العدد 2 السَّاحة، ربيع 2013
مراجعات ونقد
هيروشيما ?متنزّه ?السلام: ?بوّابة ?إلى ?مستقبل محفوف ?بالمخاطر
المتنزَه الرمزي في هيروشيما الذي مثَل الساحة العامَة الأولى من نوعها في تاريخ اليابان، يسير أكثر فأكثر إلى ما يسعى إليه اليابانيّون: وعاء مصون لخرافة، تحرسه أمّة عازمة على كتمان الأسرار. 
عن المؤلّف
ناقدة معمارية يابانية، كاتبة ومحاضِرة وأمينة متحف متخصصة في تاريخ العمارة الياباني.
العدد الحالي
الغابة، ربيع 2014
المقالات
المراجعات


أطلب الآن
أرشيف
جميع المقالات
جميع المراجعات
أعداد سابقة
السَّاحة
سرد: كتابات عربيّة وروسيّة معاصرة
المتخّيل
1 2 3 4 

هل يحقّ لمهندس معماري أو مُخطِّط مُدُن أن يُملي على العموم تجربته الخاصّة في رحاب ساحة ما؟ غالبًا ما نُدفع إلى الاعتقاد أن الساحات العامة مفتوحة للجميع، تصاميمها تحثّ على تنوع التفاعل والانخراط. لكن ماذا يحدث حينما يسعى مهندس أو مخطِّط مدني إلى وضع وصفة مسبقة لـ"الحياة" في ساحة عامة؟ ماذا لو أسفر ذلك عن خسارة الساحة مناخها البهيج، لتصبح فارغة ومقفرة، بل خطرة إلى درجة الاستعانة بحرّاس أمن لحمايتها؟ أتبقى، في الحالة هذه، "عامة"؟ لا جدوى من فضاء عام يفقد اتصاله بناسه أو بسِمته المحليّة. فالساحة العامة، بالتعريف، مكان لتدفّق الزوار.

كانت "حديقة هيروشيما لنُصُب السلام" الساحة العامّة الأولى من نوعها في تاريخ اليابان. شيّدت لتكون مركزية، مرئية، والأهم لتكون مفتوحة للناس جميعًا، على ما سيشدّد مهندسها كينزو تانجي لاحقًا في مقابلات ومقالات عديدة.

إثر قصفها بقنبلة نووية أميركية العام 1945، أي أواخر الحرب العالمية الثانية، سُوّيت مدينة هيروشيما، التي كان الخشب عِمادًا لغالبية أبنيتها، بالأرض. أطلال قليلة ظلّت قابلة للتمييز، لا سيما مبنى معرض صناعات المحافظات، والمعروف اليوم بـ"قبّة القنبلة"  (A-Bomb Dome).

بعد الحرب والقصف، ظلّ مصير "القبّة" معلّقًا. في مخطّطه الذي تقدّم به إلى مسابقة تصميم "حديقة النُّصُب التذكاري" العام 1949، تجرّأ تانجي على اقتراح موقع مركزي أساس لـ"قبّة القنبلة" في قلب الحديقة الجديدة. قدم اقتراحه هذا، على الرغم من أن شروط المسابقة أتاحت للمشاركين بلورة أفكارهم من الصفر، كأنما على أرض "نظيفة". في رؤية تانجي، برز المبنى باعتباره الـ"أوكوميا" (المزار - الضريح الداخلي) للحديقة، للمدينة، للعالم.

في كتابه "تنشئة الأحلام: مقالات عن الهندسة المعمارية والمدينة" (2012)، يكتب المعماري الياباني وتلميذ تانجي، فوميهيكو ماكي، إن "أوكوميا" البلدات والقرى كانت تشيّد خارج المناطق المأهولة. تقليديًا، لطالما توارت أكثر المواقع قدسية في خبايا الجبال، في أماكن خارج نطاقات البشر الفانين.

في الجبال تحوم الـ"كامي" (الأرواح)، ويهيم المنبوذون. لا بيوت تُبنى في أعالي الجبال، بل تنمو القرى والبلدات على امتداد السهول الضيقة بين الجبال والبحر. لبلوغ "أوكوميا" ، كان على الناس أن يستعدوا لرحلة طويلة وشاقة. قلّة استطاعت تكبّد مشقة تلك المسيرة المضنية.

وخلافًا للقرى والبلدات في الغرب، الممهورة والمنظورة بأبراج الكنائس، أو تلك المُعرّفة بساحات مركزية مفتوحة تتمدّد من المساجد في شمال إفريقيا والشرق الأوسط، تتّسم القرى والبلدات اليابانية التقليدية بغياب المركزية والعمودية، بحسب ماكي.

هكذا، تجاسر تانجي على تحدّي السبل المتعرجة إلى "الأوكوميا"، جاعلًا "قبّة القنبلة" قلب هيروشيما المقدّس وركيزة تصميمه للحديقة التذكارية الواقعة في ما كانت، ذات مرة، المقاطعة التجارية المركزية النابضة في ناكاجيما  تشو، والممتدة على مساحة 120  ألف متر مربع. مكوناتها الأساس ثلاث: متحف السلام التذكاري، نعش أجوف لضحايا القنبلة النووية، و"قبّة القنبلة". وكلها تصطف كأنما على خط مستقيم، بحسب تصميم تانجي.

وكما بطلِه لوكوربوزييه، الذي رفع مبانيه على "بيلوتي" (أعمدة اسمنتية ضخمة)، رفع تانجي متحفه على "بيلوتي"، محولًا إياه بوابة ضخمة تفضي إلى الحديقة. وحالما يلجُ الزوار الحديقة، يرون من فورهم "قبّة القنبلة"، مؤطرة بقوس مثالي للنعش الرمزي. قَصَد المعماري ربط الحديقة والمدينة والعالم الأوسع بذلك الخط المستقيم. لم يُرِد للحديقة إحياء ذكرى ضحايا الهجوم النووي فحسب (قُتل فيه 150  ألف شخص). بل أرادها "مصنعًا للسلام"، مكانًا احتفاليًا من أجل مستقبل مبارك بالسلام العالمي، كما كتب هو نفسه ومعه تيرونوبو فوجيموري في "كينزو تانجي"  .(2002)

بيد أن عيوب الحديقة ظاهرة في الرسم الأوّلي الذي تقدّم به تانجي إلى المسابقة. المنظور موجز: الحديقة، بالنسبة إلى تانجي، شقّت طريقًا مختصرة إلى مستقبل أفضل، مُمثّل بالبحر البعيد، الهادئ بلا تدافع للأمواج. يمكن النقاش في أنه كان تبسيطيًا.

وبحسب التصميم، يتضح أن الرؤية المؤمثلة للمستقبل، محفوفة بالمخاطر، إذ لم تُفتح الحديقة للجميع في النهاية. اللائحة الرسمية بأسماء ضحايا القنبلة النووية، والمحفوظة داخل نعش حجري تحت قوس المقبرة الرمزية، لم تتضمن أسماء الضحايا الكوريين والصينيين وغيرهم المنتمين إلى هويات آسيوية أخرى، والذين قضوا إلى جانب آلاف آخرين، صيف العام 1945.

هذا الاستثناء دفع بالجالية الكورية المحليّة، العام 1970، إلى بناء نُصُب تذكاري خاص بها، غير أن البناء لم يُعطَ مكانه المُستحقّ في رحاب الحديقة. بل جُعِل خارج حدودها لعقود، حتى نُقل إلى الداخل في تموز (يوليو) 1999، بعد خمسين سنة بالضبط على فوز تصميم تانجي في المسابقة.

يقدّر عدد الكوريين الذين كانوا يقطنون هيروشيما، منتصف القرن العشرين، بنحو 50  ألفًا. أجبروا على العمل في أنحاء اليابان، بلا أجور، بعدما رضخت كوريا للاستعمار الياباني مطلع القرن العشرين.

وعلى الرغم من إنشائها بنوايا فاضلة، لم تُحِل "بيلوتي" متحف تانجي، مبنًى للجميع في نهاية الأمر. ويبدو أن تانجي أساء تقدير مقاسات الهيكل. المتحف، المحاط بقاعة تجمّع ومركز اجتماعي، جامح في ارتفاعه، كأنما في تحدٍّ. وتعلو الأسقف داخل قاعات المعرض أكثر من ستة أمتار، فيما تنبسط الأرضية على أكثر من ألف متر مربع.

وإذ حار المسؤولون عن المتحف في كيفية ملء تلك المساحة الهائلة بفاعلية، فقد ابتكروا ديكورات مسرحية ودمى من الشمع لمحاكاة مشاهد مروعة من الهجوم النووي. إلا أن زيف تلك المعروضات يبعث على السخرية. والأنكى إن المتحف يتجاهل التاريخ الاستعماري لليابان والفظاعات التي ارتكبتها الأمّة في البلدان المجاورة.

في العام 1956، وبعد سنة واحدة على فتح المتحف للعموم، أزيل بعض المعروضات إفساحًا في المجال لمعرض "ذرّات من أجل السلام" الذي يروّج للاستخدامات السلميّة للطاقة الذريّة. وسوّقت الفكرة على أنها "مانحة للحياة"، في مقابل القوة التدميرية القاتلة للأسلحة النووية.

واقعة إقامة ذلك المعرض فعلًا في متحف تانجي، أُهملت منذ زمن، بل طواها النسيان. غير أنه حقق نجاحًا عظيمًا آنذاك، وحصد دعم الـ"هيباكوشا" (ضحايا القنبلة).

 لربما كان متحف تانجي، المصمّمة واجهاته لإدخال أكبر قدر ممكن من الإضاءة الطبيعية، أكثر ملاءمة للمعارض الهادفة إلى حرف أذهان الناس عن الماضي المؤلم المظلم، إلى مستقبل أكثر إشراقًا. كأن في الفكرة لعبة قَدَرية لا تخلو من مفارقة. لكن نظرة راهنة، بمفعول رجعي، إلى استضافة المتحف "ذرّات من أجل السلام"، تكشف خيانة قصوى للـ"هيباكوشا" وإهانة لهم.

بالنسبة إلى اليابانيين اليوم، ما عادت "قبّة القنبلة" محفّزًا على التأمل في ماضٍ تراجيدي، بل رمزًا لكونهم الضحية. النقاش في قصف هيروشيما وناغازاكي لم يغيّر الكثير في اليابان: الحديقة أنتجت سردية أحادية مستدامة للكوارث.

ما عادت "قبّة القنبلة" أثرًا أو طَلَلًا، بل وعاء مصون لخرافة، تحرسه أمّة عازمة على كتمان الأسرار عن شعبها. ربما، لو تُرك للطبيعة استردادها، لكانت القبّة لتخدم الهدف منها في شكل أفضل.

في العام 2011، أي بعد نحو 70  سنة على القصف النووي، عانت اليابان الألم ذاته، والأضرار الدائمة ذاتها، حينما أدى زلزال وتسونامي إلى كارثة نووية في فوكوشيما داييتشي. وما زال ضبابيًا حجم الكارثة، وأسباب فشل السلطات في الحؤول دون تلك الخسائر مغلّفة بالسرية.

صُمّمت حديقة هيروشيما التذكارية للسلام لتتسع لنحو 50  ألف شخص. لكنها لا تجتذب مثل هذا العدد من الناس إلا عندما تحتضن إحياء ذكرى الهجوم النووي في آب (أغسطس)، والذي يبدأ بطَقس مناداة الموتى وينتهي بإطلاق الحمائم. لا مكان لمساءلة المعنى الحقيقي لذلك الحدث في العالم اليوم، حيث ما زالت النزاعات والحروب تتكاثر. وذلك خوفًا من خدش ذكرى الأموات ومشاعر أقاربهم. تختزل الحديقة قصة الضحية اليابانية وكأنها خطّ حياتها. وبهذا المعنى، لم تكن يومًا عامة. بل تبدو وظيفتها الدفع بمصالح مجموعة مختارة من الناس. وإن كانت لتستجلب مستقبلًا أفضل، فعليها السماح بصعود سرديات مختلفة.

ترجمة رشا الأطرش

Gateway to the Perilous Future: Hiroshima Peace Park

Portal 9 page 153 
صورة المجسّم الأصلي لمركز السلام في هيروشيما الذي قدّمه كينزو تانجي في مسابقة العام 1949. تصوير تشودجي هيراياما. حقوق الصورة لـ Tange Associates
الحمام يطير فوق نصب السلام التذكاري وتبدو 'قبّة القنبلة'، وذلك خلال حفل أقيم في هيروشيما في 6 آب (أغسطس) 2012 بالذكرى الـ 67 لإلقاء القنبلة الذريّة على المدينة.تصوير كيودو كيودو. حقوق الصورة لرويترز
رسم مُقترح لمركز السلام في هيروشيما قدّمه كينزو تانجي (1949). حقوق الصورة ل Tange Associates. مصدر الصورة:Terunobu Fujimori and Kenzo Tange, Kenzo Tange (Tokyo: Shinkenchikusha, (2002)
منظر داخلي في متحف السلام التذكاري بعيد افتتاحه أمام الزوّار. حقوق الصورة The Chugoku Shimbun
لطلب العدد الأوّل من البوابة التاسعة يرجى مراسلتنا على order@portal9journal.org ، مع اسم صاحب العلاقة وعنوانه البريدي ورقم هاتفه، وسيقوم أحد أعضاء فريق عملنا بالإجابة والتعاون.
المعلومات المطلوبة
    


شكراً لإرسال طلبكم للبوابة التاسعة