العدد 1 المتخّيل، خريف 2012
مراجعات ونقد
"قبل اليوم" لـ آريل بينك
1 2 3 4 5 6 7 8 9 

جادة "صن سيت بوليفار" هي الشارع الأيقوني الممتد أربعة أميال والملتوي كأفعوان عبر بعض أنحاء غرب لوس أنجيليس حيث الأحياء الفخمة المخصّصة لسكن الفئات الأكثر ثراء. عند صن سيت 8300 يقوم الفندق المزهو الأنيق، "ذا ستاندارد". خلف كونتوار الاستقبال، تمامًا فوق رأسي موظفي الاستقبال الجالسين، ثمّة واجهة زجاجيّة مثبّتة في الجدار. داخل الصندوق الزجاجي تستلقي فتاة بثيابها الداخليّة. المدعوون والزوار العابرون ببهو الاستقبال المتقشّف بوسعهم مشاهدة الفتاة في الصندوق وهي مستلقية تجري محادثة في هاتفها الخلوي، أو تجول في شبكة الإنترنت. وإن كانت جرأتك كافية للسؤال عن هدف التجهيز، فسيأتيك الجواب بأنّه قطعة من فنون الأداء، لا بعد نقديًّا له ولا أجندة ما بعد نسويّة، ولا ارتباط رمزياً بتاريخ فنون الأداء. إنها مجرّد فتاة بثيابها الداخلية، في صندوق من زجاج.

نِسخ كثيرة من لوس أنجيليس تُستعرض هنا وهناك في أنحاء المدينة. فندق "ذا ستاندارد"، بقطعة "فن الأداء" السطحية هذه التي يعرضها، مثقلة بالأهداف الثقافية والفنّية المعاصرة للشركة الذي تملكه، يشكّل جزءًا من مشهد المدينة المتخفّف. ثمّ – وبمجرّد استعراض ما يطفو على السطح – يظهر لنا الصبية الهسبان في مناطق شرق المدينة، وتظهر متاجر الكوريين ومطاعمهم في "كوريا تاون" وساحات الوغى حيث تتصارع العصابات الأسطوريّة في "كومبتونز كريبس". وعلى النحو الذي يندر فيه استرشاد أبناء المدينة بالخرائط السياحيّة خلال تنقّلهم الدائم في شوارع مدينتهم، سيندر أيضًا توجّه أبناء كلّ واحدة من الجماعات للتجوال بين بيوت وأمكنة جماعة أخرى. لكن بوسع زوّار المدينة أن يفعلوا ذلك. السيّارة هي كل ما يلزم. "LA"، أكثر من أيّ مدينة أخرى، مصمّمة في الأصل لتكون حاضرة سيّارات. ومع الانطلاق السريع عبرها، تبدو المشاهد البانوراميّة المتناقضة في الثقافة والأعراق والاقتصاد والعمارة – إلى جانب مواقع كثيرة صُوّرت في مئات من الأفلام السينمائيّة والبرامج التلفزيونيّة الرديئة – وهي تُطوى في شاشة نافذة السيّارة المسرعة، لتلتئم أخيرًا في حالة واحدة تجمعها الواقعيّة القصوى. ومن خلال إطار أضواء النيون في الأمسيات المتوهّجة بالأضواء والنهارات الوامضة بأشعة الشمس، تغدو لوس أنجيليس مثل شريط لا يتوقّف من المشاهد. إنّها المدينة وقد غدت حلمًا سينمائيّا متسلسلًا، متلبّسًا رؤية هوليووديّة خفيفة.

آرييل بينك، مؤلّف موسيقى الـ "lo-fi" القلق، شبيه كورت كوبين بالمظهر والمولع بالماكياج وبارتداء القمصان النسائيّة، هو من أبناء لوس أنجيليس وخريج في معهد كاليفورنيا للفنون. استخدم الفنان موقعه الطيفيّ في مدينته مصدرًا جماليًّا في أعماله. ومنذ أن عرض أسطوانة CD-R حققها العام 2003 على فريق "أنيمال كوليكتيف" (فريق روك اختباري تشكّل في نيويورك العام 2000)، تميّزت إصداراته التسجيليّة بالانغماس التام في أعماق المادة الصوتيّة، فأتت مشبعة بطبقات فحيح شرائط الكاسيت وبالتقطيع الارتجالي وبالنواحي والمؤثرات التخديريّة الانفعاليّة. ومقابل الازدراء الذي ووجهت به أعمال بينك المبكرة من قبل بعض هواة الموسيقى والصحافيين، انبرت مجموعة صغيرة من عشاق الموسيقى الأوفياء إلى مواجهة التيار السائد الذي أساء تقدير إبداع هذه العبقريّة المعذّبة. وذلك استمر حتى صدور ألبوم بينك الرئيسي "بيفور توداي" (Before Today) العام 2010، الذي يُعد أوّل أعماله المسجّلة في الاستديو. محبّو الجاز احتفلوا بالألبوم، واختارت المدوّنة الموسيقيّة الأميركيّة المعروفة، "بيتشفورك" (Pitchfork)، إحدى مقطوعات الألبوم أغنيتها الأولى لذاك العام. هذا وأجمعت المقالات التي نشرت في المجلّات على اعتبار "بيفور توداي" بمثابة خطوة رئيسة إلى الأمام خطاها بينك، وأن نوع الموسيقى التالي لما يعرف بموسيقى ما بعد الحداثة – يُستدل عليه من خلال أسلوبه المنسجم في التأليف، فلا يُنظر إلى تجاور الأنواع المتعدّدة على أنّه توجّه راديكالي، بل إشارة مقبولة توحي بالمعاصرة. هذه الثناءات جميعها استدعاها مضمون موسيقيّ متماسك حواه الألبوم. حيث بدا "بيفور توداي"، ومن دون اضطراره إلى المساومة الفنّيّة، أكثر أعمال آريل بينك إتقانًا صوتيّا، وهو شكّل التعبير الصوتي الأكثر شمولًا للمشهد المدينيّ الحالم الذي يحيا فيه الفنان.

يبدأ الألبوم بمحاكاة سماعيّة للمشاهد المدينيّة المتناسقة في جولة سيارة. مقطوعة "هوت بودي رب" Hot Body Rub، بعنوانها الذي استُلّ بلا شك من واجهة نيون متوهّجة لحمام عمومي في LA، تبدأ بصوت محرّك سيارة تمّت معالجته بتقنيّة تسجيل الستيريو. وتتسلّل أحاديث من جانب الطريق مُنبثقة من أزيزها وهديرها الآخذين بالخفوت، وتلعب الفرقة موسيقى  funk jamالمثيرة في النفس والجسد ما تثيره حبوب الفاليوم المهدّئة. ساكسوفون أبحّ وفاسد يعلو فوق الخليط الموسيقي، ويكرر لعبه مُدخلًا على الأجواء شيئا من الوهج، ومُعبِّرًا في الوقت عينه عن خواء الفضاء الشبحي. ويبرز من هذه المقدّمة اقتراح لكلّ ما سيأتي. جولة بين الأمكنة والمواقع المُنتظرة زوّارها، وهي الأمكنة التي تُستحضر فيما بعد في باقي المقطوعات. أو إنّها جولة سائر في نومه، حيث يبلغ المستمع حدّ الهلوسة أمام مقدّمة الأسماء ورسائل الشكر الاستهلاليّة في برنامج حواري تلفزيوني من أعوام الثمانينات يقدّم في ساعة متأخرة من الليل. الحيلة ذاتها تُستخدم في مطلع "بيفيرلي كيلز" Beverly Kills حيث يعمل صوت اصطدام السيارة وعويل صفّارات الإنذار في سيارات الشرطة على إحالة المستمع إلى قلب مشهدٍ مدينيّ.

على الرغم من ميل بينك إلى القفز عبر الأنواع الموسيقيّة من خلال garage، surf، yacht وروك السبعينات والثمانينات الناعم، فإن محاولة نسب الجمالية الصوتيّة "لبيفور توداي" إلى حقبة محدّدة، تُشير إلى تماشيها مع أنماط راجت بين 1980 و1997. الأجواء الخامدة المشبعة بالفحيح، والتي كأنّها استلت مما تصدره شرائط VHS والكاسيت المبريّة من كثرة الاستخدام والتي شاع استعمالها والتسجيل عليها على نحو مكثّف في تلك الحقبة، تسم مجمل محاولات آرييل بينك الفنّيّة. الكثير من أغنيات "بيفور توداي" يُذكّر بموسيقى تصويريّة لأفلام من الدرجة الثانية. في "فرايت نايت" Fright Night على سبيل المثال، توحي المؤثرات الركيكة لصرير الرياح (معروف عن بينك قدرته على إصدار تلك الأصوات من فمه) وأصوات السينثاسايزر المشوّهة وكأنّها أخذت من فيلم رعب للمراهقين ظهر العام 1985 وحمل الاسم ذاته. "ريفولوشنز إي لاي" Revolutions a Lie، المقطوعة الراقصة التي تستحضر نمط  skate punk في كاليفورنيا، تتناسق مع مجموعة من المقطوعات المشابهة في فيلم السكايترز، "وويلز أون فاير" Wheels on Fire، الذي ظهر العام 1987 وصار من الكلاسيكيات. فيما يمكن للضياع الكابوسي المجنون والجميل في "مينوبوز مان" Menopause Man أن يمثّل الأغنية الرئيسة في واحد من أفلام Troma  المنسيّة عن الجنسانيّة الممسوخة. هذه الحالات من الانحلال الوظيفي والتشوّهات تُعدّ بمثابة مضادات للكمال المفتعل في تسجيلات البوب الحديثة، وهي تُشبع مقطوعات الألبوم بمضامين الكرامة والإنسانيّة.

يراوح الألبوم بين تسجيلات تحاكي الأنماط المذكورة أعلاه وبين نمط  surf rockفي كلّ من L'estat (المعنونة تيمّنًا بـ"كامب فامباير" لـ آن رايس)، و"برايت لِت بلو سكايز" Bright Lit Blue Skies، و"ليتل ويغ" Little Wig. أمّا المقطوعتان الأفضل في التسجيل فهما "راوند أند راوند" Round and Round الهيبنوتيكيّة المحترفة (التي اختارتها "بيتفورك" وآخرون، الأغنية الأفضل لعام 2010) و"كانت هيير ماي آيز" Can't Hear My Eyes، الميلودراما التراجيديّة – الكيتشيّة. في هذين المقطوعتين وبفضل جماليات السماع السهلة، فإننا نتذكّر ألبومي جوني ميتشل، "ذا هيسينغ أوف سامر لونز" The Hissing of Summer Lawns (1975)، وستيلي دان، "غاوتشو" Gaucho (1980)، وهذا ما يعدّ ملامسةً لما يضاد التأليف المركّب واللعب على الكلام السورياليين، اللذين يعتمدهما بينك في العادة. كل شيء مترابط في حالات تحاكي أسلوب كوينسي جونز بالفواصل الصامتة – وبالفعل أنتج صاني ليفين، حفيد جونز، أجزاءً من الألبوم.

عند الاستماع إلى موسيقى آرييل، لا تبدو وسائط الأمس بعيدة. هي حاضرة في عناوين الأغنيات المستعارة من الأفلام والأدب الشعبي. كما أنّها تطفو على متن الأصوات المركّبة التي تستدعي الـ "سوب أوبرا" الأميركيّة مثل "ذا يونغ أند ذا ريستليس" The Young and the Restless، أو"دايز أوف آور لايفز" Days of our Lives. على هذا النحو ينشد بينك رؤية لـ LA باعتبارها مدينة وسيطة تمامًا، مؤلِفًا موسيقاه من موقع مراقبٍ يُوسّط عيشه واختباره المدينة كما تبدو عليه في التلفزيون والأفلام والحكايا والأدب وفي الأعمال الصوتيّة بحدّ ذاتها. لماذا العناء بالواقع حين يكون اللهو في مدينة الأحلام ممكنًا؟ هذا هو لسان حاله.

الأثر الأبلغ لـ"بيفور توداي" يتمثّل في تقديمه إطارًا مفهومًا يمكن لبينك من خلاله تنقية مواد أعيد تسجيلها ووضعها في السياق الراهن. وهو يقدّم وجهات لمستمعيه يشرحها في كاتالوغ (DIY) الألبوم (الذي غالبًا ما يطرح تحدّيًا) الذي يرتاح الجمهور في الحصول عليه. في مواد بينك التي أنتجها من قبل أدّى إهماله العام لفكرة الوفاء النمطي للمادة السمعية  في ألبومات مثل "هاوس أريست" (2006) House Arrest و"دولدرامز" (2004) Doldrums إلى تخطّي أعماله مرافئ الحنين الآمنة نحو ما هو أكثر إقلاقًا للمستمع العادي: موسيقى الغرباء. عدم الوفاء النمطيّ هنا لم يكن خيارًا جماليًا، بل إشارة إلى ذهن مشوّش قلق، يتحرّك بين حافة المجتمع وحدود صناعة التسجيل. أغاني الحب الأميركيّة الساذجة التي غنّاها دانييل جونسون، تكمن في إحدى جهات طيف الألبوم. فيما يكمن الاختلال الذهني الساطع في ألبوم جون فروسيانتي (العضو السابق في Red Hot Chilli Pepper)، الصادر عام 1994 بعنوان Niandra Lades and Usually Just a T-shirt، في الجهة الأخرى.

يعمل بينك وفريقه (Haunted Graffiti) اليوم على إعداد عملين جديدين هما ألبوم بعنوان A Death in Hollywood وفيلم "ذئبي" يحمل عنوانًا مؤقّتًا، Bad Vibes، وذلك بعد فترة تلت "بيفور توداي" لم تشهد سوى إعادة إصدار عملهم الذي حمل عنوان Witchhunt Suite for WWII. هذا العمل الأخير ظهر في الأساس على CD-R وكان حفلاً مباشرًا أقيم العام 2007. فكرته تبلورت بعد هجمات الحادي عشر من أيلول 2001 واستندت على ذلك الحدث، كما بدأ يظهر على اسطوانات مدمّجة بدءًا من عام 2001.  "ويتشنات سويت" الذي يزعم أنّه اتهام سوريالي للإمبرياليّة الأميركيّة، هو عبارة عن مقاطع حيكت بطريقة كولاج سماعي متضمّنة مادة موسيقيّة على نمط prog rock، فتحاكي الموقف السياسي لطالب جامعي شاب ولا تتجاوز بإيحاءاتها أثر لحن حزين تنقصه حذاقة كلّ ما تضمّنه "بيفور توداي".

النتائج الأوسع انتشارًا والبعيدة لألبوم بينك المؤثّر جاءت على نحو مفاجئ من مقطوعة "راوند أند راوند" Round and Round، التي أعيد إنتاجها مما نُسخ عنها، فتحوّلت إلى أغنية مؤلّفة من أربع مقطوعات بعنوان Frontman\Hold On (I'm Calling). في ستديو تسجيل زرته أخيرًا في جنوب لندن أقدم اثنان من المنتجين التجاريين الذين يعملون على إنتاج ألبوم pop للفائز بمسابقة British Idol، ويل يونغ، على سرقة أسلوب الـ bass المتميّز الذي سمعاه في تسجيل "راوند أند راوند. وهما اعترفا  لي بذلك خلال احتسائنا الشاي. المسافة بين أعمال بينك المبكّرة، إذ كان منسحبا إلى غرف النوم ومنفصلا عن المجتمع، وبين الفنان الذي صاره اليوم والذي يسعى العالم التجاري إلى أن يحظى به، تمثّل قفزة عملاقة حققها آرييل بينك بفضل ألبومه "بيفور توداي".    

.تصوير نيلي أشخين سركيسيان
.تصوير نيلي أشخين سركيسيان
.تصوير نيلي أشخين سركيسيان
.تصوير نيلي أشخين سركيسيان
.تصوير نيلي أشخين سركيسيان
.تصوير نيلي أشخين سركيسيان
تصوير نيلي أشخين سركيسيان
.تصوير نيلي أشخين سركيسيان
.تصوير نيلي أشخين سركيسيان
لطلب العدد الأوّل من البوابة التاسعة يرجى مراسلتنا على order@portal9journal.org ، مع اسم صاحب العلاقة وعنوانه البريدي ورقم هاتفه، وسيقوم أحد أعضاء فريق عملنا بالإجابة والتعاون.
المعلومات المطلوبة
    


شكراً لإرسال طلبكم للبوابة التاسعة