العدد 2 السَّاحة، ربيع 2013
كتابات
ساحة قصر بوربون
إنّي آكل كعكة مادلين من السوبر ماركت. حتّى لو كانت مادلين بيتيّة الصنع كالتي كان يتناولها بروست، فهي ليس لها تأثير على أحاسيسي. وحتّى لو كان الأمر ممكنًا فلن أكون قادرًا على الكتابة مثل بروست. كان مثلًا لينصّ تأمّلًا جميلًا عن الساحة حيث أحيا، مُستخدمًا إيّاها مدرجًا للإقلاع بتحليق مدوّخ السحريّة.
عن المؤلّف
ماريو سابينو، ولد في ساو باولو العام 1962، وهو يرأس تحرير المجلّة الأسبوعيّة Veja، الأكثر تأثيرًا في البرازيل. 
مقالات ذات صلة
أوردوس: مدينة صينيّة على المسار السريع
العدد الحالي
الغابة، ربيع 2014
المقالات
المراجعات


أطلب الآن
أرشيف
جميع المقالات
جميع المراجعات
أعداد سابقة
السَّاحة
سرد: كتابات عربيّة وروسيّة معاصرة
المتخّيل

إنّي آكل كعكة مادلين من السوبر ماركت. حتّى لو كانت مادلين بيتيّة الصنع كالتي كان يتناولها بروست، فهي ليس لها تأثير على أحاسيسي. وحتّى لو كان الأمر ممكنًا فلن أكون قادرًا على الكتابة مثل بروست. كان مثلًا لينصّ تأمّلًا جميلًا عن الساحة حيث أحيا، مُستخدمًا إيّاها مدرجًا للإقلاع بتحليق مدوّخ كتحليقات هاري بوتر على مكنسته السحريّة. نعم، لقد جمعت بروست وهاري بوتر في جملة واحدة، وهذا دليل على كيفيّة مضيّ كعكات مادلين، في حالتي، في اختزال ما هو غير مهمّ أصلًاعملي ككاتب. الكتّاب الجيّدون، أو أولئك الذين يعتبرون أنفسهم جيّدين، يستخدمون عبارة"my oeuvre"  المدّعية حين مناقشة المميزات التي تضمّها كتاباتهم. أنا لا أجرؤ على هذا. من لا يرى وازعًا من الربط بين بروست وهاري بوتر لا يحق له القول"my oeuvre". ويمكن، كأقصى حدّ، لوم بروست على فتحه الباب للآخرين، أمثالي، للإشارة إلى روابط كهذه.

كعكة مادلين من السوبر ماركت يا بروست. تقع الساحة التي أحيا فيها في باريس. أقضي ساعات محدّقًا إلى مساحات منها عبر إحدى نوافذ غرفتي. لكنّها لا تثير في نفسي أيّة مشاعر. غير أنّها تبقى ساحة جميلة ذات عنوان راقٍ واسم نبيل: ساحة قصر بوربون. إنّها تواجه المدخل الحقيقي لمجلس النواب الفرنسي، الذي يفتح مدخله الرديف على ساحة أخرى، ساحة كونكورد. وثمّة ساحة ثالثة في الجوار، كبيرة جدًّا ومسطّحة ويقوم فيها "الليزانفاليد" ى بمبناه المهيب الذي يضم قبر نابليون بونابرت، جاري الأكثر شهرة على ما أعتقد. وهناك أيضًا الساحة قبالة بازيليك سان كلوتيلد قرب المصرف الذي أتعامل معه. البوابة الحديد للكنيسة تحوّلت في الأمسيات إلى مرمى لصبية يلعبون كرة القدم في المكان، وهناك على الدوام كرة عالقة بين التماثيل القوطيّة القديمة التي تزيّن أقواس المدخل. في أحد الأيّام وكنت أعبر الساحة، ناداني صبيّ: "سيدي، تعالَ وانظر، تعالَ وانظر!" كان هناك بطّة ميْتة في كيس بلاستيكي. انتظر الصبيّ ردّة فعلي، لكن كلّ ما استطعت قوله، "يا للأسى".   لم أشعر بأيّ أسًى.

إذن كيف وصلت إلى هنا وأنا لست فرنسيًّا؟ كيف انتهيت في هذا المكان وأنا لست من عشّاق باريس؟ رغم اعترافي بمزاياها الرفيعة كامرأة لست مولعًا بها. (باريس هي مدينة لا يحال إليها إلّا بصيغة المذكّر بالنسبة للفرنسيين، "Le "Vieux Paris). كيف انتهيت هنا، وأنا لم أُضَم كحال الكورسيكيّ نابوليون بونابرت؟ أنا منفيٌّ. كلّ ما ينبغي قوله هو أنّه كان عليّ مغادرة بلادي الأولى لالتزامي بالقانون خلال ممارسة عملي. وما يثير السخريّة هو وجود نُصُب عنوانه "القانون"، يقوم في الساحة حيث أعيش. نافذة غرفة نومي تتيح الإطلالة الأمثل عليه. حين أستيقظ وأفتح النافذة، أجد نفسي وجهًا لوجه أمام "القانون".

تمامًا كما لا تحوّلني كعكات المادلين إلى بروست، فإنّ النفي لا يجعلني بطلًا. أنا رجلٌ وظرفه التعبير الذي لا يشير غالبًا إلى أكثر من معتوه. لكنّي لا أشعر أنّني معتوه. لا أشعر بشيء البتّة. من الجميل ألّا يشعر المرء بشيء. من الجميل ألّا تشعر بشيء حيال نفسك. وليس من أحد إلى جانبي قد يكوّن رأيًّا فيّ. من الجميل ألّا يكون لك شخص بجانبك يطلق الآراء فيك. منفاي منعزلٌ كعزلة آخر سندويشة لحم خنزير، أو تونا، أُسرع لشرائها قبل إقفال المتجر في شارع بورغون أبوابه وأظلّ أنا بلا عشاء. لا تعتبروا هذه السطور رضًا بالذات. إنها تعبّر عن عيشي اليوميّ لا أكثر. السندويشات جيّدة، ويمكنني أن أكون أكثر تنظيمًا، فأشتري ما يكفي من حاجيّات غذائيّة تغنيني عن الركض في سبيل عشائي.

تساعدني ساحة قصر بوربون على ألّا أشعر بشيء. لا أولاد فيها، لا نوافير ماء ولا أشجار ولا مقاعد وعشّاقاً وأكشاك بيع صحف، ولا أحد يبيع الكريب، الهوت دوغز، والحلى الرخيصة. إنّها ساحة من حجر، تحيطها المباني العائدة إلى أواخر القرن الثامن عشر وأواسط التاسع عشر، ويظلّلها تمثال "القانون" والعلم الفرنسي فوق الرواق المعمّد لمجلس النواب-  رواق يضمّ ساعة تفصح في الليل عن وجه مشع بخضار الليمون. أحيانًا أشعر بشيء ما بأنّني غريب كمثل خضار الليمون في الساعة. لكنّي لا أعلم إن كان هذا الشعور يتعلّق بي أم بالساحة. ربّما هما شعوران اثنان اختلطا معًا. لكنهما على كلّ حال يفترقان بسرعة، وأعود إلى حالتي الطبيعيّة الراهنة الخالية من أيّ إحساس.

يمكنني القول إن ساحة قصر بوربون هي نموذج جميل لذاك الأصل الذي نسمّيه "ساحة". إنّها أطروحتي الأدبيّة القائلة إن الساحات خُلقت كمحاكاة مدينيّة للفلوات الرحيبة التي منحت أجدادنا ما قبل التاريخيين إحساسًا بالوجود. كان التجوال خطرًا في مدى الفلوات المفتوح، بين حيوانات متحفّزة وأعداء من قبائل مُنافسة حاضرين دائمًا للانقضاض، لكنّ ما يدفع إلى الفلوات كان لا يقاوم. على الأقل، السماء. على الأقل، الأفق. ثمّة امتداد جيّد للسماء فوق ساحة قصر بوربون. القمر يكاد يكون على الدوام في برواز نافذة غرفة الجلوس قرب الطاولة حيث أعمل. لا أشعر بشيء تجاه القمر. هو لا يستدعي في داخلي أيّة ذكريات، غراميات أولى، أو أيّ فضول تجاه أصل الكون. القمر فوق ساحة قصر بوربون هو مجرّد بقعة بيضاء في الليالي الصافية، تكبُر أحيانًا، وأحيانًا تصغُر. القمر فوق ساحة قصر بوربون هو صخرة ميتة تعكس ضوءها الميت على الحجارة الميتة.

من محاكاة الفلوات، غدت الساحات مواضع لم تفعل السماء والأفق فيها إلّا تمتين اللانهائيّة في معتقداتنا المتعجرفة والبلهاء. في أثينا القديمة، خدمت الساحات الفلسفة التي رفعت الجنس البشري إلى مرتبة تسام غير موجود، وإلى ديموقراطيّة قلّة من المتساوين. في روما القياصرة، خدمت الساحات مسارح السيرك الشرسة التي أتاحتها قلّة من المتساوين للسواد الأعظم القذر. في القرون الوسطى كانت الساحات مواقع لعراضات الإدانة. ساحات عديدة لا تزال امتدادات للكنائس. الأكثر صرحيّة بينها جميعًا ساحة سان بيترو في روما، التي صمّمها لورينزو بيرنيني، ليُشعرنا جميعًا بصغرنا أمام الكنيسة الكاثوليكيّة وضآلتنا أمام السلطان الإلهي الذي تمثّله. في سان بيترو شعرت بصغرٍ مبهج خلال زيارتي الأولى. بعدها توقّفت عن الشعور بأيّ شيء عندما عبرت اللعبة الباروكية لصفّ أعمدة برنيني ودخلت الفضاء الذي صمّمه.

وثمّة ساحات يسود فيها ما هو رمز من رموز السلطة الدنيويّة. ساحة "ديلا سينيوريا" في فلورنسا، حيث يمثّل قصر "فيكيو" أشهر مبانيها. عندما أتذكّر ساحة "ديلا سينيوريا"، فإن أوّل صورة تتبادر إلى ذهني تستحضر تلك الليلة الماطرة، حيث لم أعد أذكر من كان بصحبتي، وكنت أنفر تمامًا من فكرة تقدير عمارتها الرائعة. في المقلب الآخر من العالم، في بكين، وقفت مرّة في ساحة أخرى للسلطة الدنيويّة: ساحة تيانانمين، حيث صورة ماو تسي تونغ معلّقة على جدار القصر الإمبراطوري السابق. هناك، "نصب القانون" هو صورة ماو. عندما زرت ساحة تيانانمين، أتعبني عدد الناس السائرين حول العلم الصينيّ في وسط ذلك الفضاء الشاسع الخالي من العمارة. لم أشعر بالحزن لأنّ النظام قتل عددًا من الطلاب هناك قبل نحو عشرين عامًا. من الصعب أن تشعر بالحزن وأنت تقف أمام صورة لماو. صعب، لأنها من الأكثر إضحاكًا بين الأشياء المخصّصة لعبادة الشخصيّة. في تيانانمين كلّ ما شعرت به هو سخافة الإيديولوجية.

عبر شاشة التلفزيون وفي الصحف، تابعت الحشد الذي احتل ميدان التحرير في القاهرة للمطالبة بإنهاء الدكتاتوريّة في مصر. كما الحال في بكين، ساحات كبرى غدت مواقع للتظاهرات. لا أشعر بشيء تجاه التظاهرات. هذه كذبة. أشعر بالخوف. الجموع ككائن حيّ واحد، بإرادة خاصة به، هي وحش يخيفني. لن أزور ميدان التحرير أبدًا. ربيعها، عبر شاشة التلفزيون وفي الصحف، صفعني كصيف صاعق ولا شيء غير ذلك.

ليس لدي الكثير لأقوله عن الساحات، لأن ليس عندي شيء لأقوله عن نفسي وعن العالم. لا يتملّكني أي شغف أنثروبولوجي يجعلني أقدّر الساحات التي ما زالت تبدو كمجرّد محاكاة للفلوات (والتي في بلادي الأولى تفوح برائحة البول، وهي مواقع للشحّاذين ومروّجي المخدرات واللصوص والعاهرات). خرائب اليونان وروما لم تعد تحرّكني، لأن كلّ ما أراه فيها هو بذور غرورنا. لا أومن بإله الكاثوليك، وبهذا، فإن الساحات الكبرى المكرّسة له لا تحرّكني بعمارتها التي تعيد الإنسان ليس إلى حجمه الحقيقي، بل إلى ما هو أصغر، وذلك لتضخيم الوجود الخارق الذي خلقناه نحن على صورتنا وشبهنا. في ساحات الله، نحن صغار لأن فكرتنا عن أنفسنا كبيرة جدًّا. وهنا يكمن التناقض. لا أبالي بالسلطة التي لم أعد أكنّ لها أيّ تقدير تاريخيّ أو جمالي في ساحات أقيمت لتقديم الولاء إلى الحكّام. أخاف الحشود، وهكذا، أتحاشى الساحات التي قد تخدم كمسارح لتظاهراتهم، مهما اتسموا بمظهر الحق.

أنا متروك مع ساحة قصر بوربون. لكنّ جمالها الحجريّ يتآكل باستمرار تحت عجلات السيّارات التي تتحرّك حولها. والحق يقال، إنّها مجرّد متحلّق للسير، في وسطه يقوم نصب "القانون". ربما عليّ إغلاق الستائر فلا أحدّق أبدًا بعد الآن في ساحة قصر بوربون. ربّما عليّ السعي إلى ساحة في داخلي. ساحة حيث كان يلعب صبيّ صغير، ويحيك أشكالًا في سماء الليل، ويحلم في المستقبل، ويتحادث مع الأصحاب. مكان عادي كأيّ أمر اعتيادي. لكنّ عليّ خلق هذا الصبيّ من لا شيء. وينبغي عليّ إقامة هذه الساحة الداخليّة من لا شيء. لا أستطيع. لا أجرؤ. لا شيء أحسّه تجاه نفسي واللاشيء هذا طعمه كطعم كعكات المادلين من السوبر ماركت. جميل أن يكون باستطاعة المرء شراء كعكات المادلين من السوبر ماركت.

ترجمة عن البرتغاليّة: أليسون إنتريكين

 ترجمة عن الإنكليزيّة: فادي طفيلي 

لطلب العدد الأوّل من البوابة التاسعة يرجى مراسلتنا على order@portal9journal.org ، مع اسم صاحب العلاقة وعنوانه البريدي ورقم هاتفه، وسيقوم أحد أعضاء فريق عملنا بالإجابة والتعاون.
المعلومات المطلوبة
    


شكراً لإرسال طلبكم للبوابة التاسعة