العدد 2 السَّاحة، ربيع 2013
إفتتاحية
الساحة
عن المؤلّف
فادي طفيلي، كاتب وشاعر ومترجم لبناني. رئيس تحرير البوَابة التَاسعة. 
العدد الحالي
الغابة، ربيع 2014
المقالات
المراجعات


أطلب الآن
أرشيف
جميع المقالات
جميع المراجعات
أعداد سابقة
السَّاحة
سرد: كتابات عربيّة وروسيّة معاصرة
المتخّيل

تربط اللغة العربيّة الساحة كمكان، أو كناحية وفضاء يتوسّط كتل العمران، تربطها بالسيولة والجريان والتنقّل على وجه أرض مستوية. فالسَّيحُ، العبارة الأصل التي اشتقّ منها اسم الساحة، على ما يذهب لسان العرب، هو الماءُ الظاهر الجاري على وجه الأرض. والسياحة هي الذهاب في الأرض للعبادة والترهّب. فإذا ساح المرء فقد ذَهَبَ في الوجهة التي تقوده الأرض إليها، مثل ماء سُفِحَ وانصبّ بقوّة على سطح مستوٍ. ولا يبتعدُ الإسم العربيّ الشائع الآخر للساحة، أيّ الميدان، كثيرًا عن هذه المعاني. إذ إنّه مشتقٌّ من مَيْد التي لها معنيان، أحدهما يدلّ على حركةٍ في الشيء، والثاني على نفعٍ وعطاء. فإذا ماد الشيء فقد تحرّك ومال، أو أنّه زاغ وزكا. وإذا أمدَّ فلانٌ فلانًا بشيء فقد أعطاه إيّاه. كما تأتي أمدّ أيضًا بمعنى أوسع وأتمّ. والمَيَدَانُ هو الاضطراب الذي يحلّ بأطراف الأرض إذ تجري وتتسابق الخيول عليها، وقد غدا الميْدَانُ هذا، مع كسر ميمه وتسكين يائه، اسمًا لتلك الفسحة الفضاء لما شكّلته من مسرح عمومي، إذ كانت تُعرض الخيول فيها وتُستعرض مهارات الفروسيّة. أمّا موقع الميدان (الساحة)، الوسطيّ في قلب العمران، وتحديدًا في النموذج المدينيّ "العربيّ" - "الإسلاميّ" متعدّد الأوجه والمتنوّع كحال العالم الإسلامي، فَفَرضه موقع مساكن أصحاب المقامات والأعضاء البارزين في الأرستقراطيّة العسكريّة المرتبطين بالحاكم والسلطة. وهؤلاء، خصوصاً في الحقبة المملوكيّة في مصر وسوريا، مثلاً، هم من خُصّصت لهم حول مساكنهم في أوساط المدن مساحات كبيرة للتمرين، ورحاب وميادين خيل تُعرض فيها فرقهم أو تقام فيها ألعاب الفروسيّة وأسواق الخيل. وقد تجاورت تلك المساحات وتضافرت مع ما تطلبته الصروحُ الدينيّة المركزيّة في الأوساط من فسحات مستوية، ومقارُّ الحكم من باحات عروض واستقبالات.

والحال، فإنّ المعاني هذه كلّها، في اللغة كما في مواضع العمران ووقائع الاجتماع والسياسة، بدءًا من السيولة وجريان الماء والتنقّل والذهاب على وجه الأرض وما ربطته اللغة بها من دواعي انصباب وعبادة وترهّب، وصولاً إلى المَيَدان والحركة والاضطراب ومظاهر السلطة ومسارحها، لها وشائج ضمنية وثيقة بما جرى ويجري في ساحات مدن وبلدات المنطقة العربيّة ابتداءً من كانون الثاني (يناير) 2011. فانطلاقًا من تونس ومصر، ثم ليبيا واليمن والبحرين، فسورية، وغيرها من البلدان بوتائر أقل، راح الناس في المدن والبلدات، وعلى مدار أيّام وأسابيع وأشهر متتالية وفاقًا لإيقاع ناشط غير مسبوق، يخرجون بمجموعات تراوح بين عشرات الأفراد ومئات ألوفهم، محاولين جاهدين بلوغ الساحات العامّة، متفاوتة الأحجام بحسب مقاييس المدن والبلدات والقرى التي تقع فيها، ومُعلنين، بأشكال مختلفة، مواقفَ حاسمة مباشرة لا لبس فيها تتعلّق بأنظمتهم السياسيّة ومستقبلها، وبأحوالهم كمواطنين مُفتَرَضين في بلدانهم المأزومة. كما محاولين تأكيد علاقتهم الوطيدة بالساحات التي بلغوها وانتمائهم الأوّليّ إليها، إذ راحوا في كثير من الأحيان يفترشون أرضها ويخيّمون فيها، أو يهشّمون نُصُبُها التي اعتبروها زوائد طارئة إذا ما تعلّقت بحاكم يثورون عليه، أو يغيّرون أسماءها إذا ما اقترنت تلك الأسماء بذلك الحاكم. كما راحوا في حالات عديدة أخرى ينظّفونها بعد احتشادهم وإقامتهم المرتجلة فيها، محاولين إعادتها إلى حالتها "النقيّة" الأولى التي اعتبروها جامعة وأكثر ديموقراطيّة وتمثيلاً، كونهم في الأصل يتحرّكون ضد طغمة حاكمة حصرت السلطة بأفرادٍ قبضوا عليها بالقوّة وتوارثوها مع عائلات مقرّبة وحلقات ضيّقة حولهم. وقد حاولت الحشود في بعض الأحيان التعامل مع ما هو ليس ساحة عامّة في الأصل، كمثل الدوّرات التي تربط بين تقاطعات الطرق، على أنّه ساحة، مُعبّرة بذلك عن حاجتها لوجود هكذا مساحة ضمن مجالها العمرانيّ.

وذلك بلا ريب مشهدٌ كبير ومؤثّر يساهم في إثارة أسئلة كثيرة ستبقى في طور التشكّل ما دام الحدث في الساحات، أو في أشباهها، لا ينفكّ يتفاعل وينتقل من طور إلى آخر على نحو دراماتيكيّ حادّ. على أن الواضح والمحسوم بالنسبة لنا إلى الآن، ومنذ البداية في مطلع 2011، أنّ ثمّة ما كان راكدًا منذ زمن مديدٍ، فجرى، بأساليب مختلفة، التوجّه لتحريكه ودفعه كي يجري بفعل ما ساحَ أمامه من حشود على وجه الأرض المفتوحة. إذ إن الأخيرة، بحسب المحتشدين والمتحرّكين فيها والذاهبين إليها، في تلك اللحظة الربيعيّة العربيّة، هي المكان الطبيعيّ والأصيل الذي ينبغي التوجّه إليه بغية تنفيذ هذه المهمّة. مهمّة تحريك الراكد المتيبّس وهزّه، أو دفعه وقذفه وتبديل حالته اليابسة الحجريّة.

نحن إذن أمام مكان يلائم هذا المستوى الجذريّ من القضايا التي تأتلف في طيّاتها مكوّنات كثيرة تبدأ من حقوق العيش البديهيّة الأولى (غذاء، سكن، استشفاء ...)، وتبلغ حقوق المواطّنة بمستوياتها المتنوّعة المُساهمة في تشكيل نسق المؤسسات الكبرى القائمة بأعمدة الدولة. إذ إن الساحة مثّلت على مدى الأزمنة، في فضائها العام بين العمران، مزيجَ معانٍ تتضافر فيه استعارات الصور الطبيعيّة المفتوحة وتلك المنضبطة والمركّبة، المُشيرة إلى متن السلطة العامّة. ومزيج هذين النوعين من الصور والإيحاءات جمع في مكان واحد استدعاءات التخفّف والحركة مع رمزيّة السلطة المرغوبة الجامعة.

على أن الأمر الأخير ربّما يشير إلى ما استدعى الجماعات العربيّة، أو جماعات ما اصطُلح على تسميته "الربيع العربي"، في بلدانها المختلفة، لكن المتشابهة في إقامة أنظمتها السياسيّة المديدة والمُتحكّمة، إلى التحرّك نحو ساحات المدن والبلدات والقرى، أو نحو ما افترضوه أنّه ساحات، منذ كانون الثاني (يناير) 2011 بمشهد قلّ نظيره في تاريخها الحديث سوى في حالات تشييع الزعماء وتوديعهم أو استقبالهم أو مبايعتهم، أو في حالات التعبئة القوميّة الاحتفاليّة والتناحرات الأهليّة المحتدمة. فصيرورة الجماعات العربيّة ومسارها الواقعي على مدى عقود افترضت صدامًا بين حالتها الطبيعيّة المُثابرة وبين أوضاعها المركّبة العالقة. وهذه وتلك مؤتلفتان، على فصامهما، في الساحات العامة والفسحات المفتوحة. وقد توجّهت الجماعات إلى هذه الأخيرة في محاولة للتعامل مع المسألة.

ثمّ إن الجماعات العربيّة قبل عقد عزمها النهائيّ في التوجّه إلى الساحات، راحت تتذوّق افتراضيًا طعم اللقاءات في فضاء عام مفتوح، وتجرّب احتمالاتها وإمكانيّاتها التغييريّة من خلال ما أتاحته لها فسحات التواصل الاجتماعي وتقنيات الاتصالات المستجدّة. وهي استفادت من ذلك التذوّق ومن تمارين التواصل في حركتها الواقعيّة العامّة للمطالبة بالتغيير، والتي لا شكّ في أنّها أعادت من خلالها تعريف ماهيّة الساحات وأدوارها وذكّرت بالحاجة إليها. والسؤال الذي يُطرحُ هاهنا، بعد عام ونيّف من هذه الحركة، هل ستصيب عمليّة إعادة التعريف باقي أجزاء المدن والبلدات والبيئات العمرانيّة التي تضمّ الساحات في أوساطها؟ كما ثمّة أسئلة أخرى تتبادر، كمثل: هل عبّرت عمليّة إعادة التعريف هذه عن عودة الحياة إلى الساحة كمكان عام مادّي لا غنى عنه للتواصل الفعلي والتعبير وإعادة التأسيس؟ هل أكّدت هذه الحركة دور الساحة الكلاسيكيّ الثابت المفترض، والذي كان مُعطّلاً، أم أنّها عملت وستعمل على تغييره؟ وهل تشير مظاهر التعامل مع ما هو ليس ساحة في الأصل على أنّه ساحة للتجمّع، إلى الحاجة الملحّة لوجود الأخيرة وإحياء دورها؟

وأيضًا هناك أسئلة تتعلّق بتوقيت الحركة نحو الساحات: لماذا الآن؟ ماذا استجدّ وكيف؟ وما هو سياقه ومنطقه التاريخيّان؟ وأسئلة أخرى تتعلّق بالعنف وبالاحتمال اليسير لتحوّل هذه الساحات إلى مسارح للموت والقتل.

"البوابة التاسعة" ستسلّط الضوء في عددها هذا، المتمحور حول الساحات، على مسارات هذه الفضاءات المفتوحة، المفعمة بالمعاني والأطياف والصور والاحتمالات. علّها في استعراض تجارب ساحات مختلفة في مدن وبلدات متفاوتة الأحجام والمواقع، تستخلص صورة معبّرة لهذه الأمكنة تساهم التفاصيل الحكائيّة والبحثيّة والفنّيّة في توضيح معالمها أكثر فأكثر.

لطلب العدد الأوّل من البوابة التاسعة يرجى مراسلتنا على order@portal9journal.org ، مع اسم صاحب العلاقة وعنوانه البريدي ورقم هاتفه، وسيقوم أحد أعضاء فريق عملنا بالإجابة والتعاون.
المعلومات المطلوبة
    


شكراً لإرسال طلبكم للبوابة التاسعة