العدد 2 السَّاحة، ربيع 2013
كتابات
عظام
اضطراب العالم المحجوب في جذور ساحة ريفيَة. 
عن المؤلّف
فادي طفيلي، كاتب وشاعر ومترجم لبناني. رئيس تحرير البوَابة التَاسعة. 
قراءة إضافية
عن البوّابة التّاسعة و"الساحة"
عشبة برّية مسترخية على جدار
العدد الحالي
الغابة، ربيع 2014
المقالات
المراجعات


أطلب الآن
أرشيف
جميع المقالات
جميع المراجعات
أعداد سابقة
السَّاحة
سرد: كتابات عربيّة وروسيّة معاصرة
المتخّيل

منذ أبصرته للمرة الأولى في أواسط تسعينيات القرن الماضي، كان بيت آل الحلو قديمًا، مهجورًا، متداعيًا على التل الشرقي المشرف على ساحة البلدة. بيت خفيض من ثلاث غرف متلاصقة على نحو مستطيل. حجارة واجهاته الصخرية لم تُصقل وتنعَّم بإتقان، فتلعب الظلال على نتوءاتها الكثيرة. سقفه المكون من عوارض خشبية وجذوع أشجار وطين حمّصته الشمس، انهارت منه أجزاء منذ سنين. لم يأتِ أحد من أهل الدار لرفع أنقاض السقف المتناثر ركامه في الغرف. من بعيد كنا نراقبه، وننظم غزواتنا لشجرة جوز ظليلة تعلوه، كلما علمنا أن ثمار الجوز انعقدت أكوازًا على الاغصان العالية.

علاقتنا بذلك البيت، بجدرانه تحت أفياء الجوزة، ظلت مشلّعة ومسكونة بالفسحات والحواكير، بأحاسيس الصمت والوحشة تكتنفه من كل جنباته. حتى في غزواتنا الجوزة في حِماه، لم نكن نتخطى مدى ظلالها على الأرض، ولا نقترب من أبوابه الخشبية ونوافذه المعتمة الموصدة على لا شيء خلفها، وزاد إعتامَها الغبارُ، غبارُ ركام السقف المنهار في داخل الغرف.

***

ساحة البلدة تفصلنا عن بيت آل الحلو. من طرفها الشرقي يمتد منحدر يُزرع خضرًا موسمية مختلفة. ثمة رجل يسكن مع عائلته في الجوار، يعتني بسقايتها ومراقبتها على الدوام، فيعيق حركتنا البرية المنفلتة في الحواكير، وصولًا إلى البيت وجوزته. الساحة وهي مكان لرصد الحارات وما يحدث فيهاكانت خالية من كل أثر لبشر في تلك الليلة المقمرة من ليالي تشرين الثاني 1995، فذكّرتنا بحارة بيت آل الحلو الخالية المهجورة.

من بدايته وحتى حلول الظلام، كان اليوم أغبر جافًّا. سيارات الدفع الرباعي راحت منذ مدة تُكثر زياراتها إلى الحارة القديمة، سالكة الطريق المودي إليها من طرف الساحة الشرقي، مخلفة غمامات كثيفة من الغبار والأتربة، كما في ميدان معركة. هذه المرة جاءت مبكرة، قبل حماوة الشمس، فأطلقت هديرًا رجّ جدران بيت جدي من أساساتها. حين اشتد الهدير إلى درجة لم نعهدها من قبل، خرجنا مسرعين نحو المصطبة أمام محلّ القصّاب المجاور لواجهة البيت. إطارات الجرّافة التي توقفت وسط الساحة كانت أعلى من المصطبة. الفراغات في دواليبها الكاوتشوك محشوّة بتراب مجبول بالحصى والحجارة الصغيرة. بين السيارتين المرافقتين، مكثت الجرافة بعض الوقت وسط ساحة البلدة، فأقفلتها. برجها المهتزّ بفعل هدير المحرّك بدا أعلى من سطح محلّ القصّاب. حين همّت بالتوجّه شرقًا، عبر الطريق الترابيّة البادئة من طرف الساحة، نحو الحارة المهجورة، أطلقت هديرًا قويًا مصحوبًا بغمامة كثيفة سوداء انبعثت من الداخون في أعلى برجها. في الطريق الترابية التي سلكتها خلف السيارتين، اختلطت الغمامة بالهدير والغبار والتراب. عندما انجلت تلك السحب، وبانت على الإسفلت بقع الوحل اليابس التي خلفتها الإطارات الضخمة وسط الساحة، كانت الجرّافة قد بلغت طرف الحارة الشرقية وشرعت تُعمل ذراعها وأسنانها في أطلال المكان.

***

لم يكن حضور الجرافة حدثًا عاديًّا عابرًا انتهى على ما رأينا في البداية مع انسحابها من الساحة التي لم تشهد منذ أعوام طويلة أكثر من تلك الحركة الهزيلة في محلّ القصّاب وعلى المصطبة، حيث تعلّق قطع الذبيحة، وتنعقد بعض مسامرات لقلة من مسنّي الحي وصبيته القريبة بيوتهم من الساحة. مسامرات تنتهي مع إقفال دكّان الأخرس عند التاسعة والنصف مساء تاركة امام الدكان قشور بزر اليقطين، فتخلو الأجواء لغارات حشرات الليل الانتحارية احتراقًا حول لمبة البلدية. لقد هزت الجرافة، الساحة، من جذورها العميقة، كما لم يفعل أي شيء من قبل. كأن حضور الآلية الضخمة ذاك وجلبتها، حرّكا شيئًا دفينًا في أعماقها، أصابه مس عنيف. شيء عميق، في القعر، كأحشاء غدت مع الجلبة والاهتزاز عاجزة عن البقاء ميتة مدفونة تحت مساحة الساحة، بعدما تركتها السنون ندبة يابسة تنتظر من يقشرها بظفره.

***

اضطراب العالم المحجوب في جذور الساحة، تأكّد في الليل بعد ذلك النهار التشرينيّ الغباري الطويل المشمس. إذ بدأ الليل بومضات فوانيس صغيرة تشرقط في محيط بيت آل الحلو البادي لنا كتلة سوداء في وهج القمر. من الشرفة العلوية لغرفة جدي في بيته، نزلنا، أنا وابن عمي وصديقه، إلى سطح الدكان تحتها. كان الدكان في الأصل غرفة أرضية تابعة للبيت، ولها واجهة مفتوحة على الساحة، فاستأجرها القصّاب من جدّي. في البداية حسبنا ومضات الفوانيس حشرات تضيء، أو شرارات من وهج البدر في اكتماله، أو نثار مذنّب سقط في حِمَى القرية. كانت اللمبة الخافتة الضوء، المتدلية من عمود البلدية عند طرف الساحة الشرقي، قد جذبت أسرابًا من الحشرات الطائرة. هسيسها، مناوراتها، أصوات ارتطامها بالصحن المعدني الصدئ حول عنق اللمبة، أبقت أنظارنا متجهة إلى تلك الناحية التي حسبناها مصدرًا