العدد 2 السَّاحة، ربيع 2013
مرويّات
في ساحة الشهداء الجزائريّة
لا شيء يلخّص تاريخ العاصمة الجزائريّة ويعبّر عن روحها أكثر من ساحة شهدائها. إنّها المكان الذي يشهد فيه المرء ملامح التكوّن الوطنيّة، من الثقافة إلى حياة الأسواق، وصولًا إلى التظاهر وخيبات الأمل.
عن المؤلّف
 بشير مفتي، صحافي وروائي جزائري يقيم في الجزائر العاصمة. آخر رواياته "أشباح المدينة المقتولة" (2012).
مقالات ذات صلة
المقهى و"الأهوي" في اللفظ والصور
أميركا الصغرى
العدد الحالي
الغابة، ربيع 2014
المقالات
المراجعات


أطلب الآن
أرشيف
جميع المقالات
جميع المراجعات
أعداد سابقة
السَّاحة
سرد: كتابات عربيّة وروسيّة معاصرة
المتخّيل
1 2 3 4 5 6 7 8 9 

لا أتذكر متى بالضبط، في أيّ يوم من أيّام السنة، حدث ذلك. لكنّي أذكر أنها كانت المرّة الأولى التي أنزل فيها إلى ساحة الشهداء بصحبة والدي الذي كان مشغولًا في إحدى مديريات الشؤون الدينيّة حيث يعمل. كما لا أعرف لماذا خصني الوالد لوحدي من بين أخوتي فاصطحبني معه. ربّما لأنني كنت الأصغر والرحلة مُسليّة كثيرًا لمن كان في مثل سنّي، فتتطلّب تنقلًا بالحافلة التابعة لمؤسسة النقل الحضري لولاية الجزائر العاصمة من حيّ السعادة الذي يقع في أعالي غرب الجزائر العاصمة، نزولًا حتّى ساحة أودان حيث تقوم الجامعة المركزيّة التي تعدّ أبرز معلم فيها، مرورًا بمبنى البريد المركزي المتميّز بطابعه المعماري الإسلامي على عكس العمارات المجاورة له المبنيّة بنمط كولونيالي كأغلب عمارات الجزائر العاصمة. إنّها رحلة عامرة بالمشاهد والصور.

بعد العبور من أمام البريد المركزي الذي يفضّل الجزائريّون استخدام تسميته الفرنسيّة الملتصقة بكلّ لسان، "لاغروند بوست"، مرورًا بشارع العربي بن مهيدي الطويل الذي يحتفظ أيضًا باسمه الفرنسي، "لارو ديزلي"، وصولًا إلى حديقة "الجنينة" المعروفة بـ "السكوير" (Le Square) والمقابلة لمبنى المسرح الوطنيّ الكبير، سرعان ما تستقبلك أقواس شارع "باب عزون". وإذا ما انتهيت من تلك الأقواس تلج الساحة الكبيرة التي كان يسمّيها الفرنسيون "ساحة السلطة" (Place du Gouvernement) ويتوسّطها تمثال كبير لدوق فرنسي (Le statut de Duc d'Orleans). لكن على عكس الحال في شارع العربي بن مهيدي وحديقة الجنينة، فإن الأثر والاسم الفرنسيين في هذه الساحة لم يصمدا. فقد اجتثّ تمثال الدوق الكبير مباشرة بعد الاستقلال في العام 1962، وصارت الساحة، التي سُمّيت مذ ذاك "ساحة الشهداء"، مفتوحة إلّا من ناحية الجنوب حيث بنايات حيّ القصبة بدهاليزها وأسواقها الشعبيّة وعمائرها التقليديّة القديمة.

دخلتُ الساحة مبهورًا والفرح يغمرني لأنّ والدي راح يسمّي لي كلّ تلك الأحياء والشوارع التي نعبرها، فاعتبرت الأمر امتيازًا مُبهجًا مليئًا بالصور والخيالات. ووجدتني فجأة داخل فضاء أكبر، واسع، ممتدّ على مدى البصر، ومزدحم بالناس السائرين في جميع الاتجاهات. فضاء مترامي الأطراف، من جنوبه يمكن مشاهدة كلّ الجهة العليا، موقع مدينة القصبة التي كانت مسكن الجزائريين أيّام الاستعمار، كما المسجد العظيم المُسمّى "كتشاوة"، والذي حوّله الفرنسيون إلى كنيسة بعدما سقطت مدينة الجزائر في أيديهم عام 1830. وكان الأهالي في العام 1831 حاربوا دون أن ينجحوا في إيقاف تحويل المسجد إلى كنيسة وقُتل منهم كثيرون، يقال أربعة آلاف، على يد الجنرال الفرنسي دوق روفيقو (duc de Rovigo). على أن الانتقام سيأتي بعد الاستقلال وعلى طريقة الجزائريين الخاصّة. إذ قام الأخيرون بتحويل أغلب كنائس الجزائر إلى مساجد ورفعوا الأهلّة في مكان الصلبان، في ما اعتبروه استعادة لهويّة رمزيّة افتقدوها طوال قرن ونصف من الاحتلال الفرنسي لبلادهم.

سيذهب أبي للصلاة في مسجد كَتْشَاوَة وأبقى أنا بانتظاره فوق تلك الأدراج العريضة قرب المسجد، مشاهدًا الشحّاذين يفترشون الأرض ويطلبون مالًا من العابرين. لكنّ أكثر ما استرعى انتباهي كان رجلًا في عقده السادس يرتدي ثياباً غريبة ويسمّي نفسه درويش. أردت أن أسأله عن معنى أن يكون المرء درويشًا لكنّني لم أجرؤ. إلّا أنني عدّت وفهمت معنى "الدروشة" حين شاهدّت امرأة تتلحّف الحايك الحريري الأبيض وتتبادل معه أطراف الحديث وهو ينصحها القيام بأشياء معيّنة كي تذهب عنها عين حسدٍ أصابتها.

لم يُطل أبي مكوثه في المسجد. حين شاهدته يخرج مُقبلًا نحوي مبتسمًا كنت لا أزال جالسًا في مكاني. وهو سرعان ما أخذني من يدي وسرنا معًا في وجهة اختارها حتّى بلغنا مقهى مالاكوف. نظر أبي في واجهة المقهى قليلًا ثم دخلنا واخترنا مكانًا لجلوسنا. طلب لي مشروبًا غازيًّا وقهوة لنفسه. وفيما راح يدردش في أمور لا تهمني مع صديق التقاه صدفة في المقهى، كانت عيناي تجولان في الأرجاء وتتأمّلان حركة الناس في الخارج ذهابًا وإيابًا. كان الزقاق الذي يفصل مسجد كتشاوة عن حيّ القصبة مزدحمًا بالحركة على الدوام وحافلًا بالأسواق الشعبيّة لمختلف أنواع الأقمشة والملابس والخضار والأواني المنزليّة والعطور وحلويات الشرق. هنا لا بدّ أن تجد ضالتك وكلّ ما تبحث عنه. يقصد الناس المكان من كلّ الجهات، حتّى من خارج مدينة الجزائر العاصمة. وجهتهم المفضّلة هي محيط "جامع اليهود"، التسمية الشعبية لموقع معبد يهودي قديم تحوّل اسمه بعد الاستقلال إلى شارع الفدائي علي عمّار الذي خلّده المخرج الإيطالي جيلو بونتيكورفو عام 1966 في فيلم "معركة الجزائر". لكن الناس بقيت تسمّي هذه المنطقة باسمها القديم، "جامع اليهود"، من دون سبب معلوم.

أزياء النساء اللواتي يزدحمن في تلك المنطقة كانت دائمًا كرنفاليّة بالنسبة لي. الحايك الحريري هو زيّ المرأة العاصميّة، أمّا المرأة القسنطينيّة فستعرفها من خلال ملايتها السوداء ونقابها الأبيض الذي يُسمّى في اللهجة العاميّة العاصميّة بـ "العجار". لكن هذا لم يكن مانعًا لحضور نساء بلا حجاب أو نقاب، يرتدين أزياء السبعينات الشهيرة مثل "الميني جيب" وسراويل "باديليفون"، ورجال بسراويل جينز "إلفيس" وقمصان ذات أكمام واسعة ومفتوحة الأزرار عند الصدر. والحايك، الزيّ التقليدي السائد في تلك الأيّام، جاءت موجة التحرّر الاشتراكي في سبعينات القرن العشرين وعصفت به قليلًا. ثمّ تعرّض فيما بعد للعصف الأكبر مع بداية التسعينات، حين استبدل بالحجاب الشرعي الذي ستكون له الكلمة الفصل لسنوات عديدة. وحتّى الآن لا يزال الحجاب الشرعي رغم تنوّعات موديلاته العصريّة حاضرًا بقوّة في مثل هذه الأحياء الشعبيّة. غير أنّه لم يعد يرمز لصعود الحركات الإسلاميّة كما كان الحال في التسعينات، بل يغطّي على فقر بعض الطبقات المحرومة.

كان المنظر برمته عامرًا بالحياة ومليئًا بسحر الألوان والأصوات والأجواء الشعبيّة، ومثيرًا لفتنة النظر أمام عينيّ فتًى في مثل سنّي قُذف فجأة في غابة أشياء لم يعهدها قبلًا، فراح يمتصّ مناظرها في لحظات مكثّفة ويبقيها مطبوعة في داخله لزمن طويل.

بعدها لم أعد إلى الساحة إلّا وأنا طالب في المرحلة الثانوية. كنت وشلّة من الأصدقاء نذهب مساء يوم الاثنين في جولة عاصميّة  تنتهي غالبًا بدخول قاعة سينما أو تجزية الوقت لساعات في مقاه قريبة من ساحة الشهداء مطلّة على ميناء الجزائر العاصمة. وهناك تجتمع أمنياتنا كلّها في نظرات تطارد البواخر المغادرة ونحن نرنو إلى يوم سفرنا وهجرتنا من مدينتنا الخانقة إلى عالم الغرب الذي لا نعرف عنه سوى كليشيهات الأفلام والمسلسلات المعروضة على شاشة تلفزيوننا الجزائري باللغة الفرنسيّة. كان العالم الغربي في خيالنا أكثر حرّيّة والحياة فيه أكثر جمالًا والجنس متاحًا بلا حساب، حيث لا يحتاج المرء إلى المال والوسامة ليحظى بامرأة، وذلك على عكس الحال مع فتياتنا ونسائنا اللواتي لا يتحرّكن إلّا بمقدار ولا يقدّمن إلّا القليل وهنّ ينتظرنك زوجًا وحسب، لا عاشقًا، أو مغامرًا، أو عابرًا في حياتهنّ. المخرج الجزائري مرزاق علواش عبّر عن هذا أحسن تعبير في فيلمه الأوّل "عمر الذي هزمته رجولته". فكان عمر آنذاك، وما زال، بطلنا المحبّب.

كانت الثمانينات فترة رخاء وأزمة في آن، وكنّا، نحن الشباب، نشعر بضغوط كثيرة أوّلها الفقر المادي، خاصّة عندما أخذت الجزائر تودّع خطابها الاشتراكي مفسحة المجال للفوارق الاجتماعيّة والطبقيّة في الظهور على نحو حادّ بين الناس. كما تجلّت الأزمة ساطعة في دُور السكن التي لم تعد قادرة على استيعاب الكثافة السكّانيّة المتصاعدة. إذ ذاك غدت الشوارع متنفّسنا الأوّل والأخير.

كلّما سنحت الفرصة وتوفّرت لي بضعة نقود أهرب من البيت وألتحق بالأصدقاء، فننزل إلى وسط الجزائر العاصمة مدجّجين بالرغبات التي لن نُحقّق منها سوى القليل. الأمنيات الصعبة والعسيرة المنال كنّا نصرفها في سجائر رخيصة محليّة الصنع، أو في مشاهدة الأفلام الأميركيّة أو الهنديّة أو المصريّة في سينما "دنيازاد" أو "الماجيك"، وغالبًا ما كنّا نعود من رحلاتنا حاملين شعور الخيبة وإحساسًا فادحًا بالخسارة. وهذه الأحاسيس بحسبي خيّمت على جيل كامل وكانت من الأسباب التي أدّت إلى انفجار الأوضاع في الجزائر في تشرين الأوّل (أوكتوبر) 1988 حيث ثار الشباب وملأ الساحات وجرت عمليات تحطيم مؤسسات للدولة وإحراق حافلات النقل العمومي ومراكز الشرطة ومقرّات وزارة الشباب والرياضة. وهذه الثورة، التي حُسبت أيّامها آنذاك على ربيع أوروبا الشرقيّة الاشتراكيّة، لا على الربيع العربي كما هو حاصل اليوم، عكست روحًا عميقًا من الصخب والعنف مُعتملة في نفوس الشباب كظاهرة تمرّد على "الأب" السياسي الواحد الذي حكم البلاد بشرعيّة الثورة التحريريّة فيما هو يسرق من الثورة أجمل أحلامها ويحوّلها إلى ثروات تكتنزها فئة محدودة في دوائر نظام الحكم.

***   ***   ***

ظلّت ساحة الشهداء محورًا للتقاطعات، متنفّسًا مدينيًّا للأحياء المتمايزة، ومسرحًا لحركة الناس التي لا تتوقّف على مدار الساعة . أينما قرّرت الذهاب، شرقًا، غربًا، أو صعودًا إلى المناطق الأعلى، فعليك الانطلاق من هنا حيث توجد أكبر محطّة لحافلات النقل. تماسها من جهة الغرب مع حيّ باب الوادي الشهير الذي بناه الفرنسيّون لأنفسهم خلال حقبة الاستعمار ثمّ سكنته طبقات شعبيّة فقيرة بعد الاستقلال، والذي ستنطلق منه شرارة أحداث تشرين الأوّل (أوكتوبر) 1988، جعلها تفيض، من تلك الجهة، بالبشر وبالآلام والأحلام المشوّهة. باب الوادي يطلّ على شاطئ واسع وكورنيش ساحر يسمّى "كيطاني" حافل بالصيّادين وشاربي الخمر ومتعاطي الحشيشة ليلًا، وبالعشّاق الهاربين إلى منعزلات الصخور على ساحل البحر لتبادل الكثير من القبل الممنوعة والأمنيات المقموعة، نهارًا. وذاك مثّل طرفًا غربيًّا متفلّتًا لساحة الشهداء. ومن الجنوب، على مساحة جبليّة مرتفعة، يقع حيّ القصبة الذي يمثّل المدينة العربيّة – العثمانيّة بمبانيها المتواصلة بفناءات كبيرة وأحواض ماء. إنّها مدينة سكن الجزائريين وموقع انعزالهم وتخفّيهم إبّان الاستعمار، ما دامت العمائر الكولونياليّة مُشادة للفرنسيين دون غيرهم.  أمّا من ناحية الشرق فسيجد المرء نفسه في متاهة من الشوارع  تقوده إلى وسط آخر للمدينة اسمه البريد المركزي، حيث تتفرّع طرق عدّة تقود إحداها صعودًا عبر شارع محمّد الخامس إلى شرفة "تيليملي" و"حديقة بيروت" وأخرى إلى ساحة أوّل ماي (Premier Mai) و"حديقة التجارب العلميّة" بالحامة، حيث كان يجلس المفكّر الفرنسي جاك ديريدا وصديقته الكاتبة هيلان سيكسو، مرورًا بشارع بيلكور حيث عمل الكاتب ألبير كامو قبل الاستقلال. في تلك المرحلة لم تكن تلك الأسماء تعني لي أو لأحد من أصدقائي شيئًا. تسكعنا في هذه الأمكنة لم يتجاوز السعي خلف أفلام جديدة تُعرض في الصالات، أو أماكن نجد فيها فتيات يمكننا معاكستهنّ وتبادل نظرات عشق مستحيلة معهنّ، أو تجزية الوقت في المقاهي خائضين في أحاديث عن كرة القدم وفرقنا التي نشجّع.

في أعوام الثمانينات كانت عائلتي قد انتقلت للسكن من حيّ "ديار الشمس" الشعبيّ، الواقع في أعالي الجزائر العاصمة، إلى منطقة في أقصى الشرق اسمها بوزريعة. بهذا، وبعد أن كان "ديار الشمس" قد عرّفني صغيرًا على مناطق مركزيّة مثل بيلكور وساحة أوّل ماي وحسين داي، فإنّ بوزريعة جمعتني بالضفّة الأخرى من العاصمة، فرحت أقصد مناطق بولوغين وباب الوادي (إلى الشرق).

وبالطبع ظلّت ساحة الشهداء المعبر الأساس نحو كلّ هذه المناطق عبر هوامشها المزدحمة بمحال بيع الأقمشة والثياب والمقاهي ومطاعم الشواء. وكانت نقطة استراحة المتسوّقين المارّين على أسواق القصبة وشارع "سوسطارة"، متوسّطة مباني تاريخيّة وأثريّة مثل قصر "خداوج العمية" أو "المسجد الكبير" و"مسجد سيدي عبد الرحمن الثعالبي". وفي ناحية غير بعيدة "حصن 23" ومدافعه المائة الموجّهة نحو البحر. على أن هذه المعالم لم تكن تهمّنا أيضًا بعد أن سكنتها الوحشة وانقطع الزوّار والسيّاح عن الحضور. جزائر نهاية الثمانينات والتسعينات كانت قد توقّفت سياحيًا مع رحيل هوّاري بومدين عام 1979. البترول وحده ظلّ البقرة الحلوب لميزانيّة الدولة. وعرفت المصانع الكبرى المؤسّسة في عهد الاشتراكية أزمات حادّة، فقامت بتسريح عمّالها مع بداية التسعينات.

بالنسبة لنا كجيل، كانت الثمانينات مرحلة الشباب ومرحلة الإحساس بالأزمة. لم نكن من جيل مخضرم عاصر مرحلتين مختلفتين، الاستعمار والاستقلال. كنّا من جيل ما بعد التحرير، ولم نرَ من مكاسب هذه الحقبة إلّا التعليم والطبّ المجاني. في المقابل شهدنا كيف باسم التحرّر والثورة تمّت مصادرة الحريّات الفرديّة والجماعيّة، وكيف تصاعدت في هذه الأجواء الحركات الدينيّة المتأثّرة بوقائع الأحوال في العالم الإسلامي. ولعلّ الأحداث الواقعة في تشرين الأول (أوكتوبر) 1988 والمؤدّية إلى نهاية حكم الحزب الواحد والانفتاح على التعدديّة السياسيّة والاجتماعيّة، قد أعطت الإسلاميين حضورًا قويًّا جعلهم يفوزون في أوّل انتخابات تشريعيّة جرت في العام 1991.

 أصبح الإسلاميّون قوّة حاضرة في الواقع الجزائري مدنًا وأريافًا. أحياء العاصمة صارت تعجّ بهم وهم يرتدون ألبستهم الشرعيّة ويجعلون هيئاتهم متمايزة عن هيئات الآخرين. في البداية، إذ ذاك، لم يكن جميع الناس قد تلوّنوا بلون سياسيّ واحد. الجيل القديم بقي مرابطًا في الحزب الوطني، حاكم البلاد لثلاثة عقود. جيل الشباب انقسم بين اللاانتماء السياسي وبين أحزاب ديمقراطيّة مختلفة ينتمي أغلبها إلى منطقة القبائل المعروفة بتوجهاتها العلمانية والتقدميّة. أمّا الأغلبيّة، يمكن القول، فقد توجّهت للاندماج في الحركة الإسلاميّة. جوّ الانفتاح السياسي المستجدّ أعطى انطباعًا مفاده أن كلّ شيء سيكون على ما يرام في المستقبل، وصارت الساحات الكبرى في الجزائر وجهة لحشود أيّام الجمعة ومركزًا لخطباء الإسلاميين. والأخيرون راحوا يكرّسون حضورهم العام ويستعرضون قوّتهم التمثيليّة من خلال التواجد في الساحات والاستعراض فيها، فأخذوا يحتلّونها بأعدادهم الهائلة وتجمّعاتهم المتراصّة، وراحت تُسمع في الأرجاء تهاليل الله أكبر عبر مكبرات الصوت المثبّتة في كلّ مكان كي تبلغ أسماع السكان في مختلف الأحياء. عندما دعت الجبهة الإسلاميّة للإنقاذ إلى الاعتصام الشهير في حزيران (يونيو) 1991 عقب الانتخابات التشريعيّة، احتُلّت ساحة الشهداء بأكملها من قبل أنصار هذا الحزب الدينيّ. كانت أيّامًا غريبة لم نعهدها قبلًا، وقد ذهبت مرّات عديدة لمشاهدتهم وهم يقبعون في الساحة على ذاك النحو المستجد. نصبوا خيامهم الصغيرة في الأرجاء وتحلّقوا في جماعات حول بعضهم بعضًا، يتحادثون ويُعبئون ويصلّون. كان الناس من الأسواق المحيطة يمدّونهم بالطعام والشراب على مدى الأيّام التي شهدت الاعتصام، وذلك قبل مداهمة الشرطة لهم. في اليوم الرابع من الاعتصام جاءت الدبابات والعربات المصفّحة ونزل الجيش وعناصر مكافحة الشغب. كانت هجمة شرسة سقط على أثرها الكثيرون منهم. أذكر نداءات الله أكبر مبثوثة في أرجاء العاصمة تحثّ الناس على مساندة المعتصمين. لكنّ الجيش تمكّن من إفراغ الساحة وفرض حالة حصار مؤقتة حولها. شعرنا على الأثر أنّ الأمور ستتبدّل إلى الأسوأ في الجزائر، وما لبثت البلاد بعد واقعة فضّ اعتصام ساحة الشهداء، أن دخلت في أزمة أمنية بالغة الخطورة.

مع عقد السنوات الذي سيسمّى "العشريّة السوداء" (1991 – 2001) بدا الحدث الجزائري وكأنّه انسحب من رحابة الساحة المدينيّة إلى وعورة الجبال العاتية. فضّ اعتصام ساحة الشهداء جرّ الاحتقان السياسي إلى العنف المروّع ونقله إلى الهوامش والمناطق النائية. زخم الإسلاميين، بتوتّراتهم ومكبوتاتهم كلّها انسحب إلى هناك، وما بقي في المدينة لفّه الشكّ والحذر وقنّعته الريبة. صار الناس يتوجّسون من كلّ تجمّع مهما بلغ حجمه ومهما أطنب في شعاراته. دور ساحة الشهداء، كما ساحة أوّل ماي، وهما الأكبر في الجزائر العاصمة، تراجع من ناحية اعتبارهما المسرحين الرئيسين للمطالب الحقوقيّة والتجمعات الشعبيّة. شخصيًّا، وقد غدوت بأعوام التسعينات طالبًا في الجامعة المركزيّة بشارع أودان، انقطعت علاقتي بساحة الشهداء. أخذ الوضع الأمني يتردّى ويفرض تقنين التنقّل من مكان إلى آخر. وفي خضم مرحلة الريبة والخشية هذه بدأت العمل في الصحافة. كان يكفي المرء أن يكون صحافيًّا كي يصبح متّهمًا في التعامل مع النظام حتّى لو كان من أعتى معارضيه. على الأثر انتقلت للعيش في منزل صديق في أعالي الأبيار.

توقّف العنف في العام 2001. بدأ يأخذ مجراه خطابُ المصالحة الذي تبنّته السلطة واستجابت له القوى الإسلامية والجماعات المسلّحة. تصالح الأعداء، ونزل إلى العاصمة كثيرون ممن كانوا يتخندقون في الجبال ويحاربون ويقتلون على مدى سنوات. مخلّفات الإرهاب والعشريّة السوداء ظلّت عميقة جدًّا في نفوس الجزائريين، لذا فإنّ هاجس الخوف لم ينسحب بالسرعة المطلوبة ولم تعد الحياة كاملة إلى الفضاءات العامّة. غير أن حركة ملحوظة بدأت تدبّ رويدًا في هوامش ساحة الشهداء، بين وقت وآخر، ولو على نحو بطيء، رغم استمرار فرض السلطة الحصار عليها ومنعها التظاهرات. فعلى وقع الأحداث المشهودة في العالم العربي خلال السنتين الماضيتين، بدأت بعض الجماعات من أصحاب المطالب الحقوقيّة والاجتماعيّة ترى في الساحة متنفّسها المطلوب في زمن بات يصعب فيه تبرير التقاعس وتجميد الحراك. ولعلّ هذا ما جعل السلطات أخيرًا تبتدع وسيلة استثنائيّة لتمديد حصارها ساحة الشهداء. إنّه مشروع بناء مترو العاصمة انطلاقًا من أعماق أرضها، وهو مشروع لم تعلن تفاصيله ومواعيد إنجازه بعد. في ظلّ التعتيم هذا أراقب السياج المنصوب حول الموقع. السياج يبقى أوضح ما في المشروع، وهو يقوم بوظيفته على أكمل وجه مغلقًا منافذ الرؤية نحو ساحة الشهداء ومخفيًا المعالم كستار سميك ينسدل على مسرح.
بعد إزالة تمثال Duc d’Orlean من وسطها وتبديل اسمها من ساحة Place du Gouvernement إلى ساحة الشهداء، باتت هذه الساحة ترمز إلى قتلى حرب الاستقلال الذين سقطوا بين 1945 و1962. كما إنّها تبقى واحدة من أكثر الأمكنة حيويّة في الجزائر العاصمة.
شارع ارنستو تشي غيفارا، أو شارع الجمهوريّة والشارع الكبير سابقًا، يعكس نمط حقبة الاستعمار الفرنسي ويظهر الطبقات المتعدّدة في التاريخ الجزائري.
يتميّز مبنى البريد المركزي بطابعه الإسلامي المغربي المتمايز بوضوح عن المباني المحيطة به المتميّزة بأنماطها الفرنسيّة. مبنى البريد أنشئ في العام 1910 وما زال يعرف باسمه الفرنسي، 'لا غراند بوست'، وهو يقع إلى شرق حيّ القصبة.
تشرف هذه المنطقة على مشهد للمراكب والسفن التي تربط الجزائر بالعالم الخارجي.
مسجد كتشاوة يعود إلى نحو العام 1612، أي إلى الحقبة العثمانية. مع الاستعمار الفرنسي تمّ تحويله إلى كاتدرائيّة وسط غضب جزائريّ عام. ثمّ عاد ليكون مسجدًا بعد الاستقلال عام 1962.
منطقة باب الواد شرق الجزائر العاصمة. المنطقة بنيت للفرنسيين، وقد شهدت في الثمانينات تظاهرات شهر تشرين الأوّل (أوكتوبر). ثمّ استعادت المنطقة جاذبيتها وازدهارها لما تضمّه من علامات معماريّة ومراكز الصناعات الحرفيّة.
كلّ الطرق تودي إلى ساحة الشهداء. مسجد الصيّادين العثماني الأبيض يقوم عند طرف الساحة الشرقي ليتاخم مبنى كولونياليًا فرنسيًا أنيقًا عند الواجهة البحريّة المتوسّطيّة.
وسط حيّ القصبة. هنا عاش الجزائريون طوال حقبة الاستعمار، ولا تزال المنطقة حافلة بمظاهر الحياة الناشطة وبأجواء الأسواق الشعبيّة.
مدرسة البنات تقع في قلب حيّ القصبة المشهور بنوافير الماء وبالأطعمة المحليّة.
لطلب العدد الأوّل من البوابة التاسعة يرجى مراسلتنا على order@portal9journal.org ، مع اسم صاحب العلاقة وعنوانه البريدي ورقم هاتفه، وسيقوم أحد أعضاء فريق عملنا بالإجابة والتعاون.
المعلومات المطلوبة
    


شكراً لإرسال طلبكم للبوابة التاسعة