العدد 2 السَّاحة، ربيع 2013
المطوِّف
صنعاء ساحة مفتوحة
"هي مدينة شهيّة دائمًا. تغري جموع القبائل المحيطين بها كي يذهبوا لنهبها كلّ صباح"، يقول لي عبد الرحيم، الموظّف المتقاعد والمطوِّف في أمكنة صنعاء منذ زمن، والذي شهد وهو صغير في العام 1948 كيف نهبتها القبائل. 
what is the generic name for bystolic generic for bystolic bystolic generic name
عن المؤلّف

جمال جبران كاتب وصحافي من اليمن (مواليد أسمرا- اريتريا 1974).

مقالات ذات صلة
"قبل اليوم" لـ آريل بينك
سيرة لأوّل الخيال
العدد الحالي
الغابة، ربيع 2014
المقالات
المراجعات


أطلب الآن
أرشيف
جميع المقالات
جميع المراجعات
أعداد سابقة
السَّاحة
سرد: كتابات عربيّة وروسيّة معاصرة
المتخّيل
cialis forum hr open cialis tablete
lithium ion battery bartsha.cz lithium

1

"سور طينيّ بارتفاع شاهق نسبيًّا يلف محيط مدينة صنعاء القديمة التي أعرفها"، يقول عبد الرحيم. إنّه سور مكوّن من أسوار عدّة متلاصقة تعود إلى ما قبل الحقبة الإسلاميّة. جدار وقاية متعدّد الطبقات يُفترض أن يصدّ خطر الغرباء المحتمل، إذ كانت صنعاء دائمًا لقمة سائغة مشتهاة.

إلى زمن قريب، بلغة السنين، كان الإمام يحيى بن حميد الدين، حاكم اليمن بين العامين 1904 و1948، يقوم بنفسه مع هبوط الليل بإغلاق أبواب المدينة السبعة. فلا يعود متاحًا دخول المتأخّرين من أهل المدينة. كان يتوجّب على هؤلاء الانتظار حتّى يلوح الصباح. لم يكن أمامهم سوى النوم هنا، بجوار الأبواب خارج السور، وظهورهم معرّضة لأخطار جمّة قوامها أفراد قبائل متأهّبين دومًا، مثل وحوش مفترسة، يرون النائمين لقمة سائغة ويتخذون من الفضاء حول السور منطلقًا لهم نحو طرائدهم ما إن يلوح الظلام. "من فكرة الخطر الدائم والارتياب من المساحات المفتوحة تكرّست فكرة السور وفعل التسوير في ذهنية اليمنيّ، الذي طالما نظر إلى الجبال كأداة حماية"، يقول عبد الرحيم. ويستذكر الرجل القصّة التي تروي كيف أن اليمنيين عندما تفشّى مرض الكوليرا في أحد البلدان المجاورة لليمن في نهاية القرن التاسع عشر، رفضوا خطّة تلقيح وضعها طبيب فرنسي كان مقيمًا وزوجته في صنعاء آنذاك، مقتنعين بأن لا مكروب يمكنه تسلّق جبال البلاد الحصينة.

ويقول عبد الرحيم أن اسم "صنعاء" في اللغة اليمنيّة القديمة يعني "المدينة المحصّنة تحصينًا جيّدًا"، وكلمة "صنعوا" تعني "تحصّنوا". وعليه فإن من المحتمل أن يكون نشوء مدينة صنعاء وتطوّرها اقترن بظاهرة تسويرها وتحصينها.

والسور وسيلة حماية من أعين المتلصّصين على حريم البيت وفنائه الداخلي. "انظر إلى هذه البيوت التي نطوف بينها"، يقول لي. "يبني اليمنيّ سورها قبل الشروع ببناء أساساتها. البيت الذي لا سور له هو عرضة دائمة للنهب، وهو يُسيل لعاب الطامعين والمارين بجواره". أن تبني سورًا يعني أن تكون في أمان وطمأنينة. ولا تزال هذه العادة شائعة إلى اليوم حتى في أكثر الأحياء يسرًا. ترى الفيلا الفخمة وحولها سور ضخم توازي تكاليف بنائه تكاليف بناء الفيلا نفسها. ويمكن أن ترى إلى جانب الفيلا أرضاً خالية شاسعة يحيط بها سور شاهق تُعلّق عليه لافتة مكتوب عليها، بخطّ رديء في العادة، "هذه الأرض ملك فلان الفلاني". إنها كلمات تشبه رُقية أو حرزاً يحمي تلك المساحة الجرداء والمفتوحة من عمليات النهب المتوقّعة في أيّة لحظة. وكلّما كان اسم "فلان الفلاني" كبيرًا وذا مكانة رفيعة في قبيلته، تراجع احتمال تعرّض أرضه لخطر وضع اليد عليها. أراضي الفقراء وحدها تبقى عرضة للنهب والمصادرة. أراضي الفقراء هي مشاع دائم وساحات للعموم وسور حمايتها واهٍ لا يصدّ.

ومن حكايا عبد الرحيم أن شيخًا قبليًّا كبيرًا فاحش الثراء خطرت في رأسه فكرة تتعلّق بالحجارة اليمنيّة الغالية الثمن المستخرجة من المنطقة الغربية الجنوبية البعيدة عن العاصمة حيث يقيم أغلب الأثرياء. قرّر الشيخ إرسال كميّات كبيرة من هذه الحجارة إلى العاصمة البريطانية لندن حيث يقوم قصره الفاره في منطقة فخمة. وتفترض الحكاية أن الشيخ أرسل أيضًا عددًا من البنّائين اليمنيين المهرة والمتخصصين لتنفيذ الأشغال. وفي الصباح التالي لوصولهم نهض سكّان الحيّ اللندني وشاهدوا الشيخ اليمني مشرفًا على أعمال بناء سور لفيلّته الضخمة. هو لم يكن يعلم أن القانون المحلّي هناك يحظر بناء الأسوار الحجريّة حول المنازل. وفي حين تبقى هذه القصّة في خانة الحكايات المتناقلة شفاهيًّا بين العامة من دون التأكّد من حقيقة حصولها، إلّا أنّها تشير إلى عمق هيمنة فكرة السور والتسوير في ذهنية الفرد اليمني مهما اختلفت مرتبته الاجتماعيّة.

2

وتنبئ حوادث صنعاء أن السور لا يكون ناجحًا على الدوام في تأمين حماية ما بداخله، خصوصاًإذا ما أتى الخطر مدعومًا من سلطة يفترض أن تكون هي مصدر الحماية الأوّل والحقيقي. ففي السابع من شباط (فبراير) عام 1948، نفذ الثوار اليمنيون عملية اغتيال الإمام يحيى بن حميد الدين. الاغتيال تمّ بواسطة رشّاش آلي فيما كان الإمام يهمّ بدخول مدينة صنعاء بعد جولة حولها. وقد قُتل مع عدد من مرافقيه من دون أن يتمكّن الثوار من قتل ابنه، ولي العهد، الإمام أحمد، الذي لجأ إلى عدد من القبائل التي وقفت إلى جانبه مؤيّدة مساندة. وقد تمكّن الأخير من الخروج من مدينة تعز (جنوب صنعاء) والتوجّه إلى مدينة حجة (شمالًا) عبر مدينة الحديدية الساحليّة، وهناك استطاع تنظيم أموره وحشد القبائل إلى جانبه بهدف اجتياح ونهب صنعاء، الجائزة التي وعد رجاله بها في حال انتصارهم.

في يوم 13 آذار (مارس) 1948 تمكّن ولي العهد وجيشه من دخول صنعاء تحت جنح الظلام من باب "الشقاديف" بمساعدة الفرقة التي كانت مكلّفة حمايته من الداخل. بدأ إطلاق النار سريعًا وبدت هزيمة الحركيين وشيكة وفي متناول أيدي جيش وليّ العهد والقبائل المرافقة. لكنّ أحداً لم يتوقّع حصول الهزيمة بمثل السرعة التي حصلت بها، لتبدأ بعدها مرحلة النهب.

لم تكن المرّة الأولى التي تتعرّض مدينة صنعاء فيها لمثل هذا الأمر. حصل هذا مرارًا وتكرارًا ودائمًا بدافع غريزة في نفوس القبائل التي ترى في صنعاء كنزاً يُنمّي نفسه ذاتيًّا وعلى نحو متواصل. لكن نهب القبائل كان مضاعفًا هذه المرّة ومدعومًا بحوافز إضافية، منها رغبة وليّ العهد الإمام أحمد في تحويلها إلى غنيمة لرجاله إذا ما استطاعوا إخماد الحركة الانقلابيّة، ومنها أيضًا نزعة الثأر انتقامًا لروح الإمام المقتول غيلة وغدرًا.

كان النهب الكبير والأوّل الذي شهده عبد الرحيم. كان وقتها في السابعة من عمره يدرس القرآن والعلوم الدينيّة الأوّليّة في أحد مساجد المدينة. خلال النهب، لم يسلم شيء من أيدي المجتاحين. دمّروا كلّ شيء ونزعوا الأبواب الخشبيّة من أماكنها والنوافذ من جدرانها، كما نزعوا الثياب والحلى والذهب من أعناق النساء وأيديهنّ وأجسادهن. وسرت حكايات رهيبة عن رجال قبائل كانوا يلجأون لقطع الأيدي التي تمانع حلي صاحبتها من الخروج طواعية منها. ومن الحكايا التي تروى أيضًا أن مجموعة من القبائل قامت بجمع المسروقات التي نهبتها عند امرأة عجوز تقيم خارج صنعاء، وذهب الرجال لإحضار الجمال لكي تُحمل الغنائم. ووافقت العجوز على ذلك. عندما عادوا بجمالهم حمّلوا المسروقات على ظهورها وبقي جمل واحد بلا حمولة. حينها قاموا بنهب المرأة العجوز لتحميل جملهم الفارغ. وتشير حكايا كثيرة عن تفاقم نزعة النهب وتأججها في نفوس القبائل حتّى إلى ما بعد انتهاء تلك الأحداث. وكانت جموع القبائل العائدة من غزواتها والذاهبة إليها تتقابل خارج صنعاء، وكان بعضها يشعر بتفوّق القبائل الأخرى عليه، فتحصل معارك شرسة بين من نهب أكثر ومن نهب أقل. لم يكن أحد يرغب في الخروج خالي الوفاض من ساحات صنعاء المفتوحة.

3

ومن وقائع النهب المشهودة التي عاصرها عبد الرحيم أيضًا كانت في العام 1994. ففي صبيحة الرابع من نيسان (أبريل) من العام المذكور وقعت الحرب الأهليّة في اليمن بين قوّات المعسكر الاشتراكي في الجنوب وقوّات المعسكر القبلي في الشمال وذلك بعد وحدة لم تستطع إكمال عامها الخامس. كانت الأحوال قبل اندلاع القتال متوتّرة إلى حدّ كبير، وذهب عبد الرحيم ليقيم أيّامًا عدّة في قرية تبعد عن صنعاء نحو مائة كيلومتر. وصادف أن وقعت الحرب في اليوم الأخير من إقامته هناك. عندما قرّر العودة أخبروه أن الطريق مقطوعة ويستحيل الوصول إلى صنعاء لانعدام المواصلات. الأمر بالنسبة له كان مستحيلًا، إذ لا بدّ من صنعاء وإن طالت المسافة واشتعلت الحرب.

لم تكن الطريق سهلة مع الانعدام التام للمواصلات. استمرّت رحلته قرابة ساعات عشر، في حين كانت في الأيّام العادية لا تتطلّب أكثر من نصف ساعة. وقد اضطر خلال رحلته إلى قطع مسافات طويلة سيرًا على قدميه. وفي أثناء سيره راح يقابل عددًا من القبائل في أكثر من موضع، وحين يهم بسؤالهم عن وجهتهم كان يأتيه جواب واحد: "ذاهبون إلى صنعاء كي ننهب". تكرّرت صور نهب صنعاء مجدّدًا وكأنّها شريط مصوّر تمرّ مشاهده على شاشة طيفيّة أمامه. النهب لم يتغيّر وإن كان في زمن آخر. لا يزال القبليّ كما هو، لا يبالي بتبدّل الأحوال والزمن من حوله. وكان أن عادت تلك الجماعات القبليّة أدراجها بعد منعها من دخول صنعاء حين صدرت الأوامر بعدم السماح بدخول العاصمة لغير المقيمين فيها. لكنّ خيبتهم لم تدم طويلا حيث لزمهم انتظار قرابة  السبعين يومًا، الفترة التي استغرقتها تلك الحرب الأهلية، ليستبدلوا وجهتهم ناحية مدينة عدن الجنوبية الكسيرة والمهزومة في ذلك الوقت. وللأخيرة لم يكن ثمة سور يحميها، فجرت أبشع عملية نهب واستباحة حدثت في التاريخ اليمني المعاصر.

وعبد الرحيم يرى الفترة التي تلت الحرب نقطة تحوّل في حياة صنعاء التي يحفظ تفاصيل شوارعها وحكايا حاراتها. فالسلطات التي غرقت مذّاك في الصراعات السياسيّة القبليّة، راحت تُغفل كلّ قرار حازم يحفظ وجه المدينة وملامحها ويحول دون تهدّم مبانيها القديمة، كما حصل في مطلع عام 2005 عندما تسرّبت المياه إلى قواعد المباني نتيجة غياب شبكات الصرف الصحّي. ومع موجة التحديث الاستثماريّة غير المخطّطة خلال العقد الأخير، هجر صنعانيّون كثر حاراتهم حول ساحة باب اليمن، منتقلين للبناء والعيش خارج المدينة بعد تأجير بيوتهم في الداخل بأسعار باهظة لأجانب غربيين، جلّهم من الدبلوماسيين والباحثين. يمشي عبد الرحيم الآن كل يوم بعد صلاة الفجر في ساحة باب اليمن وحاراتها متلمّسًا أثر المغادرين وأمكنتهم التي كانت حافلة بالمطاعم والمقاهي الشعبيّة. يشير إلى مكان عند زاوية قريبة من البوابة الكبيرة. هنا قام مقهًى صغير في السابق، استبدل اليوم بمتجر لبيع تذكارات يمنيّة لا يهتم بها سوى السيّاح. المدينة القديمة كما يوحي به هذا المتجر باتت محاصرة هكذا، بين إكزوتيكيّة الخيال السياحي وبين نزق المخيلات القبليّة. في القلب يجتاحها المُقيمون الطارئون المؤقّتون، وحولها يتربّص نزق رجال القبائل، منتظرًا لحظة مواتية للانقضاض.
لطلب العدد الأوّل من البوابة التاسعة يرجى مراسلتنا على order@portal9journal.org ، مع اسم صاحب العلاقة وعنوانه البريدي ورقم هاتفه، وسيقوم أحد أعضاء فريق عملنا بالإجابة والتعاون.
المعلومات المطلوبة
    


شكراً لإرسال طلبكم للبوابة التاسعة