجهاً الى جمهور "نخبوي" إلى حد ما، لكن نوعية نشاط المسرح وتقارب العاملين فيه مما سمي "قضايا الشارع" استطاعت، مع الوقت، كسر حائط الجليد هذا، خصوصاً على مستوى بعض العلاقات الفردية في البداية، ثم إن هزيمة حرب 1967 بين العرب وإسرائيل وما تلاها، جعلت المسرحيين الذين انخرطوا في هموم الناس ينقلون صرخات الاحتجاج إلى المسرح.

تورد المؤلفة في كتابها حادثتين معبرتين عن هذا التقارب، أولهما استقالة عبد الناصر بعد هزيمة 1967، إذ هرع الممثلون آنذاك من المسرح إلى الشارع وقد اعترتهم الصدمة، لسماع خطاب الاستقالة عبر الأثير وانضموا إلى المتجمهرين حول مذياع داخل دكان مجاور. أما الحادثة الأخرى فحصلت في كانون الأول (ديسمبر) 1969 عندما قصف الطيران الإسرائيلي مطار بيروت، وحدا صوت القصف الجمهور الذي كان حينها في المسرح، على الخروج إلى الشارع والانضمام إلى المتظاهرين. على أن الحادثة الأبرز التي ترد في مكان آخر من الكتاب هي عرض مسرحية "مجدلون" المثال النموذجي الذي يلقي الضوء على تحولات وتداخلات الفضاءين الاجتماعي والسياسي والمسرحي. ففيها عرض للمرة الأولى سلاح "الفدائي" (الفلسطيني) على المسرح وأحدث ضجة بسبب الرقابة، على أن ظهور هذا السلاح لا ينبغي فصله عن الواقع الاحترابي الذي حلّ بلبنان آنذاك، فقد تزامن عرض المسرحية في العام الذي جرى فيه تشريع حمل سلاح "المقاومة الفلسطينية" في لبنان بعد اتفاق القاهرة العام 1969 وتحويل الجنوب اللبناني إلى "فتح لاند".

ثمة مقولة للمهندسَين اللبنانيين رنا حداد وبيار حاج بطرس، اللذين قابلتهما المؤلّفة، تعتبر أن "ثلاثة مهندسين سينوغرافيين شكلوا فضاء "مسرح بيروت" خلال الحرب: "الأحزاب واحتفالات عاشوراء ومسرح الحكواتي". مع بداية الحرب اختار سعيد سنو، أحد مالكي مسرح بيروت الأساسيين، الإقامة في مكان أكثر أمناً في منطقة النقاش (شرق بيروت) فاقداً الصلة مع عقاره في عين المريسة (غرب بيروت)، وشهدت الأحياء المحيطة بالمسرح تحولات ديموغرافية. أناس يهجرون بيوتهم وآخرون يتوافدون مهجرين من مناطق أخرى، وسيطرت الميليشيات على أحياء المدينة وراجت موجة الأمن الذاتي، وسرعان ما أضحى مسرح بيروت، على الرغم من تآكله بفعل الإهمال، فضاء منتظماً في وتيرة العيش الدائرة في مظلة الأحزاب "الوطنية" من خلال لجان الحي التي تتشكل من ممثلين من السكان، وفي جزء منها من شباب الحي الحزبيين أنفسهم. هذا ما جعل الحفاظ على المسرح في الأعوام الأولى من الحرب يخدم البيئة الأهليّة للحي والتنظيمات الحزبيّة في آن. فكانوا يحاضرون فيه، ويقيمون فيه الاحتفالات ويخطبون من على منبره، ويتداولون، ويختفلون، ويستذكرون. وقد انتفى هذا الدور مع سيادة قوات الردع السورية على المشهد الأمني اللبناني، إذ راحت ترابط هذه القوات منذ أواسط الثمانينات في المبنى المجاور للمسرح. ولم تخل أعوام الحرب من موجات نوستالجية تحاول استرجاع مسرح ما قبل الحرب، في وقت اتُهم روجيه عساف (أحد رموز المسرح اللبناني) من خلال تجربة "الحكواتي" بالتماهي مع الواقع السائد، خصوصاً بعد إشهاره إسلامه وتحوله من تبني نضالات جنوب لبنان ضد الاحتلال الإسرائيلي إلى إبراز شعارات حركة "أمل" في فيلمه "معركة".

بحسب الحاج علي، ترافق انكفاء تجربة "الحكواتي" مع انكفاء مشروع دولة المواطن وانزلاق الحرب اللبنانية شيئاً فشيئاً من "الحالة الثورية" إلى التناحر الميليشاوي، ومعه تحول مسرح بيروت من كونه أحياناً فضاء متعدداً وجزءاً من فضاء "المدينة المتمردة" العام، إلى فضاء منغلق، فضاء إمّا مدجن وإما خاضع وإما معطل يخضع للسلطة الجديدة المتمثلة في "القبضايات الجدد" أو ميليشيا الأحزاب الآخذة بناصية قوة السلاح... ولم تكن الحرب حرباً مدمرة فحسب، بل ألهمت تجارب عدة في حينها امتداداً إلى الحاضر. إذ مثّلت الحرب تركة كبرى تركت وارثيها في ذهول، لكنها سرعان ما أذكت لدى فنانين من جيل ما بعد الحرب خصوصاً، حمى البحث والتساؤل والنبش بالحاضر وبالذاكرة، وأعادت النظر في المسلمات وفي وظيفة الفن وأدواته وخطابه، بالإضافة إلى حرب الذاكرات. كذلك شهد المسرح بعد نهاية الحرب تجارب ثقافية كانت تعبيراً عن فضاءات متقاربة ومختفلة، من تجربة جمعية "فنون" ولاحقاً تجربة جمعية "شمس"، وذاع صيته كفضاء ثقافي بديل ومستقل، لكن قيامة المدينة بقيت "متعذرة"، ولم ينج المسرح من تهديدات أصحاب النفوذ السياسي - الأمني في بيروت أواخر التسعينات، خصوصاً حين أعلن أنه سيستضيف بعض المثقفين اليهود في الذكرى الخمسين للنكبة الفلسطينيّة عام 1948.

تعتبر حنان الحاج علي أنه إذا كانت الأزمات التي عصفت ببيروت قد مزقت أوصالها وقادتها إلى التآكل والضمور حرباً أو سلماً، فإن محاولات "رتق" الفضاء المسرحي لمسرح بيروت، وتوزيعه ونشره على الخشبة نفسها أو داخل الصالة المسرحية أو خارجها، عبّرت حيناً عن حيوية متجددة في التواصل بين الممارسة المسرحية والجمهور. وحاولت أحياناً أخرى رتق أو تفعيل العلاقة بين الفن والسياسة، بين الفضاء المسرحي والفضاء الاجتماعي، أي بين المسرح والمدينة. لذلك لا يعود التوقف القسري للمسرح أو إقفاله معبِّرَين عن تراجعه أو موته، وإنما عن تحجّمه في حيز الفعل المديني وانبعاثه في حيوات متعددة وفي مطارح متنوعة ومتفرّقة من المدينة.

لا تبدو حال محيط مسرح بيروت على ثبات، فهو في منطقة دائمة التحوّل، لا شيء فيها يبقى على حاله شأنه في ذلك شأن مدينة بيروت كلها. يبدو المسرح شاهداً على تراكم ثقافات وأنماط عيش وذاكرات وعمارات، إذ يجاور المسجد القديم وتمثال عبد الناصر "العروبي" الذي انتصب خلال الحرب وشعارات ميليشيا حركة "أمل" والفنادق الفخمة وبيت الحرفي اللبناني والجامعة الأميركية و"الماكدونالذر". لكن يبدو أن الظاهرة الجديدة في محيط المسرح هي استنساخ "بناية الأحلام"، تلك العمارة الضخمة القريبة منه التي باتت نموذجاً صلفاً قبالة الكورنيش البحري، حيث العمارات الثقيلة ترتفع وتحجب بيروت خلفها وتجعل الكورنيش تحت ظلها الوارف.

يبدو محيط مسرح بيروت في أيّامه المرتقبة بنايات أحلام تضج بالصلافة الأسمنتية في مقابل كورنيش البحر، ذلك الفضاء المفتوح لكن "المغلق" أهلياً بفعل انبعاث عصبيّات النزاع الأهلي بين الأحياء البيروتيّة منذ عام 2005. الأمر يزامن اعتراف العديد من صنّاع المسرح في لبنان بأن جمهورهم يتضاءل ويبحث عن فنون أخرى تواكب طموحاته وأحلامه.

.غلاف كتاب 'تياتر بيروت'.تصوير داليا خميسي
.صفحات داخليّة من الكتاب. تصوير داليا خميسي
لطلب العدد الأوّل من البوابة التاسعة يرجى مراسلتنا على order@portal9journal.org ، مع اسم صاحب العلاقة وعنوانه البريدي ورقم هاتفه، وسيقوم أحد أعضاء فريق عملنا بالإجابة والتعاون.
المعلومات المطلوبة
    


شكراً لإرسال طلبكم للبوابة التاسعة