العدد 2 السَّاحة، ربيع 2013
مراجعات ونقد
مسحٌ للإمكانيات في البيئة المبنيّة

"العمارة والتمدين المعاصران في الشرق الأوسط"، لمؤلّفه المعماري الأردني محمّد الأسد في مراجعة نقديّة.

عن المؤلّف
دين شارب، مرشّح لنيل شهادة الدكتوراه في الجغرافيا بجامعة The City University of New York. تتركّز أبحاثه في مجال تقاطع الجغرافيا المدينيّة، والعمارة، والانتروبولوجيا، ودراسات الشرق الأوسط. 
مقالات أخرى للمؤلف
التحضّر والانتفاضات العربية: وسط القاهرة وسقوط مبارك
مقالات ذات صلة
صنعاء ساحة مفتوحة
الخدمة السريعة لثورات العرب
العدد الحالي
الغابة، ربيع 2014
المقالات
المراجعات


أطلب الآن
أرشيف
جميع المقالات
جميع المراجعات
أعداد سابقة
السَّاحة
سرد: كتابات عربيّة وروسيّة معاصرة
المتخّيل
غلاف كتاب 'العمارة والتمدين المعاصرين في الشرق الأوسط' لمحمّد الأسد، الناشر (University Press of Florida)

الكتاب: Contemporary Architecture and Urbanism in the Middle East

المؤلّف: محمّد الأسد

الناشر: University Press of Florida

 320صفحة، السعر: 50$ أميركي

يفتتح المعماري والباحث الأردني محمّد الأسد كتابه Contemporary Architecture and Urbanism in the Middle East  (العمارة والتمدين المعاصران في الشرق الأوسط) بإشارة إلى محاولته الفاشلة في أواخر السبعينيات في دراسة أعمال معماريين معاصرين من المنطقة في جامعة أميركيّة. كان الأسد اقترح بحثًا في أعمال المعماري المصري حسن فتحي (1900 – 1989)، لكنّ البروفيسور المشرف على أطروحته لم يزكّي الأمر. فالبروفيسور ذاك لم يعتبر أن فتحي، أو أيّ معماري عربي آخر في السياق، يستحقّ الاهتمام البحثيّ. لكنّ الحال انقلب تمامًا منذ أعوام السبعينيات، وبات المعماريّون في كلّ أنحاء العالم يعتبرون فتحي صاحب حلمٍ ساهم في تأسيس العمارة المحليّة المعاصرة. مشروع فتحي في القرنة الجديدة مثلًا، وهو المجتمع السكني المبنيّة بيوته من طوبات الطين والذي لزّمته الحكومة المصريّة في العام 1946 في الأقصر، حاز منذ ذلك الوقت اهتمامًا نقديًا عالميًا مُرحّبًا. كتاب الأسد الأخير، والذي نشره بعد نحو ثلاثين عامًا من تخرّجه الجامعي، يمثّل احتفاءً بالعمارة العربيّة، ويعكس السياقات التي كان ليختار الاهتمام بها لو أنّه ما زال طالبًا.

يقدّم الكتاب أكثر من مئة مشروع معماري في منطقة الشرق الأوسط، وقد صنّفت هذه المشاريع معًا في أربعة عشر قسمًا. يبدأ الكتاب باسترجاع أصداء طفرتَيْ البناء الرئيستين المتزامنتين مع ارتفاع أسعار النفط والطلب عليه، الأولى في أعوام السبعينيات والثانية مع حلول مطلع الألفيّة الجديدة. ويقدّم الكتاب تاريخًا مصوّرًا للعمارة خلال طفرة البناء الأخيرة (1999 – 2009)، وهو يُميِّز مشاريع البناء الأكثر غنًى بالمصادر في منطقة الشرق الأوسط. ويدرك الأسد أن العمارة لا تنحصر فقط بالمباني، فيضمّن في مُسُوحات كتابه أقسامًا تُعنى بالتمدين، مُركِّزًا على الساحات العامّة، ومشاريع المواصلات، ومخططات التوجيه المدينيّ، ومشاريع المدن الجديدة.

ويشير الأسد إلى أنّ كلّ معماريّ نجم "starchitect"  (أي حائز جائزة بريتزكير للعمارة) قام بتصميم أو بناء مشاريع في الشرق الأوسط: زها حديد، نورمان فوستر، آي. أم. بي، رِم كولهاس، فرانك غيري، وجون نوفيل. وتتضمّن الأقسام الثلاثة الأخيرة من كتاب Contemporary Architecture، المشاريع الأشهر العائدة لمعماريين نجوم: أبراج Porche Design  في دبي التي نفذها the Office for Metropolitan Architecture  وعلى رأسه رِم كولهاس، والمخطّط التوجيهي للواجهة البحريّة في دبيّ لـ OMA  أيضًا وغيره من مكاتب وشركات العمارة العالميّة، إضافة إلى مدينة "مصدر" في أبو ظبي التي صممها نورمان فوستر. هذا وتبقى القيمة الاجتماعيّة والثقافيّة لهذه المشاريع المعماريّة في أكثر الأحيان في موقع مساءلة. إذ أظهرت قيادات المنطقة، على ما يكتب الأسد، حماسة منقطعة النظير في استضافة هؤلاء المعماريين النجوم كي تُظهر هذه القيادات انخراطها في الاقتصاد العالمي. "ما ينتجه العديد من هؤلاء النجوم تحت وطأة الأجواء الاحتفاليّة، ما هو في النهاية سوى حلول غير ناضجة، تبدو وكأنّها خرجت من رتل تجميع في مصنع"، يكتب الأسد.

ويبيّن كتاب Contemporary Architecture كيف أنه في ظلّ مشاريع المعماريين النجوم، يعمل جيل جديد من المعماريين، في المنطقة ومنها، على إنتاج منشآت تتميّز بتصميماتها الاستثنائيّة وبإيحاءاتها الثقافيّة. يتقدّم الكتاب، ابتداءً من مشاريع على مستوى بيوت سكنيّة صغيرة نسبيًّا، فيصل منتهيًا إلى تصاميم مدن كاملة. وبتمييزه المشاريع ذات الأحجام الصغيرة، يُصدّر الأسد الأعمال المهمّة للمعماريين المحليّين. وعلى نحو مغاير لما تضمّنته كتب مصوّرة أخرى تناولت العمارة في المنطقة، كمثل كتاب فيليب دجوديديو Jodidio  بعنوان Architecture in the Emirates, يبذل الأسد في كتابه جهودًا متضافرة لتوجيه الانتباه إلى غير مشاريع المعماريين النجوم، لكن من دون استبعاد مساهمات هؤلاء الكبيرة. ويؤكّد الأسد أن المعماريين المحليين كانوا لا يواربون في تقديم رؤاهم المتطوّرة في تصاميمهم، لكنهم في الوقت عينه، وعلى عكس أعمال النجوم، يقومون باستطلاع "الممارسات المحليّة المعاصرة في صناعة البناء فيقومون بتكييفها بغية تطوير تقنيات وأشكال جديدة في البناء، كما في المصطلحات المعماريّة الجديدة".

يقدّم الفصل الأوّل من الكتاب مشاريع المساكن غير المرتفعة وأعمال هاني إمام الحسيني من الأردن وسيمون قصرملّي من لبنان. مشاريع هذين المعماريين تبيّن كيف يستمر بعض المعماريين المعاصرين في المقاربة الحديثة للخصوصيات المحليّة على خطى حسن فتحي والمعماري الأردني راسم بدران (ولد عام 1945). والمشاريع هذه التي نفّذها المعماريّان، الحسيني وقصرملّي، تتمسّك بالإمكانيات الإنشائيّة والمشهديّة التي للحجر الطبيعي، المادّة التاريخيّة والمحليّة للبناء. وتساهم الرسومات والصور الموجودة في الكتاب في تبيان القيمة الجماليّة لهذه المشاريع.

وفي تضادّ تامّ مع المقاربة المحليّة للحسيني وقصرملّي، يأتي مشروع مساكن صيّادي الأسماك في مدينة صور اللبنانيّة لهاشم سركيس. يعتمد المشروع اللغة المعماريّة للحركة الحديثة، ويتكيّف على نحو دقيق مع حسّ الجماعة في أوساط الصيّادين. يتميّز المخطّط بتصميم حصين يتألّف من طرف للحماية بعلو طبقات أربع، وبناء بسماكة سبعة أمتار يلتفّ حول الموقع. ولضمانة ألّا يتحوّل طرف الحماية ذاك إلى "كتلة عموديّة صارمة، فقد جزّئت الكتلة إلى سلسلة من المباني الأصغر مفصولة بفراغات تستخدم لدورة الحركة العامّة"، يكتب الأسد. وتجدر الإشارة إلى أن مشروع سركيس يندرج ضمن الفصل المخصّص للمشاريع السكنيّة منخفضة الارتفاع، علمًا أنّه في الحقيقة يراوح في المساحة بين المشاريع منخفضة الارتفاع وتلك المرتفعة، التي تكوّن الفصل الثاني. على أن الأسد يحرص في التشديد على أهميّة مشروع هاشم سركيس، وعلى الحاجة الملحّة لمزيد من المشاريع الساعية إلى إيجاد حلول معماريّة لسكن ذوي الدخل المحدود.

ومع التقدّم في صفحات الكتاب، يعود الأسد مرّات متكرّرة لا إلى مركز الطفرة العمرانيّة في الخليج العربي، بل إلى المشرق العربي. بيروت وعمّان تسودان في الفصول العشرة الأولى، إلى أن ينتقل الكتاب لتناول المشاريع الضخمة المتركّزة على نحو غالب في دبي وأبو ظبي. وهذا بلا شكّ يعود، في جزء منه، إلى فشل المعماريين المحليين في تأسيس حضور واضح في عواصم النفط على ما فعل المعماريّون النجوم.

ممّا لا شكّ فيه، تسيّدت الشركات الكبرى للعمارة على كافة المشاريع ذات المصادر الغزيرة في الخليج على مدى العقود الأخيرة. المعماريّون المحلّيون الذين يعملون على مشاريع خاصّة يميلون للقيام بذلك كشركاء صغار. ويقدّم كتاب Contemporary Architecture  رأيًا وجيهًا مفاده أن قيمة العمارة التي ينتجها المعماريّون المحليّون ينبغي أن تثمر في إنهاء اعتبار هؤلاء المعماريين وشركاتهم مجرّد شركاء صغار.

ونقد النحو الذي يُستخدم فيه المعماريون النجوم في المنطقة يسير في سياق الوجهة العامة التي يسلكها الأسد في كتابه. ويشكّل Contemporary Architecture دليلًا للقارئ في نوع العمارة والتمدين المعاصرين في المنطقة، من دون التطرّق إلى مضمونهما. وفي جملة غريبة بعض الشيء يقول الأسد، "أعتقد أن جميع الأعمال المُقدّمة هنا، تعكس، على الأقل، مستوى عمارة وتصميم مدينيّ مقبول في إمكانياته". كما أنّه يشير على نحو واضح إلى أنّه لا يريد نقد المشاريع بل "إطلاع القارئ عليها".

النقص في المضمون النقدي للكتاب يمثّل أمرًا مُحيِّرًا، خصوصًا وأن الأسد يُعدّ ناقدًا معماريًّا متميّزًا إضافة إلى كونه محرّر كتاب Architectural Criticism and Journalism: Global Perspectives، الصادر عام 2007. وكما يلاحظ المعماري الإندونيسي بودي سوكادا في الكتاب الذي حرّره الأسد، فإنّ النقد المعماري يبقى كمثل "تابو"(محرّم) في الشرق الأوسط. النصّ المرفق بكلّ مشروع يستعرضه الكتاب يتلكّأ عن الدخول في مستنقع النقد المعماري وفي فوضاه وصعوبته وذاتيّته. وأكثر من هذا، يفتقد كتاب Contemporary Architecture  إلى التفسير المقنع لما تعنيه العمارة والتمدين في الواقع. فالناقد المعماري الأميركي العظيم لويس مامفورد  (1895 – 1990) لم ينظر إلى العمارة كمجرّد فنّ بناء، بل باعتبارها العدسة التي من خلالها يمكننا فهم ثقافتنا وأنفسنا. ينتبه الأسد إلى تجاوز العمارة لفكرة المبنى، لكنّه لا يتناول الميزة الأوسع للمشاريع المحدّدة التي يقدّمها. ويمكن القول باختصار أنّ الكتاب يخلو من السياسة، ويقدّم القليل من التاريخ.

قلّما نوقشت العمارة في المنطقة بما يتجاوز أساسيات الاقتصاد. وفيما تثير مواد منشورة على الانترنت بعض النقاش في الشكل المبنيّ (مدوّنة Cairobserver  تشكّل مثالًا متميّزًا)، فإنّ ليس ثمّة منبر إعلاميّ رئيسيّ واحد في المنطقة، إنكليزيّ اللغة كان أم عربيًا، لديه ناقد معماري متخصّص ضمن فريق العمل، أو يتيح تقديم حوارٍ مستدام في البيئة المبنيّة. وغياب التناول النقدي في كتاب الأسد، لا يساهم في إغناء فهم القارئ للقوى المُقرّرة في العمارة والتمدين. الكتاب لم يوضع لأولئك المتمتّعين بمعرفة متنوّعة في أحوال الشرق الأوسط. النزعة الدفاعيّة واضحة في الكتاب، والسعي من خلالها لا يقتصر على الترويج للمعماريين المحليين المتميّزين، بل أيضًا على مواجهة التغطية الإعلاميّة الدوليّة للشرق الأوسط التي غالبًا ما تركّز على "عدم الاستقرار السياسي والمشاكل المقيمة"، حسب المؤلّف. يتوجّه الكتاب إلى القراء المهتمّين بعمارة المنطقة وبتطوّراتها المدينيّة، لكن الذين قد لا تكون معرفتهم بالبيئة المبنيّة في المنطقة تتجاوز أعمال المعماريين النجوم وما تنشره منابر إعلاميّة كبرى، مثل السي أن أن، من صور.

يمثّل كتاب Contemporary Architecture  نقطة انطلاق لتكوين فهمٍ أوّليٍّ لأكثر التصاميم، المنفّذة وغير المنفّذة، حضورًا معماريًّا في المنطقة. من خلال هذا الكتاب قدّم الأسد منبرًا لطلاب العمارة حول العالم لزيادة الاهتمام بالعمارة والتمدين المعاصرين في الشرق الأوسط. وهو يفترض أن المعماريين المحليين في المنطقة، وعلى الرغم من عدم تمكّنهم من الفوز بالعديد من المشاريع الكبرى التي تحظى بانتباه الإعلام العالمي، فإنّهم ينتجون لغة معماريّة جديدة عبر عملهم على مشاريع سكنيّة محدودة المساحة. والقارئ، المتنوّر بكتاب الأسد، يحظى بفكرة واضحة عن كيفيّة احتمال أن تُحَقِق البيئة المبنيّة في المنطقة تحوّلًا نحو مزيد من الوعي البيئي، وإلى التجاوب السياقي والتناغم في البيئة المبنيّة.

 ترجمة فادي طفيلي

Survey of “Competence” in the Built Environment

Portal 9 journal.org 
غلاف كتاب 'العمارة والتمدين المعاصرين في الشرق الأوسط' لمحمّد الأسد، الناشر (University Press of Florida)
لطلب العدد الأوّل من البوابة التاسعة يرجى مراسلتنا على order@portal9journal.org ، مع اسم صاحب العلاقة وعنوانه البريدي ورقم هاتفه، وسيقوم أحد أعضاء فريق عملنا بالإجابة والتعاون.
المعلومات المطلوبة
    


شكراً لإرسال طلبكم للبوابة التاسعة